اخر المواضيع         

 

 
 
قديم 10-04-2004, 11:08 PM   #1
wahidkamel
Registered User









wahidkamel غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



كتاب عن السلوك الأنسانى

الفصل الأول
علم النفس: مجالاته وطرق البحث فيه
ما هو علم النفس:
لقد إهتم الإنسان بذاته كثيراً، وحاول جاهداً أن يعرف نفسه، وأن يجد إجابات عن أسئلة كثيرة تتعلق بسلوكه. لماذا سلك علي هذا النحو أو ذاك؟ وكيف أكتسب هذه العادة أو تلك؟ كما أتجه إلى تقدير إمكانيات شخصيته وخصائصها ومقارنتها بما يجد في شخصيات الآخرين. ولكثير من أناس آراؤهم الخاصة وتفسيراتهم لدوافع الأفراد للعمل أو الراحة، للحب أو للكره للتفكير أو التخيل وهم يتلمسون الأسباب التي تفسر اختلاف الأفراد في هذه النواحي وغيرها.
وعلم النفس يهتم بهذه المسائل. ولأنة يتخذ المنهج العلمي سبيلاً إلي دراستها. ويمكن تعريفه بأنه العلم الذي يدرس جوانب نشاط الإنسان وهو لا يعيش في فراغ وإنما يعيش في بيئة من الناس والأشياء. ويسعى لإشباع حاجاته العضوية والنفسية، وفي خلال سعيه تعترضه العوائق المادية والاجتماعية، ويحاول دوما أن يوفق بين حاجاته ومتطلبات الواقع. وسيتضح معني هذا التعريف من خلال معالجتنا لموضوعين هما: مجالات علم النفس، وطرق البحث فيه.
مجالات علم النفس
من الطبيعي لعلم يدرس جوانب نشاط الإنسان في تفاعله مع البيئة وتكيفه، أن يتفرع إلى مجالات معينة بعضها يهتم بالكشف عن الوقائع والمبادئ التي تحكم السلوك الإنساني، والبعض الآخر يهتم بتطبيق هذه الوقائع والمبادئ علي مشكلات الإنسان ويطلق علي الأولي مجالات علم النفس النظري، وعلي الثانية مجالات علم النفس التطبيقي.
ومن أهم مجالات علم النفس النظري:
( أ ) علم النفس العام: ويشتمل علي المبادئ الأساسية لعلم النفس كله أي أنه أساس كل الفروع الأخرى وهو يعني بصفة خاصة بالعمليات التي يقوم بها الفرد السوي في بيئته، والتي يشترك الناس فيها جميعاً كالإدراك، والتعلم، والتفكير، والتذكر، والانفعال… وغير ذلك من هذه العمليات.
(ب) علم نفس النمو: ويعني بدراسة عمليات النمو ومراحله ويشمل فترات الطفولة والمراهقة والرشد والشيخوخة.
(جـ) علم النفس الاجتماعي: يدرس أنواع التفاعل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات. ولا شك أن للعلاقات المتبادلة بين الأفراد تؤثر في تفكيرهم وانفعالاتهم وعاداتهم. ويتخذ التفاعل الاجتماعي ثلاث صور: بين فرد وآخر، بين فرد وجماعة، بين جماعة وجماعة، ومن الظاهرات التي يدرسها علم النفس الاجتماعي ظاهرة القيادة، والرأي العام، والدعاية… الخ.
( د ) علم النفس المرضي: يتناول دراسة السلوك الشاذ أي الذي ينحرف انحرافا عما هو شائع أو متوقع، أو ذلك الذي لا يتفق مع المعايير الاجتماعية وقد تكون انحرافات بسيطة لا تتفق مع المعايير الاجتماعية. وقد تكون انحرافات شديدة كالأعمال الخطرة أو الجنونية أو حالات العجز، وبعبارة أخري فإنه يدرس الأمراض النفسية والعقلية، وضعف العقل، والإجرام، باحثاً عن أسبابها وكيفية نشأتها.
ومن أهم المجالات التطبيقية لعلم النفس:
( أ ) علم النفس العلاجي: ويهدف إلى تشخيص الإضطرابات النفسية وعلاجها، وعالم انفس الإكلينيكي يتعاون مع الطبيب الجسمي، ومع الباحث الاجتماعي ليمكن الأفراد المضطربين نفسياً من تحقيق التوافق مع بيئتهم.
(ب) علم النفس الصناعي: يهدف إلى رفع مستوي الكفاية الإنتاجية للعامل وللجماعات العامة، وذلك عن طريق الاختيار والتوجيه المهني والتدريب الصناعي. ودراسة ظروف العمل المادية والإنسانية بقصد التعرف علي تأثيرها في العامل حتى يمكن معالجة مشكلات التعب والملل والوقاية من الحوادث. وتحقيق الرضا النفسي للعامل.
(جـ) علم النفس التربوي: يبحث علم النفس التربوي في مجال التعليم والدوافع وفي الموضوعات الأخرى ذات العلاقة بالعمليةالتعليمية. ويمكن تعريفه بأنه الدراسة المنظمة للنمو التربوي. ونحن نحاول في هذه الدراسة أن نتعرف علي طبيعة النمو التربوي وملامحه الأساسية، وأن نفهم القوي التي تؤثر فيه.
والنمو التعليمي مصطلح شامل يتناول مجالا واسعاً عريضاً. ويمكن القول بصفة عامة أنه يشمل النمو في جميع النواحي التي تهتم بها المدرسة – فإذا اهتمت المدرسة أساساً بالقراءة والكتابة والحساب فإن النمو التعليمي يعني النمو والتغير في هذه الموضوعات. أما إذا اهتمت المدرسة بالصحة الجسمية، والشخصية، والاتجاهات، والذكاء، والعلاقات الاجتماعية، فإن النمو التربوي يشتمل علي النمو في كل هذه السمات برمتها.
دراسة السلوك
يختلف علماء النفس في زاوية دراستهم للسلوك. فبينما نجد علماء نفس المثير والاستجابة يهتمون في دراسة السلوك بمجموعة الاستجابات التي تصدر عن الفرد وما يرتبط بها من مثيرات. نجد من ناحية أخري أصحاب النظرية الديناميكية ينظرون إلى السلوك علي أنه مجرد مصدر للدلالة علي دوافع الفرد وميكانزماته. فهم يركزون علي ما يعتمل داخل الشخص ولو أنهم لا يجدون محيصاً من اللجوء إلى السلوك الظاهر كمصدر أساسي لبيانات البحث وهم يستخدمون في دراسة هذا السلوك الملاحظة والتجربة والطريقة الإكلينيكية والقياس.
الملاحظــة الطبيعية:
من طرق البحث التي يفضلها علماء النفس ما يسمى الملاحظة الطبيعية, اى ملاحظة الإنسان في محيطة الطبيعي اليومي المعتاد, ويعنى هذا بالنسبة للأطفال مثلا ملاحظتهم في المنزل أو في المدرسة أو الحديقة العامة أو فناء الملعب, ثم تسجيل ما يحدث, ويصنف رايت Wright, 1960 طرق الملاحظة الطبيعية إلى نوعين:
احدهما يسمية الملاحظة المفتوحة وهى التي يجريها الباحث دون أن يكون لدية فرض معين يسعى لاختبارة, وكل ما يهدف إلية هو الحصول على فهم أفضل لمجموعة من الظواهر النفسية التي تستحق مزيدا من البحث اللاحق, أما النوع الثاني فيسمية رايت الملاحظة المقيدة وهى تلك التي يسعى فيها الباحث إلى اختبار فرض معين, وبالتالي يقرر مقدما ماذا يلاحظ ومتى 0
طرق الملاحظة المفتوحة:
دراسة الفرد: وتشمل مجموعة من الطرق منها المقابلة الشخصية ودراسة الحالة وتسجيل اليوميات والسيرة الذاتية 0 وفى هذة الطرق يسجل الباحث المعلومات عن كل فرد من الأفراد موضوع الدراسة بهدف إعداد وصف مفصل لة دون أن تكون لدية خطة ثابتة تبين اى المعلومات لة أهمية اكبر من غيرة, وقد يلجأ الفاحص إلى تسجيل هذة المعلومات في يومياتة في صورة سجلات قصصية, وقد يطلب من المفحوص أن يروى عن فترة معينة من حياتة في موقف تفاعل مباشر بينة وبين الفاحص ( المقابلة الشخصية ) وقد تمتد هذة الطريقة لتصبح سجلا للفرد أو الحالة يستخدم فية الباحث مصادر عديدة للمعلومات مثل ظروف المفحوص الأسرية, والوضع الاقتصادي والاجتماعي, ودرجة التعليم ونوع المهنة وسجلة الصحي وبعض التقارير الذاتية عن الأحداث الهامة في حياة الفرد, وادائة في الاختبارات النفسية, وكثير من المعلومات التي تتطلبها دراسة الحالة تتطلب إجراء مقابلات شخصية مع الفرد, وعادة ما تتسم هذة المقابلات بأنها غير مقننة اى تختلف الأسئلة التي تطرح فيها من فرد لآخر 0
وتعد من قبيل دراسة الحالة وتسجيل اليوميات سير الأطفال التي كتبها الآباء من الفلاسفة والأدباء والعلماء عن أبنائهم, والتراجم التي كتبت عن بعض العباقرة والمبدعين, والسير الذاتية التي كتبوها عن أنفسهم, وعلى الرغم من إن هذة الطريقة, فيها ثراء المعرفة وخصوبة المعلومات وحيوية الوصف إلا إن فيها مجموعة من النقائص نذكر منة:
1- تعتبر هذة الطريقة من جانب الفاحص مصدرا ذاتيا وغير منظم للمعلومات, أما من جانب المفحوص فإن إلى جانب الطابع الذاتي لتقاريرة قد تعوز المعلومات التي يسجلها الدقة اللازمة, وخاصة حين يكون علية استدعاء أحداث هامة وقعت لة منذ سنوات طويلة0
2- المعلومات التي نحصل عليها بهذة الطريقة من فردين أو أكثر قد لا تكون قابلة للمقارنة مباشرة, وخاصة إذا كانت الأسئلة التي توجة إلى كل منهما مختلفة 0
3- النتائج التي نستخلصها من خبرات أفراد بذواتهم تمت دراستهم بهذة الطريقة قد تستعصي على التعميم, اى قد لا تصدق على معظم الناس 0
4- التحيزات النظرية القبلية للباحث قد تؤثر في الأسئلة التي يطرحها والتفسيرات التي يستخلصها 0
الوصف على سبيل المثال: في هذة الطريقة يحاول الباحث أن يسجل بإسهاب وتفصيل كل ما يحدث في وقت معين على نحو يجعلة اقرب إلى آلة التسجيل, ولعل هذا ما دفع الباحثين الذين يستخدمون هذة الطريقة إلى الاستعانة بالتكنولوجيا المتقدمة في هذا الصدد, فباستخدام آلات التصوير وكاميرات الفيديو, وأجهزة التسجيل السمعي يمكن للباحث أن يصل إلى التسجيل الدقيق الكامل لما يحدث, وهذة الطريقة في الملاحظة المفتوحة أكثر دقة وموضوعية ونظاما من الطريقة السابقة, إلا أن المشكلة الجوهرية هنا هي إننا بطريقة وصف العينة نحصل على معلومات كثيرة للغاية إذا إستمر التسجيل لفترة طويلة, مثلا لقد تطلب تسجيل كل ما يفعلة طفل عمرة 8 سنوات في يوم واحد أن يصدر في كتاب ضخم مؤلف في 425 صفحة 0
طرق الملاحظة المقيدة:
تعتمد هذة الطريقة على استراتيجية اختيار بعض جوانب السلوك فقط لتسجيلها, وبالطبع فإن هذا التقييد يفقد الملاحظة خصوبة التفاصيل التي تتوافر بالطرق السابقة, إلا إن ما تفقدة في جانب الخصوبة تكسبة في جانب الدقة والضبط, ولعل أعظم جوانب الكسب إن الباحث يستطيع أن يختبر بسهولة بعض فروضة العلمية بإستخدام البيانات التي يحصل عليها بهذة الطريقة 0 وهو ما يعجز عنة تماما إذا استخدم الأوصاف القصصية التي يحصل عليها بالطرق الحرة السابقة 0
عينة السلوك: وفى هذة الطريقة يكون على الباحث أن يسجل أنماطا معينة من السلوك في كل مرة يصدر فيها عن المفحوص, كأن يسجل مرات الصراخ التي تصدر عن مجموعة من الأطفال سن ما قبل المدرسة, أو مرات العدوان بين أطفال المرحلة الابتدائية, وقد يسجل الباحث معلومات وصفية إضافية أيضا, ففي السلوك العدواني قد يلاحظ الباحث أيضا عدد الأطفال المشاركين في العدوان وجنس الطفل, ومن يبدأ العدوان, ومن يستمر فية إلى النهاية, وما إذا كانت نهاية العدوانية تلقائية أم تتطلب تدخل الكبار, وهكذا, ويحتاج هذا إلى وقت طويل بالطبع, وتزداد مشكلة الوقت حدة إذا كان على الباحث أن يلاحظ عدة مفحوصين في وقت واحد, فمثلا إذا كان الباحث مهتما بالسلوك العدواني الذي يصدر عن ستة أطفال خلال فترة لعب طولها 60 دقيقة فان علية أن يلاحظ كل طفل منهم بكل دقة لخمس فترات طول كل منها دقيقتان طوال الزمن المخصص للملاحظة, ويسجل كل ما يصدر عن الطفل مما يمكن أن ينتمي إلى السلوك العدواني 0
وقد يسهل علية الأمر إذا لجأ إلى التسجيل الشخصي المباشر, أن يستخدم نوعا من الحكم والتقدير لسلوكهم الذي يلاحظة, وتفيدة في هذا الصدد مقاييس التقدير التي تتضمن نوعا من الحكم على مقدار حدوث السلوك موضع البحث ومن ذلك أن يحكم على السلوك العدواني للطفل بأنة:
يحدث دائما – يحدث كثيرا – يحدث قليلا – نادرا ما يحدث- لا يحدث على الإطلاق 0 وعلية أن يحدد بدقة معنى ( دائما – كثيرا- قليلا – نادرا – لا يحدث ) حتى لا ينشأ غموض في فهم معانيها, وخاصة إذا كان من الضروري وجود ملاحظ آخر لنفس السلوك يسجل تقديراتة مستقلا تحقيقا لموضوعية الملاحظة 0
عينة الوقت: في هذة الطريقة يتركز اهتمام الباحث بمدى حدوث أنماط معينة من السلوك في فترات معينة يخصصها للملاحظة ويتم تحديد أوقاتها مقدما, والمنطق الرئيسي وراء هذة الطريقة إن الإنسان يستمر في إصدار نفس السلوك لفترات طويلة نسبيا من الزمن, وعلى هذا يمكننا الحصول على وصف صحيح لهذا السلوك وحكم صحيح علية إذا لاحظناة بشكل متقطع في بعد الزمن, وتختلف الفترات الزمنية التي يختارها الباحثون لهذا الغرض ابتداء من ثوان قليلة لملاحظة بعض أنواع السلوك, إلى دقائق أو ساعات عديدة لبعض الأنواع الأخرى, وفى جميع الأحوال يجب أن يكون المدى الزمني للملاحظة واحدا تبعا لخطة معدة مقدما, وخلال هذة الفترات يسجل الباحث عدد مرات السلوك موضع الاهتمام, ومن أمثلة ذلك, أن يختار الباحث حصة في أول النهار وحصة في آخرة مرتين في الأسبوع على مدار العام الدراسي لبحث بعض جوانب سلوك تلميذ المدرسة الابتدائية وإذا عدنا لمثال السلوك العدواني قد يقرر الباحث ملاحظة سلوك العدوان عند الأطفال خلال الدقائق العشر الأولى من كل ساعة من أربع ساعات متصلة خلال مرحلة 0
ومن مزايا هذة الطريقة أنها تسمح بالمقارنة المباشرة بين المفحوصين مادام الوقت الذي تجرى فية الملاحظة والزمن الذي تستغرقة واحدا 0
وحدات السلوك: في هذة الطريقة يلاحظ الباحث خلال فترة زمنية معينة وحدات معينة من السلوك وليس عينة سلوك أو عينة وقت, ومعنى ذلك أن تتم ملاحظة أحدى جزئيات السلوك بدلا من ملاحظتة ككتلة مركبة غير متجانسة, وتبدأ وحدة السلوك في الحدوث في اى وقت يطرأ فية اى تغير على استجابات المفحوص وما قد يصاحبة من تغير في بيئتة, فمثلا إذا لاحظنا إن الطفل وهو يلعب برمال الشاطىء تحول فجأة إلى وضع كمية من الرمل في شعر طفل آخر فإننا نسجل في هذة الحالة حدوث ذلك, باعتبارة وحدة سلوك تختلف عما كان يحدث من قبل حين كان الطفلان يتبادلان الابتسام مثلا فأصبحا يتبادلان الهجوم, ويسجل الباحث ما طرأ على بيئة الطفلين من تغير في هاتين الحالتين حين كان الطفل الأول يمسك في المرة الأولى كرة يلعب بها وحدة, فجاء أبوة وأخذها منة ليعطيها للطفل الثاني الذي كان يلح في طلبها, وهكذا يكون على الباحث في كل مرة أن يسجل حدوث وحدة السلوك على أنها تغير في استجابات الطفل وفى بيئتة, وحين تنتهي فترة الملاحظة يقوم الباحث بفحص وحدات السلوك التي تم تجميعها ثم تحليلها, ويتطلب ذلك بالطبع تصنيفها في فئات 0
تعليق عام على طرق الملاحظة الطبيعية:
من مشكلات طرق الملاحظة الطبيعية إن الملاحظ قد يتجاوز حدود مهمتة أيضا إذا تدخل في عملية التسجيل التي يقوم عليها الوصف الدقيق للظواهر وحولها إلى مستوى التفسير, ولذلك فان كثيرا من تقارير الملاحظة لا يعتد بها إذا تضمنت الكثير من أراء الباحث وطرقة في فهم الأحداث بدلا من أن يتضمن وصفا دقيقا للإحداث ذاتها, وإحدى طرق زيادة الدقة في هذا الصدد تحديد أنواع الأنشطة التي تعد أمثلة للسلوك موضوع الملاحظة, وتكون هذة الأنشطة تعريفا إجرائيا لهذا السلوك 0
وتتضمن المشكلة السابقة قضية الموضوعية في الملاحظة, فإذا لم تكن ملاحظتنا إلا محض تفسيرتنا وتأويلاتنا وفهمنا للإحداث فبالطبع لن يحدث بيننا الاتفاق المستقل في الوصف, لأنها سمحت بان تلعب جوانبنا الذاتية دورا في ملاحظتنا, ومن الشروط التي يجب أن نتحقق منة في طريق الملاحظة شرط الثبات, وهو هنا ثبات الملاحظين, ويتطلب ذلك أن يقوم بملاحظة نفس الأفراد في نفس السلوك موضع البحث أكثر من ملاحظ واحد على أن يكونوا مستقلين تماما بعضهم عن بعض, ثم تتم المقارنة بين الملاحظين, فإذا كان بينهم قدر من الاتفاق المستقل فيما يسجلون أمكننا الحكم على الملاحظة بالدقة والثبات, وألا كانت نتائج الملاحظة موضع شك, وبالطبع فان هذا الثبات يزداد في طرق الملاحظة المقيدة عنة في طرق الملاحظة المفتوحة 0
وتحتاج طرق الملاحظة الطبيعية إلى التدريب على رؤية أو سماع ما يجب رؤيتة أو سماعة وتسجيلة, وتدلنا خبرة رجال القضاء إن شهادة شهود العيان في كثير من الحالات تكون غير دقيقة, لأنهم بالطبع غير مدربين على الملاحظة, وما لم يتدرب الملاحظ تدريبا جيدا على الملاحظة فان تقاريرة لن تتجاوز حدود الوصف الذاتي المحض, وهى بهذا تكون عديمة الجدوى في أغراض البحث العلمي, وفى كثير من مشروعات البحوث يتم تدريب الملاحظين قبل البدء في الدراسة الميدانية حتى يصلوا في دقة الملاحظة إلى درجة الاتفاق شبة الكامل بينهم ( بنسبة اتفاق لا تقل عن 90 % ) 0
ومن المشكلات الأخرى في طرق الملاحظة الطبيعية إن محض وجود ملاحظ غير مألوف بين المفحوصين يؤثر في سلوكهم ويؤدى إلى اختفاء التلقائية والطبيعية في اللعب والعمل أو غير ذلك من المواقف موضع الملاحظة, وقد بذلت جهود كثيرة للتغلب على هذة المشكلة, ومن ذلك تزويد معامل علم النفس بالغرف التي تسمح حيطانها الزجاجية بالرؤية من جانب واحد ( هو في العادة الجانب الذي يوجد فية الفاحص ), وفى هذة الحالة يمكن لفاحص أن يكون خارج الموقف ويلاحظ سلوك الشخص وهو يتم بتلقائية, ومنها أيضا إستخدام آلات التصوير بالفيديو أو السينما, وآلات التسجيل السمعي بشرط أن توضع في أماكن خفية لا ينتبة إليها المفحوصين, أو توضع في أماكن مرئية لهم على أن تظل في مكانها لفترة طويلة نسبيا من الزمن قبل إستخدامها حتى يتعود على وجودها المفحوصين, وقد يلجأ بعض الباحثين للتغلب على هذة المشكلة إلى الإندماج مع المفحوصين في محيطهم الطبيعي قبل الإجراء الفعلي بحيث يصبح وجودهم جزءاً من البيئة الأجتماعية للبحث, وهذة الطريقة تسمى الملاحظة بالمشاركة 0
وبالطبع كلما أجريت الملاحظة في ظروف مقننة ومضبوطة زودتنا بمعلومات أكثر قابلية للتعميم, فمثلاً عند دراسة نمو القدرة على القبض على الأشياء ومعالجتها قد يتطلب الأمر ملاحظات دقيقة وتفصيلية للأطفال من مختلف الأعمار, كل منهم يقوم بمعالجة نفس الشيء في موقف مقنن أو موحد, وحتى نوضح ذلك فقد نختبر أختباراً فرديا 40 طفلاً كل عشرة منهم في مجموعة عمرية معينة ولتكن 20 أسبوعاً, 30 أسبوعاً, 40 أسبوعاً, 50 أسبوعاً, بينما هم جالسون جلسة معتدلة في مقعد مرتفع, ثم نضع مكعبا على لوح خشبي أمام كل طفل, وفى هذة الحالة يمكننا أن نلاحظ ونسجل بالتفصيل جهود الطفل للقبض على المكعب الخشبي ومعالجتة 0
وبالطبع فإن التصوير السينمائي لإستجابات الأطفال يعطى تسجيلاً موضوعيا وكاملاً ويمكننا أن نحللة بدقة ونعود إلية إذا أختلفنا في ملاحظة أساليب الطفل في القبض على الأشياء ( مثلا إستخدام الذراع أو الرسخ أو اليد أو الأصابع ), وتعطينا المقارنة بين سجلات الأطفال من مختلف الأعمار أساسا لوصف إتجاهات النمو في القدرة على معالجة الأشياء 0
وأخيراً فإن الملاحظة الطبيعية فيها كل خصائص التعقد والتركيب لمواقف الحياة الطبيعية التي تحرر منها قدر الأمكان المواقف المعملية, إلا أن هذا ليس عيبا في الطريقة وإنما هو أحد حدودها, فالواقع أننا في حاجة إلى البحوث التي تعتمد على وصف دراسة السلوك الأنسانى في سياقة الطبيعي والمعتاد والتي قد تقودنا إلى بحوث أخرى تعتمد على طرق أخرى تستند في جوهرها على منطق التنبؤ والتوجية والتحكم في هذا السلوك 0
الطريقة التجريبية:
الطريقة التجريبية أساس التقدم العلمي في مجالات المعرفة البشرية لأنها تنتهي إلى الكشف عن أسباب الظواهر والعوامل المؤثرة فيها, ولذا تعد هذة الطريقة, الطريقة الرئيسية في أبحاث العلوم الطبيعية, وتقترب العلوم الإنسانية من دقة وموضوعية تلك العلوم بمقدار إستخدامها لتلك الطريقة في أبحاثها المختلفة 0
وهى تحقق كل الأهداف الثلاثة الأساسية للبحث العلمي وهى: التنبؤ, والفهم, والتحكم 0 ولا تكاد ترقى أغلب الطرق الأخرى إلى ما ترقى إلية التجربة, لأن تلك الطرق غالبا ما تنتهي عند هدف الفهم ولا ترقى إلى هدف التحكم 0
المتغير المستقل والمتغير التابع:
المتغير المستقل: هو العامل الذي يظهر أو يختفي أو يتغير تبعا لظهور أو اختفاء أو تغير المتغير الذي يتحكم فية الباحث ويعالحة تجريبيا فيظهرة أو يخفية أو يزيدة أو ينقصة في محاولتة لتحديد علاقتة بظاهرة تلاحظ, وغالبا ما يرمز لة بالرمز " م " أي المتغير المثير أو متغير الاستثارة 0
المتغير التابع: ويرمز لة بالرمز " س " أي الاستجابة أو متغير الاستجابة والباحث لا يتحكم فيما يحدث للمتغير التابع, وما علية إلا أن يسجل ما يحدث لهذا المتغير نتيجة لتحكمة هو في المتغير المستقل, وذلك لأن ما يحدث للمتغير التابع هو في الحقيقة نتيجة لما حدث أو يحدث للمتغير المستقل 0
الجماعة التجريبية والجماعة الضابطة: الجماعة التجريبية هي الجماعة التي يتعرض أفرادها للمتغير المستقل, والجماعة الضابطة هي الجماعة التي يناظر أفرادها أفرا د الجماعة التجريبية ولا يتعرضون للمتغير المستقل 0
فإذا كان الهدف مثلا هو قياس " أثر وجود الجماعة على إنتاج الفرد " فإن الجماعة التجريبية في هذة الحالة يمكن أن تكون من مجموعة من الأفراد بحيث يعمل كل فرد من أفرادها في مواجهة جماعة من الناس وتصبح المتغيرات التابعة في الجماعة التجريبية أنتاج الأفراد في الأعمال التي يقومون بها 0
وتتكون الجماعة الضابطة من مجموعة من الأفراد, بحيث يناظر أفرادها الجماعة التجريبية ويعمل كل فرد من أفرادها بمعزل عن جماعة المواجهة التي يتعرض لها أفراد الجماعة التجريبية, وبذلك لا يتعرض أفراد مثل هذة الجماعة للمتغير المستقل, وتصبح المتغيرات التابعة أيضا هي أنتاج أفراد الجماعة الضابطة أو استجاباتهم 0
التصميم التجريبي: يدل التصميم التجريبي في معناة العام على خطة التجربة التي تشتمل على اختيار الأفراد, وترتيب الإجراءات, ونوع المعالجة التجريبية, وطريقة تسجيل البيانات, مع الإشارة إلى الأسلوب الأحصائى الذي سيتبع في تحليل النتائج 0
القياس البعدى للجماعتين:
يقاس أثر المتغير المستقل بمقارنة متوسط استجابات الجماعة التجريبية بعد تعرضها للمتغير المستقل بمتوسط استجابات الجماعة الضابطة التي لم تتعرض للمتغير المستقل, وذلك باعتبار أن تلك الأستجابات هي المتغيرات التابعة, ثم يحسب فرق المتوسطين والدلالة الإحصائية لهذا الفرق, فإذا كان للفرق دلالة إحصائية فإن ذلك يدل على أثر المتغير المستقل, وإذا لم يكن للفرق دلالة فإن ذلك يدل على انعدام أثر المتغير المستقل 0



الجماعة القياس القبلي المتغير المستقل القياس البعدى الفرق
التجريبية لا نعم نعم ( ص2 ) ص2- ص2 "
الضابطة لا لا نعم ( ص2 " )
يتضح من الجدول السابق إن الرمز ص2 يدل على نتيجة القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ص2 " على نتيجة القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة الضابطة 0
القياس القبلي – البعدى للجماعتين:
تقاس المتغيرات التابعة في الجماعتين التجريبية والضابطة قبل بدء التجربة وبعد انتهائها, أي قبل تعرض الجماعة التجريبية للمتغير المستقل وبعد تعرضها ثم تقاس الفروق وتحسب الدلالة 0


الجماعة القياس القبلي المتغير المستقل القياس البعدى الفرق
التجريبية نعم ( ص1 ) نعم نعم ( ص2 ) ق=ص2-ص1
الضابطة نعم ( ص1 ") لا نعم ( ص2 " ) ق=ص2 "-ص1 "
ويدل الرمز ص1 على نتيجة القياس القبلي للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ص1 " على نتيجة القياس القبلي للمتغير التابع في الجماعة الضابطة, ويدل الرمز ص2 على نتيجة القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ص2 " على نتيجة القياس للجماعة الضابطة, ويدل الرمز ق على فرق القياس القبلي من القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ق" على فرق القياس القبلي من القياس البعدى للمتغير في الجماعة الضابطة 0
وعلى الباحث بعد ذلك أن يقارن ق, ق" أو يقارن ص2, ص2 " ليستدل على أثر المتغير المستقل على المتغير التابع 0
القياس القبلي – البعدى لجماعة واحدة:
ومن القياس القبلي – البعدى ما يصبح على جماعة واحدة فقط, هي الجماعة التجريبية, ويحل كل فرد محل الجماعة الضابطة, أي أن الفرد يصبح هو نفسة جماعتة الضابطة فتقاس استجابتة في المتغير التابع قبل تعرضة للمتغير المستقل ثم تقاس استجابتة بعد ذلك في المتغير التابع بعد تعرضة للمتغير المستقل, ويحسب الفرق بين الاستجابتين على أنة أثر المتغير المستقل 0

الجماعة القياس القبلي المتغير المستقل القياس البعدى الفرق
التجريبية نعم ( ص1 ) نعم نعم ( ص2 ) ق=ص2- ص1
وعلى الرغم من إن المنهج التجريبي هو أقوى المناهج في اختبار العلاقات السببية والتي تقود إلى تفسيرات مقنعة فإن فية بعض المشكلات التي نلخصها فيما يلي:
1- مجرد وجود المفحوص ضمن إجراء تجريبي قد يؤثر في سلوكة ويجعلة يفتقد التلقائية والطبيعية التي تميز طرق الملاحظة المباشرة وإذا حدث ذلك فإن نتائج التجربة لن تصدق على أحداث الحياة الواقعية 0
2- البيئة ( المعملية ) المضبوطة المقننة التي عادة ما تجرى فيها البحوث التجريبية هي أيضا بيئة اصطناعية للغاية ومن المتوقع للمفحوصين أن يسلكوا على نحو مختلف في مواقف الحياة الفعلية, ولهذا يجب ألا تنتقل نتائج بحوث المعمل إلى الميدان انتقالا مباشرا, وأنما على الباحث أن يمر بخطوات عديدة في سبيل ذلك 0 وأحدى طرق التغلب على هذة المشكلة تصميم تجارب تبدو طبيعية للمفحوصين ويمكن جعل الموقف التجريبي أكثر طبيعية للأطفال, مثلا, بأن تجرى التجربة في موقف معتاد كالبيت أو المدرسة, كما أن الأطفال قد يسلكون على نحو أكثر طبيعية إذا قام والداهم أو معلموهم بدور المجربين بدلا من وجود شخص غريب لا يعرفونة بشرط تدريب هؤلاء على شروط التجربة وإجراءاتها, كما يمكن عرض الموقف التجريبي على نحو يتفق مع ميول الأطفال كأن تعرض أسئلة اختبار الذكاء أو الابتكار عليهم على أنها نوع من الألعاب أو الألغاز بدلا من القول على أنها أسئلة في اختبار, كما يمكن للباحث أجراء تجربة ميدانية في البيئة الطبيعية بالفعل على نحو يجعل المفحوصين لا يشعرون بأنهم موضع تجربة, وهذا الأسلوب يجمع بين مزايا الملاحظة الطبيعية والضبط الأكثر إحكاما في الموقف التجريبي 0
3- التوزيع العشوائي للمفحوصين على مجموعات المعالجة يحدث في بعضهم استجابات سلبية إزاء الموقف التجريبي, وخاصة إذا كان على المفحوص أن يعمل مع مجموعة لا يحب الانتساب إليها, ومعنى ذلك أن الباحث التجريبي علية أن يتعامل مع مفحوصية على أنها بشر, وإذا نشأت مثل هذة المشكلات علية أن يواجهها ويحلها في الحال لا أن يتجاهلها, لأن مثل هذة الاتجاهات السلبية لدى بعض المفحوصين قد يهدد صدق نتائج البحث 0
4- الأجهزة والأدوات والمواد التي تستخدم في الموقف التجريبي وخاصة داخل المعمل قد تؤدى بالمفحوص إلى الاعتقاد بأن علية أن يسلك على نحو غير عادى, ومن ذلك مثلا, أن يطلب منة حفظ مقاطع عديمة المعنى, وهو ما لا يفعلة عادة في حياتة اليومية 0
5- توقعات المجرب قد تؤثر في نتائج التجربة, فالباحث الذي يعتقد بشدة في صحة فرضة فأنة قد يلجأ ولو عن غير قصد إلى تهيئة الشروط التي تدعم هذا الفرض, ولعل هذا يفسر لنا كثرة الفروض التي تتحقق في بحوثنا العربية بينما نسبة كثيرة منها لم يتحقق في البحوث التي أجريت في بيئات أخرى, بل لعل هذا يفسر لنا ما نلاحظة على بعض الباحثين الذين يشعرون بالضيق والقلق حين لا تتحقق فروضهم, وهذا خطأ فاحش في فهم طبيعة البحث العلمي, لقد صارت الفروض عند بعض الباحثين جزءا من نظامهم العقيدى لا قضايا تقبل الصحة والخطأ على أساس الأدلة والشواهد والموضوعية, وللتغلب على هذة المشكلة يقترح علماء مناهج البحث استخدام أسلوب إجراء التجارب بطريقة " معماة " على الفاحصين, وفى هذة الحالة لا يعلم الفاحصون ولا المفحوصون أي معالجة يشاركون فيها إلا بعد انتهاء التجربة 0
وبالرغم من هذة المشكلات, تبقى للمنهج التجريبي قيمتة العظمى في تزويدنا بأدق فهم لعلاقات السبب – النتيجة, في دراسة السلوك الأنسانى 0
الطريقة الإكلينيكية:
تسمي هذه الطريقة أحياناً دراسة تاريخ الحالة وهي تستخدم بعض أساليب القياس بالإضافة إلى الملاحظة الطبيعية للتوصل إلى مجموعة من البيانات والمعلومات عن الفرد. ويمكن أن نحصل علي هذه المعلومات بتوجيه مجموعة من الأسئلة للفرد نفسه، وقد تضيف إلى ذلك دراسة بعض إنتاجه (يومياته مثلاً). وقد نستعين بما يقوله عنه آخرون علي صلة به. ويدخل في ذلك الملاحظات الشخصية للباحث.
ويري بعض علماء النفس أن هذه الطريقة لجمع البيانات ليست علمية لوجود قدر كبير من الذاتية فيها ولعدم الوثوق بكثير من المواد التي تجمعها وبسبب الإهتمام بالسلوك الذي يتميز به الفرد وليس بالتعميمات التي تصدق علي جميع الأفراد. وسلوك الفرد قد يكون حالة خاصة لا تتكرر. وموقف هذه المجموعة من العلماء يلتزم بنظرة صارمة للمنهج العلمي. علي أن عدداً من علماء النفس قد قدموا لنا معلومات مفيدة تتصل بالتنبؤ بالسلوك عن طريق دراسة تاريخ الحالة ومن خلال الإهتمام بالشواهد الإكلينيكية وخاصة في مجال الإضطرابات السلوكية.
ويستطيع الإكلينيكي عن طريق التدريب أن يقدم تقارير دقيقة جداً عن الحالات التي يدرسها وأن تحتوي هذه التقارير علي تشخيص لهذه الحالات . وأن تفيد في تخطيط العلاج النفسي وتنفيذه. وقد تتيح له مهارته في المقابلة الشخصية أن يتحكم بدرجة كبيرة في المتغيرات التي تؤثر في السلوك الذي يلاحظه. ويتضح أحياناً أن الدور الثنائي الذي يقوم به الإكلينيكي كملاحظ ومعالج، عقبة تحول دون التركيز علي الملاحظة وحدها والإكلينيكي كمشارك نشط في علاقة علاجية قد يضحي في حالات كثيرة ببعض موضوعيته، ومن ثم يعرض نفسه لأخطاء علمية. وكثيراً ما تمخضت الملاحظات الإكلينيكية عن فروض تحدث تفكير العلماء، وحفزتهم علي وضعها موضع التحقيق في مواقف أكثر دقة.
طريقة القيـــاس
تتطلب طريقة القياس النفسي فرض موقف معياري مثير علي كل فرد من أفراد عينة البحث، وينصرف الإهتمام الأساسي إلى أنماط الإستجابات لهذا الموقف وإلي الفروق بينها. والهدف المألوف لهذا الإجراء هو مقارنة بين تكرار مختلف الإستجابات أكثر من كونه تحليلاً لنمط معين منها.
ومن الإستخدامات المعروفة لهذه الطريقة ما نجده في الإمتحانات المدرسية سواء أكانت في صورة إختيار من متعدد، أو أسئلة الصواب والخطأ ، أو أسئلة التكملة أو في صورة مقال، ويمكن تصنيف ما يحصل عليه الفرد مع درجات وردها إلي أنماط سلوكية. وهناك صورة أخري وشائعة لهذه الطريقة وهي إستخدام الإستفتاءات في الدراسة المسحية كما يحدث في قياس الرأي العام نحو مسألة معينة كالإختلاط بين الجنسين في التعليم ويمكن إستخدام أسئلة مفتوحة النهايات تكفل جمع بيانات ومواد خصبة يمكن تحليلها بعد جمعها.
ويشيع إستخدام طريقة الإختبارات حينما نحتاج إلى تقدير سريع للسلوك. ولقد وضعت إختبارات نفسية لقياس الذكاء والإستعدادات العقلية الخاصة والميول والشخصية ومستوي الكفاية في مجالات معينة. وهذه الإختبارات مقاييس ذات كفاية تساعدنا علي التنبؤ بأنماط سلوكية عامة ومعقدة تتطلب فترات زمنية طويلة لتنميتها.
وتستخدم هذه الطريقة أيضاً في الدراسات السيكولوجية للعلاقات الإجتماعية كما في مقاييس الإتجاهات النفسية. ويكشف هذا الأسلوب عن سلوك إجتماعي هام يصلح للدراسة وبغيرهذا الأسلوب قد يصبح السلوك مستمراً بعيد المنال.
إن الطريقة الإختبارية تحدد السلوك لأنها تعرض علي الأفراد مثيرات ومواقف أختارها الباحث وهي بهذا المعني تحدد مدي السلوك الذي يحتمل أن يصدره الفرد. والإختبار يقتصد الوقت ويكشف عن أنماط سلوكية ذات أهمية كبيرة في علم النفس. غير أن التدخل في الموقف الإختباري من قبل الباحث ودرجة الضبط التي يستخدمها تؤدي إلى قدر من عدم التلقائية في السلوك مما يحد من قابلية النتائج للتعميم، فطريقته في إلقاء السؤال، أو إختياره لمكان معين يجري فيه الإختبار تشكل إستجابات المفحوصين وتجعلها غير طبيعية ومن أمثلة هذا التأثر ما يمكن أن يظهر حين يسأل رجل الدين عينة من الأفراد في جلسة علنية عن مدي مواظبتهم علي الشعائر الدينية.
تمييز السلوك ووصفة :

يمكن النظر إلي السلوك بإعتباره حركات الكائن الحي التي يمكن ملاحظاتها وقياسها وهذا يشتمل علي الحركات الخارجية والحركات الداخلية وآثارها والإفرازات الغدية وتأثيرها.
وتشتمل الحركات الخارجية علي أفعال مثل فتح الباب وقذف الكرة والقفز وطلب التعليمات والتوجيهات وكتابة حل لمسألة حسابية ولسنا في حاجة إلى أدوات خاصة لملاحظة هذه الأنماط السلوكية الظاهرة. غير أننا في الظروف العادية لا نستطيع ملاحظة دقات القلب. ولا تقلصات المعدة. غير أن هذه الحركات يمكن متابعتها وقياسها بدقة وعلي الرغم من أن معظم الإفرازات الغدية لا يمكن ملاحظتها علي نحو مباشر، إلا أننا نستطيع أن نلاحظ آثارها كاللعاب والعرق. وفضلاً عن ذلك ، فإننا لا نستبعد ما يخبره الفرد من مشاعر وأفكار طالما أنه يمكن التعبير عنها لفظياً بتعبيرات سلوكية أخري، وبالتالي فإن هذه التعبيرات هي مصادر بياناتنا عن المشاعر والأفكار.
وفهمنا للوقائع السلوكية يتزايد بمقدار قدرتنا علي ( أ ) تمييز السلوك ووصفه (ب) ومعرفة الظروف التي يحدث فيها السلوك. وفهم السلوك يقتضي أن نميزه، ونلاحظه ونصفه علي نحو دقيق.
تمييز السلوك:
تتضمن اللغة التي تتجاوز بها وتتفاقم قدراً من التفسيرات السلوكية أكبر مما تتضمن من الوصف الواضح لأفعال ظاهرة معينة. ذلك أننا نميل إلى تلخيص أنماط سلوكية كثيرة مختلفة، وإصدار الأحكام عليها مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تصورات خاطئة عن الناس.
وهذا التمييز بين الأفعال القابلة للملاحظة (العناصر السلوكية) والتجريدات الملخصة (تفسيرات السلوكيات) من الأعمال الهامة التي نريد لك أن تقدر علي القيام به ولنبدأ بالمقارنة بين العبارتين الواردتين في كل بند من البنود الآتية:
1- ( أ ) فوزي يستمتع بالحساب.
(ب) فوزي يستغرق في حل مسائل الحساب فترة أطول عن جميع زملائه في الصف بمقدار عشرة دقائق.
2- ( أ ) وجيه يعتقد أنه نابليون.
(ب) وجيه يضع يده في جيب معطفه.
3- ( أ ) فريدة فتاة سيئة الطبع.
(ب) فريدة تضرب من يصغرها من البنات مرة خلال الفسحة كل يوم من أيام الدراسة.
واضح أن العبارات 1- ( أ )، 2 – ( أ )، 3 – ( أ )، لا تحدد عناصر سلوكية معينة. وإنما تشتمل علي تلخيص للسلوك أو تفسير له. فنحن حين نقرر أن فرد ( أ ) يستمتع بواقعة معينة أو حدث معين فإننا نستنتج. وهذا الإستنتاج يستند إلى ما رأيناه أو سمعناه مما يدل علي أنه يخبر حالة إنفعالية سارة ولكننا لا نستطيع أن نلاحظ علي نحو مباشر هذه الحالة الإنفعالية. وكل ما نستطيع ملاحظته بالتأكيد هو المظاهر الخارجية لتلك الحالة، فنستطيع مثلاً أن نلاحظ ما تعبر عنه العبارة ( 1- ب) وبالمثل لا نستطيع أن نلاحظ علي نحو مباشر إعتقاد وجيه بأنه نابليون ولكننا نستطيع أن نستنتج هذا التفكير أو الإعتقاد عن طريقة سلوكه. وواضح أن ( 3- أ ) حكم وتفسير وليس وصفاً لسلوك فسوء الطبع له تعريفات ومعاني كثيرة ويمكن أن يصدق علي سلوكيات كثيرة. وما لم يترجم هذا إلى وقائع سلوكية معينة فإننا لا نستطيع تعديله.
وصف السلوك:
تستطيع الآن أن تميز بين العناصر السلوكية وغير السلوكية وتستطيع أن تعيد كتابة تفسيرات السلوك أو ملخصاته وتترجمها إلى عناصر سلوكية معينة. والتمرين الآتي يتطلب وصفاً لسلوك أحد الأطفال كما تلاحظه في سياق البيئة أو الموقف. وعلينا علي أية حال أن نناقش بعض التوجيهات قبل أن تقوم بهذا العمل.
عند كتابة أوصاف لفظية لسلوك ملاحظة: نستطيع إستخدام مستويات مختلفة من حيث التفصيل والإجمال. وبينما نهتم بتسجيل السلوك كسلوك فإننا لسنا في حاجة إلى خفضه إلى المستوي الفسيولوجي. وعلينا أن ننظر إلى المقارنات التالية:
1- ( أ ) يمسك الطعام، يضعه في الفم، يفرز اللعاب، يمضغ، يبتلع.
(ب) يأكل غذاءه، أو يأكل الحلوى.
2- ( أ ) ثني المرفق، تعديل العضلة الباسطة للأصابع، تثبيت بصري.
(ب) تحية العلم.
3- ( أ ) يحرك شفتيه، ولسانه وأحباله الصوتية وذراعيه وساقيه وحجابه الحاجز.
(ب) يلقي حديثاً علي زملائه بالفصل.
وجميع الأمثلة التي نجدها في ( أ ) تتضمن أنساقاً دون مستوي الشخص كنسق ، وهي أنشطة تابعة ليست موجهة لتحقيق العمل. وفضلاً عن ذلك فإن أنشطة كحركات الأحبال الصوتية، وإفراز اللعاب قد لا تظهر للملاحظ.
وأنشطة مثل يأكل غداءه، أو يلقي حديثاً تعتبر أصغر وحدات للسلوك، ولكنها عيانية وتبلغ من الدقة أو الصغر حدا يجعلها مرضية لمتطلبات التقدير والملاحظة التي عليك أن تقوم بها. وعلي سبيل المثال إذا عرفنا السلوك العدواني لتلميذ في الصف الثالث الابتدائي ووصفناه علي النحو التالي: رفع يده اليمني وحركها علي شكل قوس. فإن هذه الصياغة لا تنقل إلينا المعني المقصود وقد يختلف حول تفسير هذا السلوك الجزئي، ذلك أن أعضاء الجسم التي تستخدم في العدوان يمكن أن تستخدم في العطف. وهذا المثال يؤكد علي أهمية فكره هي أننا لا نستطيع أن نميز العناصر السلوكية المختلفة علي نحو يعتمد عليه ما لم نعرف السياق الذي تحدث فيه.
ومن التمييزات التي نود أن تقوم بها عند وصفك للسلوك ، التمييز بين كيف حدث هذا السلوك أو ذاك، ولماذا حدث ؟ وعليك أن تدرس ما يلي:
1-محمد كسر سن القلم. وهو يعض بأسنانه علي شفته اسفلي، ويضغط علي القلم أثناء الكتابة.
2- تدل الشواهد علي أن كسر سن القلم العابر إظهار لعدوان مكبوت لأن المعلم قد وبخه قبل الكتاب مباشرة.
أي هاتين العبارتين وصف الطريقة التي كسر بها محمد سن القلم؟ (كيف كسر سن القلم) وأيهما يحاول تفسير سلوكه هذا ؟ (لماذا كسر سن القلم؟) المثال الأول يحاول أن يصف الطريقة، والمثال الثاني يحاول تفسير الكسر والكشف عن أسبابه. وعند كتابة الأوصاف السلوكية من المفيد وصف الطريقة التي حدث بها هذا السلوك علي نحو مفصل. وينبغي أن تتجنب التفسيرات التي تستند إلى نظرية إفتراضية من نظريات الشخصية. ذلك أن تفسير السلوك لا يعتبر وصفاً له بل قد يعوق التفسير توضيح ما يفعله الطفل وقد يعرض الأوصاف للتحيز. وليس المطلوب منه التنظير. وإنما المطلوب تسجيل السلوك كما تراه، وأن تحاول أن تفهم كيف يفعل الطفل ما يقوم به.
وينبغي أن نسلم بأن محاولة وصف كيفية حدوث السلوك قد تؤدي إلى بعض الإستنتاجات، ولكنك إن حددت نفسك وقصرتها علي وصف طريقة العمل أو الأداء: فإنك سوف تنتهي إلى التوصل إلى تسجيل صادق وموثوق به. وفي أفضل الأحوال، فإن وصف طريقة حدوث السلوك يزودنا بصورة جيدة عن السلوك في سياقة. لاحظ أن وصف السلوك التالي قد تم عند مستويين:
1- سامي نقل إجابة من زميله الجالس علي يساره أثناء الإختبار.
2- سامي، وشفتاه ترتجفان، وحاجباه مقطبان، وجانباً فمه ملتويان إلي أسفل. حرك عينيه إلى اليسار وقد إنحني قليلاً إلي الإمام، وقد لمح بعينيه المحدقتين النصف مغمضتين ورقة إختبار زميله الجالس إلى يساره ومع إرتعاشه يده اليمني أدار عينيه إلى ورقته وكتب الإجابة.
الوصف الأول يحدد واقعة سلوكية بأسلوب شامل. إنه يركز علي وصف السلوك ويتجنب التفسير ولذلك فهو وصف مناسب. ولكنه وصف قاصر لأنه لا يوضح كيف قام سامي بالغش والنقل من جاره. ولكن الوصف الثاني يزود بالبيانات لا بعض التفسيرات. ومثل هذا الوصف سوف يميز هذا الطفل عن آخر قام بنفس السلوك، الأمر الذي لا يتيحه لنا الوصف الأول.
وفيما يلي وصف لسلوك طفل آخر نقل عن جار في الإمتحان.
حسن وعلي وجهه إبتسام عريضة، حدق في المعلم حتي أثار إنتباهه وقام من مقعده وطلب بصوت مسموع من جاره الأيسر أن يقرب ورقة إجابته بحيث يستطيع أن يراها وقال له "لا أعرف حل المسألة رقم 3"، ثم نظر إلى أسفل ورقة إجابة جاره حيث توجد إجابة المسألة، وجلس في مقعدة مرة أخري وكتب الحل في ورقة إجابته ثم قال للمعلم " أشكرك".
لقد غش كل من سامي وحسن من زميلها الجالس علي يسارهما خلال الإختيار ولكننا نتوصل إلى معلومات قيمة من الوصف المطول لأننا وصفنا طريقة حدوث السلوك وسوف تفيدنا هذه البيانات في وضع إستراتيجيات التدخل والضبط. وواضح أن لدي كل منهما قيماً مختلفة عن المدرس، وعلي هذا الأساس لا بد أن تكون عملية تعديل سلوك كل منهما مختلفة ( أي إنقاص الغش ومعالجة علاقة المدرس بكل من سامي وحسن) 0
ومن المزايا الهامة للمدخل السلوكي، أنه يركز أساساً علي أداء الفرد للعمل الذي كلف به. وقد نتوصل من خلال تقويمنا لمجموعات كبيرة من الأطفال أو التلاميذ إلى معايير، ولكنها لا تزودنا بالشئ الكثير عما يثير سلوكاً معيناً لدي طفل فرد، أو عما يحمله علي الإستمرار في هذا السلوك ولتقدير السلوك غرض إيديوجرافي Idiographic والمقطع الأول من هذا المصطلح هو idio بمعني ما يملكه فرد، ما هو شخصي ومتميز فالأغراض الإيديوجرافية إذن تتجه إلى تشخيص الحالات الفردية وتحديد خصائصها، ولا تتجه إلى وصف الإتجاهات الأساسية في الجماعات (وهو عرض معياري أو ناموي normative). وما لم يكن وصفنا أفرادي ومتميز ومحدد، فقد لا تتلاءم خططنا التعليمية مهما كانت صورتها مع ما يحتاجه طفل معين، وبالتالي قد تنكب الطريق السديد.
وكتابة الأوصاف السلوكية بهذه الصورة التي نقترحها ليست عملاً سهلاً، ولكنها عمل ضروري إذا أردنا التوصل إلى تقديرات تساعدنا في عملنا مساعدة حقيقية. وهذا النوع من الكتابة يزيد من في ملاحظة السلوك ويعدك للأنواع المألوفة من تقدير السلوك. وإليك بعض التوجيهات التي تساعدك في وصف السلوك:
1- ركز علي سلوك الطفل الذي تلاحظه وعلي الموقف الذي يوجد فيه ولا تسجل أي وقائع خارج المجال السلوكي للطفل. غير أنه إذا تحدث طفل آخر مع الطفل الذي تلاحظ سلوكه، فعليك تسجيل هذا التفاعل. وفضلاً عن ذلك فإن من المفيد أن تصف المواقف التي تتوقع عادة أن تثير سلوك الطفل. علي سبيل المثال "إستمر آدم في عمل واجبه المدرسي في الحساب، بعد أن ترك المعلم حجرة الدراسة، وقد كان للتلاميذ يجرون حوله في الحجرة، ينبغي أن تكتسب في التقرير عن الضوضاء وتصف الموقف علي الرغم من أن آدم فيما يبدو لم يتأثر بهذا الجري وما يحدثه من ضوضاء. وهكذا فأنت تسجل في التقرير ما يعمله الطفل وما يعمله الآخرون، مما يتوقع أن يكون له تأثير علي سلوك الطفل.
2- صف أسلوب الطفل أو طريقته في السلوك وطريقة أولئك الذين يتفاعلون معه. وإفترض أن كل شئ يقوم به الشخص قد يتم بطريقة أو بأخري ذلك أن طرائق أداء الأعمال والأنشطة تتنوع وتتغاير. فإذا كان طفل ما يقرأ كتاباً فعليك أن تصف طريقته في القراءة أو كيف يقرأ "يحمل القراءة، يجد متعة فيها، وإذا رفع طفل يده. فصف كيف فعل ذلك. وقد يكون من المستحيل أن تري جميع الأنماط السلوكية التي يقوم بها الطفل، أو أن نصف بدقة الطريقة التي إنغمس بها الطفل في ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فلتسجله، فهذا أفضل من عدم تسجيل شئ علي الإطلاق، ولا يحدث سلوك الأطفال جميعاً بطريقة غير عادية ودرامية، وليس كل ما يفعله الطفل، يقوم به في إختيال، أو ببطء، أو يضيق. فكثيراً ما تكون السلوكيات عادية مألوفة وشائعة، وفي هذه الحالات لا بد أن تسجل الوصف الذي يصدق في التعبير عنها.
3- سجل كل شئ يعمله الطفل. كلما كان ذلك ممكناً. وجميع أنواع السلوك تثير الإهتمام. والسلوك العادي جداً يمكن أن يكون كالسلوك النادر.
4- صف الوقائع السلوكية في تسلسلها. وينبغي أن تجعل السلات سلوكية متصلة ومستمرة. ولا تترك سلوكاً غير مكتمل فإذا وقف العمل، فنتأكد أنك سجلت جلوسه مرة أخري. وإذا رفع يده لكي تجرب إلى دورة المياه فصف نزول يده قبل أن يترك مقعده (مالم يكن سبباً إلى دورة المياه رافعاً يده- وينبغي أن تسجل ما لوحظ بدقة).
5- أكتب أوصاف السلوك بطريقة إيجابية فمن الأفضل أن تكتب التلميذ أجاب عن سؤال المدرس بصوت منخفض، بدلاً من أن تكتب التلميذ لم يرفع صوته عالياً عندما أجاب عن سؤال المدرس.
6- حاول ألا تكتب وتعبر عن أكثر من عنصر سلوكي واحد في المرة الواحدة، إلا إذا كنت تصف عناصر سلوكية متميزة وقصيره متتابعة ( أنظر النقطة رقم 7) وينبغي علي أية حال، أن تحتوي معظمها علي وصف كامل للعنصر السلوكي، وكيف تم أداؤه والموقف الذي حدث فيه، ولا تزيد عن ذلك شيئاً.
7- سجل الزمن الذي تحدث فيه وحدات السلوك ولا تكتب ملاحظات في وحدات زمنية مصطنعة. دع السلوك نفسه يضع الحدود علي سبيل المثال لا تفعل ما يأتي:
9.12 توفيق بدأ في عمل واجب الحساب.
9.13 توفيق ما يزال يعمل في واجب الحساب.
والأفضل أن تكتب علي النحو التالي:
9.12 كلف المعلم توفيق بحل تمارين في الحساب فكثر قليلاً ولكنه بدأ في قراءة التعليمات في أول الصفحة.
9.15 وضع توفيق قلمه علي درجة محدثاً صوتاً. وأغلق كراسة الواجب ورفع يده مخاطباً المعلم دون أن ينادي المعلم إسمه، لقد أتممت الواجب، وهذا الوصف يدلنا علي أن توفيق أنهي واجب لحساب في ثلاثة دقائق وهذه المعلومة مسلة في الزمن المبين لوحدات السلوك. ولم يكن تسجيل الزمن مصطنعاً ولا تعسفياً.
8- لا تقدم تفسيرات للسلوك عندما يكون المطلوب هو الوصف فقط. وإستخدم لغة سهلة ولا تنظر. أما إذا كان المطلوب الوصف والتفسير: فليكن ذلك في جزئين منفصلين في التقرير الذي تكتبه.
إستمارة وصف السلوك
إسم الملاحظ: م. عبدالخالق.
الطفل المستهدف: ف عبدالرحمن.
الموقف الذي حدثت فيه الملاحظة: حصة الجغرافيا في الصف الأول الإعدادي وقد ناقش المدرس الواجب وهو جغرافية مصر.
الوصــف:
كتب المعلم الواجب علي السبورة: رسم خريطة مصروبيان معالم المناطق الجغرافية الهامة علي الخريطة. أزاح ف عبدالرحمن مقعدة إلى الخلف وأعلن بصوت مرتفع أنه لن يعمل هذا الواجب ويحتمل أن هذا العمل لأنه لا يجيد رسم الخرائط. وبعد أن ألتفت إليه زملاؤه في الصف بدأ في رسم الخريطة. ولقد قام بالرسم لمدة ست دقائق وقد توقف مرة واحدة عن العمل لسعاله. وبعد الإنتهاء من رسم الخريطة، بدأ يتحدث إلى جاره، وهو تلميذ خجول يدعي محمد. ثم علق متعجباً بصوت مرتفع أن جاسم لا يعرف العمل الذي يقوم به. وفي نفس الوقت تقريباً وقف ليمضي إلى مبراة للأقلام ليبري قلمه. ولكنه تعثر لأن مجدي إعترض سيره. توجه إليه بضربة أخطأته فضربه علي رأسه. تراجع ف. وابتسم وقال أعرف إسمك وسأبلغ المعلم. إنحني مجدي بعيداً عن مقعده وطوح يده نحوف.. الذي عاد مسرعاً إلى مقعده وسط ضحك زملائه المجاورين له طلب المعلم من الصف الهدوء للأنتهاء من رسم الخريطة.
لقد إلتزم محمد عبدالخالق بالتعليمات من عدة وجوة:
1- أن الوصف يركز علي العناصر السلوكية التي حدثت في الموقف الذي يلاحظه. فهو لم يصف علي سبيل المثال ما يجري من أنشطة في ملعب المدرسة وكان يمكن رؤيته من خلال نافذة الفصل.
2- وقد سجل العناصر السلوكية في التتابع والتسلسل الذي حدثت فيه.
3- وقد سجل العناصر السلوكية وعبر عنها بطريقة موجبة.
4- وسجل سلوكاً واحداً في كل جملة في معظم الحالات.
ولكن هذا الوصف أبتعد عن هذه التعليمات في النواحي التالية:
1- ينبغي أن يسجل الزمن الذي حدثت فيه هذه الوقائع السلوكية. صحيح أنه ذكر أن رسم خريطة مصرقد إستغرق ست دقائق بالنسبة لهذا التلميذ ولكن ماذا عن الأنشطة الأخري؟ إن الصيغة التي إقترحناها تتطلب رصد الزمن وتحديده عند بداية كل فقرة قصيرة.
2- هناك عدة مواضع : هذا الرد كان يمكن لمزيد في الوصف أن يوضح الصورة توضيحاً أكبر. علي المثال لقد قرر الملاحظ أن هذا التلميذ بدأ في رسم الخريطة. وقد يكون من المفيد أن نعرف طريقة رسمه أو مدخل هذا العمل، ثم إن هذا الوصف يحتوي علي إحتكاك بين التلميذ وآخر. والإلتفات إلى تفاصيل أكثر عن هذه الواقعة يوضح طبيعة هذا التبادل للضربات أو هذا الإحتكاك.
3- حين يجري حديث أو حوار لا بد من تسجيل هذه الإستجابات حرفياً. مثلاً هذا التلميذ ف. عبدالرحمن أعلن بصوت مرتفع أنه لن يرسم الخريطة ماذا قال بالضبط؟ أيضاً بعد تحدث هذا التلميذ مع جاره ماذا قالا؟ لاحظ أن الملاحظ سجل حرفيا ما قاله ف. عبدالرحمن إلى مجدي، أنا أعرف إسمك وسأبلغه للمعلم.
4- والآن نأتي إلى نقطة هامة. إن جزءاً من هذا الوصف بمضي إلى ما هو أبعد من الملاحظة المباشرة ويتضمن تفسيراً شخصياً من قبل الملاحظ. وأول مثال لذلك: "يحتمل أن هذا العمل ممل لأنه لا يجيد رسم الخرائط. وهذه الملاحظة التفسيرية ينبغي إستبعادها من وصف السلوك إن هذه الملاحظة هي رأي للملاحظ عن شعور الطفل. وتأملات عما سبب ذلك الشعور، والنقطة التي نريد التأكيد عليها الإلزام بما نري ونسمع حين نصف. ويخطئ الملاحظ مرة أخري حين يقرر أن جارف. عبدالرحمن تلميذ خجول، ما معني خجول هنا هل تعني هذه الكلمة أنه لا يتحدث إلا نادراً إلى زملائه في الصف ؟ إن المطلوب هو تحديد الوقائع السلوكية فقط. ما بقي التقرير فيتجنب التفسير ويركز علي نحو مباشر علي ما لوحظ.
التمرين الثالـــث:
لعلك الآن مستعد لكتابة وصف سلوكي. وهذا النوع من الكتابة يمكن أن يكون مجهداً. وهدفنا أن ننمي قدرتك علي التركيز علي عناصر السلوك العقلي ولا تتطرق إلى التفسيرات. وعليك أن تلاحظ سلوكا لأحد الأطفال يستغرق خمس دقائق وأن تحدد الموقف الذي حدث فيه هذا السلوك.
سجل ملاحظات تفصيلية أثناء الملاحظة ولن تستطيع أن تقدم تقريراً مقبولاً عن السلوك في تتابعه الصحيح مالم تسجل ملاحظاتك. أكتب وصف السلوك بعد إنتهاء فترة الملاحظة مباشرة. تأكد من الدقة ومن الترتيب. أعد كتابة هذه المسودة فقد يساعدك هذا علي تذكر التفاصيل الجديدة التي قد تتعرض للنسيان في كتابة المسودة. وأكتب الوصف السلوكي في الصيغة التي سبق أن أثبتناها وهي:
إسم الملاحظ أو المسجل:
الطفل المستهدف:
الموقف الذي حدثت فيه الملاحظة:
مدة الملاحظة:
الوصف:
تمرين:
دقــــة الملاحظــــة
المفهوم الذي يقوم عليه التمرين:
أن هذا التمرين يتيح لنا المجال لمناقشة دقة الأفراد في ملاحظة الوقائع للسلوكية وخصائص البيئة ومدي ثباتهم في هذا المجال:
المواد المطلوبة: جهاز تسجيل يسهل حمله، والقدرة علي التخيل وظروف جوية مناسبة.
التعليمات: إشرح للطلاب أنك سوف تختبر قدرتهم علي الملاحظة، أي مهاراتهم كملاحظين، وأنك ستطلب من زميل لك أو من أحد الطلاب أن يقود طلاب الفصل في جولة حول الكلية أو الجامعة لمدة خمس عشرة دقيقة. وبين للطلاب أنه لا توجد خطة مسبقة لأحداث غير عادية، وأن عليهم خلال الجولة أن يلاحظوا الأنشطة العادية والظروف والملابسات التي سوف يمرون بها. وأنه يطرح عليهم بعد الجولة بعض الأسئلة عن ملاحظاتهم .
وبينما يقوم زميلك أو أحد طلاب الفصل بقيادة الطلاب خلال هذه الجولة في الحرم الجامعي، عليك أن تتبعهم علي بعد مسافة قصيرة مسافة تمكنك من ملاحظة طلاب الصف والظروف البيئية التي يمرون بها، وتتيح لك في نفس الوقت أن تتحدث في هدوء إلى المسجل دون أن يسمعك طلاب الصف.. ومع المضي قدماً في هذه الجولة سجل ما يقرب من خمسين سؤالا منبثق من ملاحظاتك لما تمر به المجموعة من وقائع وما يلاحظون من أشياء. ( وتستطيع إن أردت أن تحدد الطريق الذي يتبعه هؤلاء الطلاب مسبقاً، وأن تمر بنفس المسار قبل الجولة بمفردك لتتدرب علي وضع الأسئلة ). وعليك أن تسجل بعد كل سؤال جوابه. وينبغي أن تتناول الأسئلة وقائع وأشياء حقيقية يمكن التثبت منها بطريقة موضوعية.
وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح هذا النوع من الأسئلة:
ما عدد الطائرات التي عبرت المجال الجوي ونحن نسير في ملاعب الكلية؟
ما نوع النشاط الذي كانت تقوم به أول مجموعة من الطلاب مررناً بها أثناء الجولة؟
أين كان طلاب الفصل عندما أحدثت سيارة النقل صوتاً مزعجاً؟
ما لون السيارة التي مرت علي طلاب الفصل عند مدخل موقف للسيارات بالكلية؟
وعليك أن تتجنب الأسئلة التي تستدعي إجابات تتضمن تعبيراً عن الرأي من قبيل هل كان الجو رائعاً؟ هل شعرت بأن الجو دافئ؟
وبعد العودة إلى حجرة الدراسة، أدر المسجل لسماع السؤال الأول، وقبل أن يستمع الطلاب للإجابة الصحيحة عنه. واطلب من الطلاب إن يكتبوا إجاباتهم ويسجلوها علي الورق. ثم أسمعهم الجواب الصحيح. وسجل علي السبورة عدد الإجابات الصحيحة وعدد الإجابات الخاطئة.
المناقشة: وسوف يفسح التنوع في إستجابات الطلاب المجال لمناقشة الموضوعات الآتية:
( أ ) ثبات ملاحظات الطلاب.
(ب) مصداقية شهادة الشهود في ساحة القضاء.
(جـ) فوائد وضع خطة محددة لجميع الملاحظات وذلك بتحديد البيانات والمعلومات التي نستهدف جمعها.
( د ) إثبات تكرارات الإجابة الصحيحة والإجابات الخاطئة للطلاب ومقارنة إجابات المدرس بإجابات الطلاب لتحديد مدي دقة الفئة الأخيرة ينبغي أن يبرز بوضوح أهمية تحديد البيانات التي يراد جمعها قبل الشروع في الملاحظة.

تطويـــــر السلـــــوك
مسئولية المعلم عن تربية تلميذ من تلاميذه في حجرة الدراسة غنية عن البيان. ولكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه هنا هو: ما معني المسئولية في هذا المجال:
يفسر بعض علماء النفس المسئولية هنا بقولهم أن المعلم مسئول عن التغيرات السلوكية التي ينبغي أن تتحقق في الصف المدرسي. وعلي سبيل المثال، تعليم التلميذ القراءة يدخل في تربيته. والقراءة سلوك، وإذا تعلم التلميذ القراءة فقد تغير سلوكه. ومن المتوقع أن يستخدم المعلم أكثر الطرق فاعلية في تحقيق هذا التغير السلوكي. ولا سبيل إلى ذلك إلا بإبراز أهمية مبادئ تطويع السلوك والعناية بها. ويستطيع المعلم أن يطوع التغيرات في سلوك تلاميذه بإستخدام أساليب التعزيز بعناية.
والهدف العام لهذه الوحدة هو أن تتعرف علي المبادئ الأساسية لتطويع السلوك وتوجيهه ، وأن تتيح لك الفرصة لتطبيقها وإستخدامها في مواقف فعلية ولكي تقدر علي تشكيل السلوك وتوجيهه لا بد من أن تلم إلماماً معقولاً بنظرية التعزيز reinforcement theory وسوف تزودك هذه الوحدة التعليمية بـأفكار أساسية عن التعزيز وسوف تتيح لك الفرصة لنقوم ببعض التطبيقات لهذه الأفكار.
ما الفرق بين الإستجابات وفئاتها:
يقوم المعلم بتقويم أداء التلميذ ليقرر هل ينقل إلى صف أعلي أم يبقي عاماً دراسياً آخر في صفه؟ ويقوم المشرف بتقويم أداء موظف ليري هل من الصواب ترقيته إلى وظيفة أعلي أم لا؟ ويقوم الطبيب بتقويم سلوك المريض ليقرر وجوب إستمرار علاجه في المستشفي أو وجوب تركه لها في لحظة معينة… إلخ ولكي تقوم أداء شخص ينبغي أن نلتفت إلى إستجاباته وأنماط سلوكه.
وينغمس الناس في إستجابات منوعة كثيرة ومتميزة بحيث يصعب تنظيمها ومن هنا فإننا نبحث عن فئات تندرج فيها 0 ما أهمية التمييز بين الإستجابات وفئاتها؟
أن التدريب السابق يؤدي بنا إلى نتيجة تتصل بملاحظة الإستجابات وهي:
- عندما تتحدث عن فئات الإستجابات فإن حديثنا لا يبلغ درجة كافية من حيث الدقة، وبالتالي فإننا لا ننقل إلى الآخرين معلومات دقيقة دقة كبيرة وذلك لأن البيئة الواحدة تشتمل علي عناصر سلوكية متباينة، ويمكن أن يتحقق التفاهم بيننا بفاعلية أكبر إذا تحدثنا عن إستجابات مميزة.
وعلي سبيل المثال يحال الأطفال في المدارس الحديثة إلى الأخصائي النفسي لأنهم فيما يبدو مضطربون إنفعالياً، وفي كثير من الحالات لا يزود الأخصائي النفسي بأكثر من هذا. وقد يمضي الأخصائي النفسي ويتمادي في الخطأ ويفترض علمه بهذه الصفة، مضطرب إنفعاليا، ولو أنه كان أميناً مع نفسه لأعترف بأن المعلومات المتوافرة لديه بناء علي هذه الإحالة هي أن سلوك الطفل منحرف إنحرافاً يكفي لجذب إنتباه المدرس والإستحواذ علي إهتمامه. وهو يعرف من خبرته المهنية أن فئة الإضطراب الإنفعالي، تشتمل علي عناصر سلوكية مختلفة كثيرة وأنه يندر أن نجد جميع هذه العناصر في سلوك طفل معين وينبغي أن يكون واضحاً أن نمط الإضطراب الإنفعالي لا يمكن أن يكون متسقاً وواحداً من طفل إلي آخر، وأننا نستخدم الإضطراب الإنفعالي ولا نشير إلى نفس المجموعة من العناصر السلوكية مع إختلاف الحالات.
وإذا أردنا أن نلخص النقطة الأساسية في هذا المجال، فإننا نقول أن من المهم تحديد الإستجابات المتميزة في فئة سلوكية معينة حتي نضمن تفاهماً صحيحاً ودقيقاً بين المعنيين بتشكيل سلوك التلميذ، فإذا قلنا أن تلميذا معيناً سيبقي في الصف الخامس لأنه لا يصلح تلميذاً في الصف السادس فإننا نعني أن هذا الطفل لم يتقن أياً من المهارات التي تدرس عادة في الصف الخامس. ولكي نتكلم بلغة أدق قد نقول أن الطفل ضعيف في الرياضيات بحيث لا يستطيع أن ينتقل إلى صف أعلي. وأن الصعوبة الأساسية التي يواجهها في الرياضيات هي ضعفه في الكسور. أن هذا التخصيص يحدد هدف العمل العلاجي. ويركز عليه. ويترتب علي ذلك أننا لن نضيع الوقت في تدريب التلميذ علي مهارات سبق له أن أتقنها ويمكن أن ترقي بالطفل إلى المستوي المناسب في الرياضيات.
وصف السلوك:
كيف نصف السلوك الذي نلاحظه؟ يحتوي القاموس علي كلمات كثيرة يمكن إستخدامها لوصف الأفراد في سهولة ويسر. ويمكن أن نصف إنساناً بأنه غني، أمين ، ذكي، ولكن هذه الكلمات لا تحمل إلى الآخرين معلومات دقيقة عن هؤلاء الأفراد حتي في أحاديثنا اليومية. وهذا الإستخدام للمفردات اللغوية لا يختلف عن وصفنا للطفل بأنه مضطرب إنفعالياً.
وقد بينا فيما سبق أن هناك بديلاً أفضل وهو أن تستخدم كلمات أكثر تحديداً كان نحدد دخل الفرد السنوي بدلا من وصفه بالغني، أو نسبة ذكائه بدلاً من وصفه بالذكاء، أو نبين درجاته المدرسية بدلاً من وصفه بأن لديه ميلا أكاديمياً قوياً.
وإستخدام كلمة ذكاء بطبيعة الحال له مزاياه لأنه يرتبط إرتباطاً ذا معني بالأداء الإناني المعقد ولأنه يرتبط بالنجاح في مواقف كثيرة منوعة غير أن المصطلح نسبة الذكاء أكثر تحديداً ودقة. وهذا التمييز يظهر الفرق بين إتجاهين في تناول السلوك. أحدهما يعتمد علي التفسير الشخصي للملاحظ وعلي حكمه ومن المعروف أن المقاييس الذاتية للثورة والذكاء تتأثر تأثراً كبيراً بتفسير الملاحظ بينما يجد أن الألفاظ الموضوعية مثل الدخل السنوي ونسبة الذكاء لها معاني مقننة لا تتأثر تأثراً كبيراً بحالة الملاحظ المزاجية المؤقتة وقد يسأل سائل عن ضرورة الحاجة للتقنين. والحق أن السبب الرئيسي للتقنين هو أن ييسر التفاهم ويضمن أن تكون الإعادة دقيقة حين تظهر الرغبة في ذلك. وتتعرض الملاحظة التي تتأثر بالتحيز الشخصي لنفس النوع من التفسير الذاتي من قبل المستقبل في عملية الإتصال أما إذا إستخدمنا وحدات قياس مقننة فإن المتحدث والسامع يتوصلان إلى مدرك واحد. وعلي هذا فإن الحاجة إلى تكرار الخبرة تقتضي أن تتحرر الألفاظ التي نستخدمها في الملاحظة من التفسيرات الشخصية والأحكام الذاتية. وأن تستخدم بدلاً من ذلك أنماط وصفية كمية لأن هذه الأخيرة أكثر ملاءمة من الألفاظ التفسيرية.
وثمة تحذير أخير ينبغي أن تشير إليه وهو أن الناس كثيراً ما يقنعون بإستخدام التعميمات الذاتية عند تلخيصهم لملاحظاتهم، إستناداً إلى توافر قدر طيب من الثبات بين الملاحظين. وهذه مغالطة معروفة. وهناك تفسيران لهذا الإتفاق العام بين الملاحظات الذاتية، التفسير الأول: أن التعميمات قد تكون غامضة فلا يظهر التناقض بينها، أي أنها تشتمل علي عناصر سلوكية كثيرة، والتفسير الثاني: أن مقاييس الثبات هذه لا تستند بالدرجة الكافية إلى الأساس الفيزيقي للملاحظة، ولكنها تعكس إتفاقا إجتماعياً قد يستند برمته علي التفسيرات الذاتية المشتركة.
ولتوضح النقطة السابقة تقول أن مفهومك للغني قد طرأت عليه تغييرات كثيرة ولنقل أنها سبعة من حيث العدد فمصروفك اليومي في بداية المرحلة الإبتدائية يختلف عن نهايتها، وفي بداية المرحلة الإعدادية يختلف عن نهايتها. وفي بداية المرحلة الثانوية يختلف عن نهايتها وفي بداية المرحلة الجامعية يختلف عن نهايتها أي أن الغني له ثمان تعريفات مختلفة وفي كل نقطة كان بينك وبين الآخرين قدر من الإتفاق فيما يتصل بتفسيرك الذاتي للثروة ولكنك كنت مختلفاً عن الآخرين الذين يتمسكون بأحد التعريفات السبعة الأخري.
ما المقصود بمعدل الإستجابات:
لقد لاحظنا أن الإستجابات إذا وصفت بتغييرات كمية فإن ذلك يساعد علي زيادة الدقة في التفاهم بين الناس. وجدير بنا أن نقرر بادئ ذي بدء أمرين لا ثالث لهما، الأمر الأول أي فرد تصدر عنه عناصر سلوكية متنوعة تنوعاً كبيراً: والأمر الثاني أن جميع هذه العناصر لا تحدث بنفس التواتر أو للتكرار.
إننا نقول أن جميع العناصر السلوكية تحدث، لكنها تختلف من حيث إحتمال حدوثها فلكل منها إحتمالاته المحددة، وإذا لاحظنا الحصيلة السلوكية لكل فرد فإننا ندرك أن بعض العناصر تحدث بتكرار أكبر من البعض الآخر، أي أن بعضها أكثر إحتمالا في حدوثه من البعض الآخر، وعلي سبيل المثال، في ظل الظروف العادية في الصف الدراسي، يكون إحتمال حديث التلميذ إلى المعلم أعلي من إحتمال دفعه لزميله الذي يجاوره.
ومهما يكن من شئ، فنحن لا نستطيع أن نعمم ما يجري في هذا الموقف علي المواقف الأخري، فنقول أنه في كل مرة تجلس جماعة من الناس أمام شخص أو أشخاص فإن من الضروري أن يتحدثوا إلى هذا الشخص، ذلك لأن هذا السلوك ليس مناسباً علي الإطلاق عند مشاهدة مجموعة من الناس لمسرحية، أو عند ما يدعون لسماع محاضرة ( لاحظ أننا عندما نتحدث عن معدل الإستجابة فإننا نهتم بتكرارها).
ما المقصود بمعدل الإستجابة ؟
يحدث كثيراً أننا لا نلتفت إلى قطاعات كبيرة من حصيلة الفرد السلوكية وذلك لأنها تحدث بطريقة روتينية أي بمعدلات مناسبة، ولكننا نلتفت إليها إذا كانت معدلاتها غير مناسبة سواء أكان ذلك بالزيادة أو النقصان. وسوف نطلق علي الإستجابات ذات المعدل العالي تزيدا في السلوك وعلي الإستجابات ذات المعدل المنخفض قصوراً في السلوك. ويظهر ذلك في المواقف التي نسميها شاذة أو مرغوب فيها أو مشكلة.. إلخ ونحن في هذه الحالة نحاول أن ندخل علي سلوك الفرد تغييراً وتعديلاً في هذه المواقف.
متي يعتبر السلوك تزيداً أو قصوراً وكيف يمكن تحديد ذلك؟
من نافلة القول أن نقرر صعوبة تحديد معايير عامة تحدد لنا المستويات الملائمة لسلوك معين. فنظامنا الإجتماعي وثقافتنا قد أكدت لنا حقيقة هي: أن بعض الفئات السلوكية أكثر تواتراً وحدوثاً عند قطاع معين من السكان دون آخر وحتي بالنسبة لقطاع معين من السكان. لا يمكن أن نفترض معايير عددية لعناصر سلوكية منتقاه ونعتبرها مرغوباً فيها، والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو:
كيف نضفي بعض النظام علي هذا المجال المفسح العريض؟
إن تواتر سلوك معين بالنسبة لشخص ما مرهون في العادة بما يحيط به من أشخاص في بيئته التي يعيش فيها. أي أن معدل تكرار إستجاباته يتحدد نتيجة تأثير من يحيطون به لأنهم يسيطرون علي نتائج هذا السلوك أي أن لكل عنصر سلوكي نتيجة يبرمجها شخص أو أشخاص في بيئة الفرد. وهذه النتائج تؤثر في معدل إحتمال حدوث عناصر سلوكية معينة. وهكذا فإن برمجة نتائج السلوك أو الإستجابة بعناية تحقق التغير المرغوب فيه أي تحدد تكرار السلوك المقصود (target behavior ) وهذه البرمجة مثار إهتمامنا في الأجزاء التالية 0
ما هي الخطوات الأساسية التي ينبغي أن نتبعها لتغير معدلات السلوك؟
نحن الآن نتقدم نحو الجزء الهام في تشكيل السلوك أي تيغير معدله وهناك ثلاث خطوات أساسية في أي برنامج لتعديل السلوك وهي:
1- تحليل الموقف لتحديد السلوك الذي ينبغي تغييره.
2- تحديد النتائج التي تؤدي إلى إستمرار السلوك الحالي أي تحافظ عليه.
3- إكتشاف النتائج التي يمكن معالجتها حتي تغير معدل السلوك.
تتطلب الخطوة الأولي تحديد الخط القاعدي أو المعدل القاعدي لتكرار وقائع سلوك معين في ظل الظروف البيئية المألوفة، أي قبل أن تغير أي نتائج لهذا السلوك وعلينا أن نلاحظ هذا الخط القاعدي عدة أيام حتي تعرف علي نظام معين. والهدف من تحديد المعدل القاعدي هو تحديد نقطة البداية التي نستطيع أن نقارن علي أساسها ونتبين ما طرأ من تعديل علي السلوك وذلك بعد البدء في برنامج تعديله فعلاً.
ولتوضيح ذلك نقول: شخص يريد أن ينقص عدد السجائر التي يدخنها. في هذه الحالة لا بد أن نحدد هذا العدد. وقد نسأله عن مقدار ما يدخن منها فيقول ما بين "علبة وعلبتين" يومياً. وهذه إجابة غير دقيقة بالقدر الكافي لأن العدد هنا يتراوح ما بين 20 سيجارة وأربعين وفرق كبير بين الحد الأدني والحد الأعلي. وقد يبذل هذا الشخص مجهودلمنع التدخين ويدخن علبة واحدة يومياً لمدة ثلاثة أيام. ولكن مثل هذا السلوك لا يدل علي أنه قد تقدم تقدماً ملحوظاً لأنه قد أخطأ في تقديره لمعدل سلوكه. وهذا النقص في التقدم نحو الهدف قد يكون مثبطاً لهمته. ويكون سبباً كافياً لوقف الشخص عن تنفيذ برنامج للإقلاع عن التدخين.
ومن ناحية أخري، إذا قام هذا اشخص بإحصاء دقيق. أي بتحديد الخط القاعدي خلال فترة من ثلاثة أيام إلى خمس، فإنه سوف يعرف المعدل الدقيق لتدخينه. إفترض أن المتوسط هو 35 سيجارة في اليوم، فإذا أنقصها إلى 20 كان ذلك علامة علي التقدم في برنامج تعديل سلوكه لها أهميتها.
كيف تتوصل إلى النتائج التي تؤدي إلى إستمرار السلوك الحالي وتحافظ عليه؟
حينما نلاحظ الخط القاعدي لسلوك معين أو عندما نسجله، ينبغي علينا علي وجه الخصوص أن نفطن إلى الوقائع التي تصاحب السلوك حتي تتوصل إلى النتائج التي تؤدي إلي إستمراره. وهذه الخطوة عمل صعب في بعض الحالات. لأن هذه النتائج قد تكون غامضة أحياناً، ولأنها قد تنبثق من مصادر غير متوقعة وواضح أنه ينبغي أن ندقق في ملاحظة سلوك الفرد وسلوك من يحيطون به.
وسوف نتبين أن النتائج التي تؤدي إلى إستمرار السلوك غير المرغوب فيه لا تخضع للملاحظة في سهولة، وهذا يؤدي إلى غرابة السلوك الذي نلاحظه ويعرضنا للحيرة بالنسبة له. ومما يسهم في هذه المشكلة أننا نلاحظ الموقف وندركه من منظورنا الشخصي، وإذا لم ندرك شيئاً من ملامح البيئة مما يجعل النتيجة مرغوباً فيها، فإنه قد يتعذر علينا فهم أسباب بقاء سلوك معين عند شخص أو آخر. وهذا يؤكد الحاجة إلى الموضوعية في ملاحظاتنا.
وفيما يلي نورد بعض الأسئلة التي علينا أن نجيب عنها حتي نستطيع القيام بملاحظة موضوعية وتحقيق الهدف الذي تصبو إليه:
1- ما هي إستجابات المحيطين بالفرد عندما يصدر عنه هذا السلوك؟
2- ما هي إستجاباتنا في هذه الحالات؟
3- ما هي الظروف السائدة في بيئة الشخص وقت قيامه بهذا السلوك؟
4- كيف تغيرت هذه الظروف بعد حدوث السلوك؟
والهدف من هذه الأسئلة هو البحث عن إتساق بين الإجابات عنها عندما تتكرر الواقعة السلوكية وليس علي أساس حدوثها مرة واحدة.
ما المقصود بمعالجة النتائج؟
نستطيع الآن أن نعود إلى النقطة الأخيرة، أي نكتشف طريقة معالجة النتائج لكي تغير معدل السلوك. إننا نحاول هنا أن نعيد بناء الوقائع بطريقة تؤدي إلى تعديل معدل السلوك المرغوب فيه بحيث يزداد, وإلي تعديل معدل السلوك المرغوب عنه بحيث ينقص، وهذا يستلزم تغيير النتائج البيئية بطريقة أو أخري بإستخدام التعزيز الإيجابي أو السلبي . والسؤال الهام هنا الذي علينا أن نطرحه هو.
ماذا أستطيع عمله أو ترتيبه لكي يملك الآخرون أو يعملوا بحيث تصدر الإجابة المقبولة من الشخص الذي نلاحظة؟
ما هي العلاقة بين إرتفاع معدل السلوك والتعزيز الإيجابي؟
بعد ملاحظة الخط القاعدي للسلوك المقصود وتحديده، قد يكون هدفنا هو زيادة هذا المعدل أي زيادة تكرار ذلك السلوك بحيث يتعدي المعدل القاعدي. والتعزيز الإيجابي هو الذي يؤدي إلى زيادة إحتمال حدوث نفس السلوك مرة أخري. وعلي سبيل المثال ، إذا قابلنا شخصاً لأول مرة وكان التفاعل معه ساراً، فإننا سوف نبحث عن مصاحبة ذلك الشخص في المستقبل . وهنا نجد أن التفاعل الساريين شخصين يعزز سلوك اللقاء بينهما، مما يحملهما علي قضاء الوقت معاً.
متي نستخدم التعزيز الإيجابي؟
هناك ظروف عديدة مختلفة يكون إستخدام التعزيز الإيجابي فيها ملائماً بدرجة أكبر، وهدف هذا التعزيز في كل موقف واحد لا يتغير، وهو زيادة معدل السلوك، وإن إختلفت نقطة البداية في ذلك الموقف. وإذا كان السلوك الحادث في الموقف الأول مقبولاً من حيث مستواه، فإننا نحاول توفير الملابسات أو الظروف التي تضمن إستمرار هذا المعدل المرغوب فيه، وقد يؤدي هذا إلى زيادته. ومن أمثلة ذلك التلميذ الذي يستذكر دروسه بدرجة تكفي لحصوله علي تقدير متوسط. ولكنك تريد المحافظة علي هذا المستوي. ومن هنا يصبح هدفك الرئيسي هو توضيح الظروف التي يترتب عليها السلوك حتي نضمن إستمرار السلوك نتيجة لهذا التوضيح، فإن هذا موقف مقبول جداً ومرغوب فيه.
وثمة مناسبة أخري تتطلب إستخدام التعزيز الإيجابي، وهي حين يكون من المرغوب فيه زيادة معدل السلوك الموجود. في مثل هذه المواقف يتوافر تعزيز إيجابي عارض له تأثيره. ولكن هذا التأثير ليس فعالاً بالدرجة الكافية بسبب عدة عوامل. أولها: أن المعزز الذي يستخدم للحافظة علي السلوك وضمان إستمراره قد لا يكون أكثر المعززات فاعلية بالنسبة لهذا الشخص. وهناك عامل آخر وهو أن التعزيز لا يتم بتواتر كاف، مما يؤدي إلى المحافظة علي السلوك عند معدل منخفض والعامل الثالث : أن لا يكون التعزيز بالحجم أو بالمقدار الكافي.
ويمكن تلخيص جميع هذه النقاط الثلاث في قولنا أن نتيجة السلوك العامة ليست بالقوة الكافية بالنسبة للشخص بحيث ينغمس في السلوك بتواتر أكبر. وإذا توافر بديل للسلوك فمن المحتمل أن يلجأ الشخص إلى هذا السلوك البديل.
والموقف الثالث الذي يتطلب إستخدام التعزيز الإيجابي هو ذلك الذي يصبح من المرغوب فيه أن ننشئ سلوكاً جديداً في حصيلة الشخص ويكون المعدل القاعدي للسلوك المستهدف في هذه الحالة صقراً. وعلي أية حال حين ننشئ سلوكاً جديداً، فإن إنتظارنا لحدوث السلوك في شكله النهائي قبل أن نستخدم التعزيز عمل مؤلم ، لأنه طالما أن هذه العناصر السلوكية لم تحدث حتي الوقت الراهن فليس هناك سبب يحمل علي الإعتقاد بأن الشخص سيقوم تلقائياً بهذا السلوك المعين.
كيف يرتبط تطويع السلوك الجديد بالموقف الذي يطوع فيه؟
تطويع السلوك في الأساس إجراء يتم فيه تعزيز الإستجابات التي تقترب من الإستجاب المرغوب فيها. ومع تقدم هذه العملية، تتحدد المطالب التي تؤدي إلى الحصول علي التعزيز حتي يتم الوصول إلى السلوك المستهدف في النهاية.
إن الأساس العقلاني الذي يستند إليه تشكيل السلوك وتطويعه هو أن الإستجابات ليست جديدة كلية. أي أنه يتوافر لدي التلميذ كثير من أجزاء السلوك المستهدف ومكوناته، أي أنها موجودة في حوزته أو حصيلته. وأن الهدف من تطويع السلوك هو إعادة تنظيم المكونات المختلفة ووضعها في السياق المناسب وعلي سبيل المثال قبل أن يري معظم الناس الآلة الكاتبة لأول مرة فإن لديهم القدرة الكاملة علي أداء الحركات الجسمية التي تتطلبها الكتابة عليها، وعملية التعليم أو تطويع السلوك بالنسبة لهذا الموقف هي ببساطة بناء الوقائع السلوكية وترتيبها في تسلسلها المناسب بحيث تؤلف مهارة الكتابة علي الآلة الكاتبة. ومتي تشكل السلوك بهذه الطريقة ، فإننا نحافظ علي إستمراره مع مضي الزمن بواسطة التعزيز الإيجابي.
ما هي معاينة التعزيز؟
ثمة مناسبات يبقي فيها السلوك عند معدله الأدني لأننا لم نستخدم أكثر المعززات فاعلية بالنسبة للتلميذ، ولو أننا قمنا بقدر ضئيل من التخطيط، فإنه يمكن السيطرة علي هذا الموقف، ويتوقف السبيل إلى ذلك بإكتشاف المعززات الفعالة بالنسبة لهذا التلميذ، ويمكن الحصول علي معلومات عن هذه المعززات بسؤال الشخص عنها. وعلي آية حال، فثمة إجابة هامة يمكن أن نحصل عليها بملاحظة التلميذ والتعرف علي المعززات التي تؤثر بإنتظام في هذا المجال، ويعرف هذا الإجراء بإختيار عينة من التعزيز.
ما هو الترتيب الهرمي للتعزيز؟
أما وقد عرفنا المعززات الفعالة بالنسبة لتلميذ معين، فإنه ينبغي وضعها في نظام معين من حيث التفضيل والأولوية. وواضح أنه لا يمكن أن تكون قيمتها واحدة من وجهة نظره، وعلي سبيل المثال هل يقدر الأطفال في سن السادسة ثناء المعلم عليهم تقديراً عالياً ومساوياً لتقديرهم للحلوي أو للعب؟ ومتي عرفنا التفاوت بين المعززات من حيث قيمتها، فإن علينا أن نبدأ بأكثرها فاعلية وقد نلاحظ بمضي الزمن تراخياً وقصوراً في الإستجابة ولعل ذلك يرجع إلى أن الشخص قد تشبع بالمعزز المستخدم. وإذا حدث هذا التشيع فإنه من المناسب جداً إستخدام المعزز التالي من حيث الأفضلية للمحافظة علي معدل الإستجابة المرغوب فيها. وهناك طريقة أخري يمكن إستخدامها وهي مزج المعززات الثلاث أو الأربع المفضلة من بداية التدريب. وبهذه الطريق نقلل من إحتمال التشيع إزاء أي من هذه المعززات.
هل الإجراءات السلوكية "ميكانيكية" و "مصطنعة"؟
من الإنتقادات الشائعة التي توجه لإستخدام الإجراءات السلوكية في حجرة الدراسة أنها ميكانيكية وغير طبيعية والحق أن هذا النقد له ما يبرره في بعض الحالات فمن الممكن أن تبدو المواقف السلوكية مصطنعة بدرجة ملحوظة غير أن هذا أمر غير مرغوب فيه وينبغي تجنبه والنقطة الأساسية هنا هي أن هناك وقائع أو مثيرات في النشاط الصفي يمكن إستخدامها كمعززات وبرمجتها وتطبيقها علي نحو مناسب، وعلينا أن نستخدم هذه المثيرات، وهي في حالتها الراهنة تحافظ علي إستمرار بعض أنواع السلوك، ونستطيع أن نجعلها مشروطة بالسلوك السليم. وفضلاً عن ذلك ولكي تتجنب الإصطناع فإن علينا أن نراعي الوضع القائم وخصائصه لأن من شأن هذه المراعاة تقديم معززات جديدة، وتجنب مشكلات الإدارة التسلطية.
كيف يمكن خفض معدل السلوك بواسطة الإنطفاء؟
في حالات معينة نجد أن معدل سلوك ما مرتفعاً بشكل غير مناسب، وهناك عدة طرق يمكن إستخدامها لخفض معدل هذه الأنماط السلوكية الزائدة عن الحد ومنها متسع التعزيز الإيجابي الذي يحافظ حالياً علي إستمرار السلوك وتعرف هذه العملية بالإنطفاء، وقد سبق أن بينا أن التعزيز الإيجابي وسيلة لإنشاء السلوك. ويؤدي إستبعاده إلى إنقاص تواتر السلوك أو تكراره، ولو تصورنا التعزيز الإيجابي أجراً تمنحه للشخص مقابل الإستجابة التي يصدرها فإن إستبعاده يؤدي إلى إنقاص الإستجابة.
وهناك عدة عوامل تؤثر في الفترة الزمنية التي يستغرقها الإنطفاء، ومنها مقدار التعزيز الإيجابي الذي تلقاه الشخص علي سلوكه. وإذا كان الشخص قد حافظ علي نمط سلوكي عدداً من السنوات، فإن الإنطفاء يحدث ببطء لأن السلوك قد ترسخ بقوة وثبات.
وكذلك إذا إنغمس الشخص في هذه الإستجابة لفترة طويلة من الزمن ، فإن من المحتمل جداً أنه لم يلق تعزيزاً عليها في كل مرة ، ولما كان الإنطفاء هو فترة من عدم التعزيز فقد يستغرق الفرد بعض الوقت ليميز بين أمرين هما: فترة الإنطفاء وفترة عدم التعزيز.
ولهذا فإذا أريد إستخدام الإنطفاء بفاعلية فمن الضروري أن نبعد جميع المعززات الممكنة لسلوك معين عن الموقف علي نحو مسبق، وإذا حدث تراخ في هذه العملية وعزز الشخص الإستجابة عرضاً خلال الإنطفاء فإن السلوك سوف يستمر فترة أطول.
ما المقصود بالعقاب؟
وهناك إجراء آخر يستخدم لخفض معدل السلوك وهو العقاب. والعقاب مثير منفر يستخدم عقب حدوث السلوك ، والحكمة في إستخدام العقاب تكمن في أن الشخص لن يستمر في أداء الإستجابة إذا كان هذا الحدث غير المرغوب فيه هو النتيجة الوحيدة المترتبة عليه، ومن أشكال العقاب. العقاب المادي كالصدمة الكهربية والصفعة. ومنها ما ليس مادياً كالتوبيخ اللفظي وينبغي أن نتذكر شيئاً هاماً عن العقاب وهو أن يتحدد من حيث تأثيره في السلوك ولا يمكن تعريف المثيرات المعاقبة تعريفاً عاماً. ذلك لأنه مهما إختلف إدراك الشخص للمثير. فلا يمكن تعريفه بإعتباره مثيراً معاقباً مالم يقمع سلوكاً معيناً.
وكثيراً ما يستخدم العقاب في تلك المواقف التي يصبح من الضروري إنهاء الإستجابة علي نحو سريع، وهذه العملية أسرع من عملية الإنطفاء.
وثمة نقطة نهائية علينا أن نلتفت إليها حين نستخدم عقاباً لقمع السلوك وهي التوصية بتعزيز سلوك بديل تعزيزاً موجباً في نفس الوقت الذي يحدث فيه العقاب وهذا يؤدي إلى إحلال البديل المرغوب فيه في الفراغ السلوكي الذي كانت تشغله الإستجابة المعاقبة.
أذكر بعض الوقائع السلوكية غير المناسبة مما يمكن معالجته بالإنطفاء
1-………………………………………………………………
2- ………………………………………………………………
3- ………………………………………………………………
4- ………………………………………………………………
أذكر بعض الوقائع السلوكية التي تتطلب إستخدام العقاب
1-………………………………………………………………
2- ………………………………………………………………
3- ………………………………………………………………
4- ………………………………………………………………
ولكي نكمل الجانب الخبراتي من هذه الوحدة، من الضروري أن نعرف عدداً منوعاً من المصطلحات الخاصة بتعديل السلوك.
ما المعزز الإيجابي؟ Apositive Reinforcer
لقد ناقشنا هذا المفهوم من قبل والمعزز الإيجابي هو نتيجة من نتائج السلوك تؤدي إلى زيادة إحتمال تكراره.
ما التعزيز السلبي؟ Negative Reinforcement
إنه إختفاء مثير منفر كنتيجة للإستجابة، ومن الضروري أن يزداد تواتر أو تكرار الإستجابة التي إستبعدت المثير المنفر. لكي تقرر أن التعزيز السلبي قد حدث. ومن أمثلة التعزيز السلبي: موقف نجد فيه أن الطفل ( أ ) يجري مبتعداً عن الطفل (ب)، لأن الأخير يقرصه، فإذا كان القرص مثيراً منفراً، والجري بعيداً يزداد من حيث التكرار أو التواتر حين يوجد المثير المنفر، فإن الجري بعيداً إستجابة تتعزز سلبياً.
ما المعزز الشرطي؟ A conditioned Reinforcer
أن المعزز الشرطي مثير حيادي يكتسب خصائص المعزز من خلال عملية إقترانه به.
ما الإنطفاء: Extinction
إنة عملية تناقص تكرار إستجابة عند سحب جميع المعززات الممكنة لتلك الإستجابة.
ما العقاب؟ Punishment
إن العقاب مثيرمنفر يستخدم عقب حدوث السلوك مما يؤدي إلى نقص في تكراره.
ما المقصود بتطويع السلوك ؟ Shaping
تطويع السلوك أو تشكليله هو تعزيز الإستجابات التي تقترب من الإستجابة النهائية المرغوبة.
ما المقصود بالخط القاعدي؟ Baseline
لقد ناقشنا هذا من قبل عند الحديث عما يتطلبه تغيير معدلات السلوك من خطوات. والخط القاعدي، أو المعدل القاعدي هو حدوث سلوك معين بتكرار معين في ظل ظروف بيئية عادية، أي قبل أن تغير أي نتائج للسلوك.
ما المقصود بشرط التعزيز ؟ Reinforcement contingency
إنه الحالة أو الشرط المطلوب حدوثه لكي يحدث التعزيز أو العقاب وعلي سبيل المثال قد يتلقي طفل ثناء إذا إلتقط لعبة. فالتعزيز بالثناء مشروط بحدوث سلوك معين وهو التقاط اللعب.
والآن لتنتقل إلى التطبيق والتمرين العملي:
الخبـــرة:
إن الهدف الرئيسي لهذه الخبرة أن يلم الطالب بظاهرة شائعة في مجال التعلم وأن يتعرف علي متغيراتها. وتتطلب هذه الخبرة لكي تكون واقعية تماماً أناسا حقيقين وحجرات دراسة ومعلمين وتلاميذ . ولكننا لن نستطيع ذلك هنا وسوف نستخدم إستراتيجية مختلفة، ويرجع ذلك إلى أن تطويع السلوك أو تشكيله يتطلب أن يكون الطالب في مركز السلطة والمسئولية وأن من حقه أن يغير سلوك شخص آخر ولا يستطيع أن يعطي هذا الحق لكل طالب ومن هنا فإننا لا نستطيع أن نقترح علي الطالب أن يعود إلى البيئة المدرسية أو الأسرية ويبدأ في تغيير سلوك من حوله من الناس.
ولكننا نستطيع أن نستخدم أسلوباً وجد فيه كثير من أصحاب نظريات التعليم التطبيقية فائدة ونجحاً، وهذا الأسلوب هو أسلوب التمثيل.
وإذا كان الطالب لا يستطيع أن يمارس تشكيل السلوك في مواقف حقيقية فإنه قد يلجأ إلى موقف له خصائص الموقف الحقيقي أي أنه يمثل الواقع وذلك لأننا نسلم بأن الطالب لا يستطيع أن يقوم بتشكيل السلوك في حجرة دراسة حقيقية ومن هنا فليمارس ذلك في حجرة دراسة مصطنعة في مثل هذه الحجرة يلعب التلاميذ أدواراً معينة أي يمثلون هذه الأدوار. ويتم ذلك بوصف التلاميذ وتحديد خصائصهم كتابة، وعلي الطالب أن يحاول تشكيل سلوك هؤلاء التلاميذ من الوصف المكتوب عنهم. وسوف نصف لك أحد فصول في المدرسة ( أ ) ونتحدث عن تلميذ في هذا الفصل ولنسمه جابر وعليك أن تضع إستراتيجية لتشكيل السلوك تصلح لهذا التلميذ.
ما هي إمكانيات هذه المدرسة؟
هذه مدرسة لتعليم المعوقين من التلاميذ وقد تم تشخيص تلاميذها وإتضح أن لديهم نواحي قصور ونقصاً في المستوي الأساسي للمهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والرياضيات. والمواد التعليمية لهذه المهارات متوافرة في حجرات صغيرة مجاورة لحجرة الأنشطة الرئيسية . وقد فحصت هذه المواد وإتضح أنها مناسبة للتلاميذ الذين يلحقون بهذه المدرسة.
إلتحق زيد بهذه المدرسة وهو لا يستطيع أن يقرأ ولا أن يكتب حتي حروف الهجاء ولا يستطيع أن يعد. وقد قضي حوالي 60% من كل حصة عند النقطة س ، و 40% عند النقطة ص ولا يوجد عند هاتين النقطتين مكاتب ولا مقاعد ، وهو يتحرك من النقطة س إلى النقطة ص وبالعكس مرة واحد كل عشر دقائق. وواضح أن معدل إستجابته في الرياضيات والقراءة والكتابة صفر (أي أنه ينبغي أن يدخل حجرة من الحجرات الثلاث المجاورة لحجرة الأنشطة الرئيسية ليتعرض لهذه المواد).
وقد صممت المواد الموجودة في حجرات المهارات الأساسية بحيث يصدر التلميذ إستجابات بسيطة وصغيرة ويمكن للمعلم أن يلاحظ هذه الإستجابات ويعززها.
وسوف تستخدم قطع صغيرة من الحلوي كمعززات لزيد، لأن الثناء عليه وتشجيع المعلم وإهتمامه به ثبت عدم صلاحيته كمعزرات في الماضي. ويبدو أن زيد يتجاهل المعلم في جميع الأوقات، وأنه لا يستمع لتوجيهاته. وهو بالتأكيد لا يتبعها.

أهداف الخبرة:
علي الطالب أن يقوم بالأعمال الآتية:
1- وصف عملية تشكيل السلوك التي سوف يستخدمها لكي يجتذب زيد من حجرة الأنشطة الرئيسية إلى حجرة المهارات الأساسية.
2- وصف عملية تشكيل السلوك التي سوف يستخدمها لزيادة معدل إستجابة زيد لمواد المهارات الأساسية.
3- وصف عملية تشكيل السلوك التي سوف يستخدمها ليجتذب زيد من حجرة من حجرات المهارات الأساسية إلى حجرة أخري والتي سوف تحفزه علي العمل.
4- وصف الخطوات التي تؤدي إلى أن يتحول المعلم ليصبح مصدراً لتوزيع المعززات الشرطية.
5- بعد أن تنتهي من الأعمال السابق ضع من عندك مواداً إفتراضية تبين معدلات إستجابة زيد للأنشطة المختلفة وضعها في رسم بياني.
إجراءات تكفل تحقيق أهداف الخبرة:
1- حدد التقاربات السلوكية الفردية لتشكيل سلوك زيد وتطويعه لينتقل من حجرة الأنشطة الرئيسية إلى حجرة المهارات الأساسية وضعها في قائمة. ثم حدد المعززات التي سوف تستخدمها وأوقات إستخدامها.
2- حدد التقاربات الضرورية لإحداث زيادة في معدل الإستجابة إزاء المواد التعليمية وضعها في قائمة. ثم حدد المعززات التي سوف نستخدمها وأوقات إستخدامها.
3- حدد التقاربات التي سوف تعززها لكي تجتذب زيد من حجرة من حجرات المهارات الأساسية إلى حجرة أخري وضعها في قائمة. ثم حدد المعززات المستخدم ومتي تستخدم.
4- حدد المعززات الشرطية التي تريد أن تنشئها وحدد الخطوات التي تتبعها وضعها في قائمة.
5- نسق بين مراحل تطويع السلوك التي سبق ذكرها في (1)، (2)، (3)، (4) ثم جهز بعض البيانات الإفتراضية لتضعها في الرسم البياني.
6- جهز وصفاً مكتوباً للأفعال التي تمت في 1، 2، 3، 4، فيما سبق.
7- راجع كتابة تقرير هذه الوحدة.

.................................................. ......






الفصل الثانى
التعلم :
(1) أهمية التعلم في حياة الفرد – وفي تشكيل سلوكه.. وفي تكوين شخصيته:
إذا تأملنا حياة الفرد، نجد أن التعلم يشكل مكاناً هاماً فيها علي نحو مستمر عبر مراحل العمر المختلفة. فالطفل يولد مزوداً بعدد قليل من الأفعال المنعكسة كالمص والبلع أثناء الرضاعة، والبكاء، وحركات اليدين والقدمين، وعمليات الإخراج. وهذه الأفعال فطرية موروثة وليست مكتسبة. ولكن لا يلبث الطفل أن يتعلم كثيراً من الحركات وأنواع السلوك البسيط منه والمركب عبر مراحل عمره التالية. فيتعلم اللغة والعادات والميول والإتجاهات والمهارات، والفنون والحرف والعلوم المختلفة. وهو يتعلم كل ذلك من والديه وأقاربه وزملائه ومدرسيه. وهو لا يتعلم فقط الأشياء الصحيحة أو المرغوب فيها، ولكنه قد يتعلم أيضاً العادات السيئة التي يرفضها المجتمع. بل أن كل ما يتعلمه لا يكون بالضرورة إرادياً، فقد يتعلم الطفل من سلوك المدرس جوانب مختلفة، قد لا يشعر بها الطفل ولا حتي المدرس نفسه في بعض الأحيان كما أنه يتعلم من كتبه ومن أقرانه الموجودين معه في حجرة الدراسة، بل أنه يتعلم حتي من التنظيم الفيزيقي للمدرسة.
وقد يتم المرء كثيراً من العادات والسمات والإتجاهات دون حيلة له في ذلك، فقد تكون الظروف الإجتماعية المحيطة ببعض الأفراد، سبباً في تعلمهم الكثير من الصفات غير المرغوبة.
كذلك لا تشتمل عملية التعلم بالضرورة علي فعل واضح، فنحن نتعلم بعض الإتجاهات والإنفعالات بالإضافة إلى تعلمنا المعلومات والمهارات.
نخلص من هذا كله إلي أن التعلم له خصائص متميزة تجعله يمارس دوراً رئيسياً وفعالاً في تشكيل سلوك الفرد وتكوين شخصيته، الأمر الذي يعكس أهمية دراسة طبيعة التعلم والوقوف علي المبادئ المفسرة له.
ونظراً لهذه الأهمية الكبري للتعلم في حياة الفرد، فقد عني علماء النفس عناية كبيرة بدراسة عملية التعلم دراسة علمية تجريبية. وأدت بحوثهم إلى إكتشاف أهم مبادئ التعلم. وجدير بالذكر أن عملية التعلم ليست بالعملية البسيطة التي يمكن الوقوف علي عناصرها المختلفة- بسهولة – ففي مواقف تتدخل عناصر متعددة ومتنوعة تكون محصلتها العديد من الخبرات التي سبق أن أشرنا إليها من معلومات ومهارات وإتجاهات.. إلخ.
وهنا تكمن مهمة عالم النفس، حيث يكون عليه تحليل هذا السلوك المعقد إلى عناصره الرئيسية حتي يتسني له تفسير عملية التعلم وإكتشاف أهم مبادئه أو قوانينه. ولكي يقوم بهذه المهمة، يحاول من خلال دراساته المعملية أن يتناول بعض المتغيرات المعينة بالتجريب، ويبقي علي بعضها الآخر ثابتاً، ويحاول أن يقيس التغيرات التي تطرأ علي السلوك موضع الدراسة. وبإختصار، يحاول الباحث في هذه الدراسة المعملية أن يقدم صورة نقية لمواقف تعلم معينة كما توجد في مجالات الحياة اليومية خارج المعمل. وهدفه من هذا هو دراسة العناصر الأساسية للتعلم اليومي من أجل مزيد من الفهم لما نعنيه بمفهوم التعلم. وهو في منهجه هذا يناظر ما يجري في مجالات أخري من العلم، حيث تحلل المواد الكيميائية المركبة إلى عناصرها الأساسية كما أنه يماثل منهج العالم الذي يدرس سرعة الجسم المتساقط، وإعتباره دالة لبعد المسافة التي سقط منها، بغض النظر عما إذا كان هذا الجسم هو جسم شخص، أو قنبلة هيدروجينية أو أي مادة أخري.
ولا شك أن هذه الدراسة العلمية المنظمة للتعلم، فضلا عن كونها المسلك الرئيسي لتفسير نشأة السلوك وتكوين الشخصية، فإنها تؤدي دوراً هاماً وخطيراً في كثير من الميادين التطبيقية الهامة. ففي ميدان التربية ، نجد الإهتمام موجهاً من قبل العاملين فيه نحو العملية التربوية، وهي العملية التي تقوم علي إكساب النشئ المعلومات، وتنمية المهارات لديهم، وتمثلهم المعايير والقيم. ولا شك أن إزدياد فهم القائمين ببحث هذه العملية التربوية، للتعلم وطبيعته يؤدي إلى رفع كفاءتها، وتجنب المخاطر والإنحرافات التي قد تتخلف عنها.
وفي ميدان الصناعة، يمكن الإستفادة من بحوث التعلم في مجال التدريب المهني للعمال، وإكسابهم مهارات العمل وعاداته السليمة، وخفض إصابات العمل الناتجة عن التعلم القاصر للمهارات. كما يمكن الإستفادة من بحوث التعلم الخاصة بأثر الحوافز علي معدل الأداء ودقته في رفع كفاءة العاملين وتقليل السلبيات.
أما في ميدان الإضطرابات النفسية والعصبية، فيمكن الإستفادة من نظريات التعلم ومفاهيمه في تفسير نشأة الكثير من الإضطرابات والعادات السلوكية اللاتوافقية. وبالتالي يؤدي هذا الفهم دوراً هاماً لمساعدة الفريق العلاجي، علي القيام بالتشخيص الأقرب إلى الدقة، وأيضاً في تفسير أسباب الكثير من الإضطرابات السلوكية. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخري فإن كثيراً من أساليب العلاج السلوكي تنظر إلى الإضطرابات السلوكية علي أنها عادات خاطئة إكتسبها الفرد في ظل ظروف معينة، ومن ثم فإن تغيير هذه العادات الخاطئة أو الأساليب السلوكية اللاتوافقية، وإحلال العادات الصحيحة أو الأساليب التوافقية محلها من خلال أساليب العلاج السلوكي، يعتمد إعتماداً كبيراً علي مبادئ وقوانين التعلم.
(2) تعريف التعلم:
علي الرغم من أننا لا نجد إجماعاً بين باحثي التعلم حول تعريف بعينه، فإننا نلمس إتفاقاً واضحاً بينهم – فيما أوردوه من تعريفات- علي ما ينبغي أن يضمن في التعلم من ظواهر أو ما يستبعد منه. ولكي نقف علي هذه الظواهر، نسوق أحد هذه التعريفات.
يعرف هيلجارد (Hilgard, 1977) التعلم بأنه "العملية التي بمقتضاها ينشأ أحد الأنشطة أو بتغير، من خلال الإستجابة لموقف مواجهة، بشرط ألا ترجع خصائص هذا التغير إلى عوامل فطرية، أو عوامل النضج، أو إلي حالات عارضة يتعرض لها الكائن الحي مثل التعب أو العقاقير أو المرض.. إلخ".
وأهم خصائص التعلم وفقاً لهذا التعريف، أنه يظهر في شكل تغير في السلوك أو نشأة سلوك جديد لم يكن موجوداً من قبل. والأمثلة علي ذلك كثيرة في مواقف التعلم المختلفة. فمثلاً تعلم ركوب الدراجة، وإكتساب مفردات اللغة وحفظ قصيدة من الشعر، كلها مظاهر لنشأة أنواع جديدة من السلوك لم تكن موجودة لدي المتعلم. وهناك أشكال أخري من السلوك يتعلمها الفرد، وإن كان هذا التعلم ليس شديد الوضوح ونعني بها الإتجاهات الإجتماعية نحو الأشياء أو الأفراد أو الأحداث، والميول والمثل العليا، والمهارات المتضمنة في التفاعل الإجتماعي. ومنها أيضاً أنواع من السلوك الذي يتعلمه الفرد دون أن يكون مفيداً له مثل العادات السيئة والمخاوف المرضية. هذه الأشكال يظهر فيها التعلم علي هيئة تغيرات تدريجية في سلوك الأفراد، لا تتسم عند حدوثها بالوضوح الشديد، كما هو الحال في الأمثلة الأخري التي سبق أن أشرنا إليها (تعلم مفردات اللغة، أو ركوب الدراجة).
أما الخاصية الثانية للتعلم فهي أنه يحدث من خلال الإستجابة لموقف معين، أي إستجابة المتعلم لموقف يمر به، وهذا الموقف يتضمن شيئاً أو شخصاً أو حدثاً معيناً، مما يمثل نوعاً من التنبيه الذي يستجيب له المتعلم تحت شروط معينة، فيحدث التعلم. فقد يتضمن موقف التعلم نموذجاً لأحد الأشخاص كمدرس الفصل، أو الأب أو أي شخص آخر فيكتسب منه بعض الخصال الشخصية أو العادات أو طرق التفكير، وقد يواجه الشخص مواقف يعتاد أن يخبر فيها الأشياء موضوعة في نظام معين وترتيب جذاب، فيكسبه هذا ميلا للنظام والترتيب، وربما يواجه أحداثاً معينة تكسبه إتجاهات عدائية أو تعصبية، أو إتجاهات تتسم بالتعاطف نحو الآخرين.
وإذا كانت الأمثلة السابقة كلها توضح لنا أن التعلم هو تغير في السلوك ، فإن هذا لا يعني أنه يشمل كل أنواع التغيرات التي تطرأ علي السلوك. فهناك أنواع أخري من التغيرات التي تنتمي لعوامل فطرية معينة، إذ أن هناك أشكالاً من السلوك تظهر لدي بعض الكائنات الحية بشكل فطري، ولا دخل للتعلم فيها. مثل إستجابة المص أو البلع لدي الطفل الرضيع، أو بناء الطيور لأعشاشها، أو إندفاع الفراش نحو شعلة مضيئة. ومثل الأفعال المنعكسة الطبيعية لدي الإنسان من قبيل رمشة العين أو ثني الركبة وتحريك الساق لأعلي عند الخبط علي الركبة. ومع هذا فبعض هذه الأشكال السلوكية الفطرية قد تتأثر بفرض التعلم التي يمر بها الكائن.
ومن ظواهر التغير الأخري التي تخرج عن مفهوم التعلم، التغيرات التي ترجع إلى عوامل النضج، فمثلاً الطائر الصغير يبدأ في الطيران عندما يصل إلى مرحلة معينة من النضج، والطفل يبدأ في الكلام، أو إتيان بعض الأداءات الحركية عندما يتم نضج مجموعة الأعصاب والعضلات المسئولة عن إصدار المهارات. كل هذه التغيرات لا دخل للتعلم فيها، ومع هذا فهناك أنواع من التغيرات ترجع إلى التفاعل الذي يتم بين التعلم والنضوج. فصحيح أن الطفل يبدأ في الكلام عند وصوله للنضج اللازم، إلا أن إرتقاء هذه المهارة يتوقف علي فرص التعلم والإكتساب التي تتاح له فيما بعد.
وثمة تغيرات أخري يمكن أن تطرأ علي السلوك، ولكنها ترجع إلى عوامل مؤقتة أو طارئة مثل تناول عقاقير معينة، أو التعرض للإجهاد أو التعب، أو الإصابة بمرض معين. مثل هذه التغيرات لا تدخل في إطار التعلم.
من كل ما سبق يتضح لنا أن ما يميز التعلم هو أنه تغيرات تطرأ أو تستجد علي السلوك، وأنه يحدث كإستجابة لموقف مواجهة. أما ما يخرج عن إطار التعلم، فهو التغيرات الناشئة عن عوامل النضوج والفطرة والوراثة أو الناتجة عن التعب أو المرض أو تناول العقاقير… إلخ.
(3) الدراسة السيكولوجية للتعلم:
نظراً لأن القابلية للتكيف للظروف المتغيرة، تعد من أهم خصائص السلوك الإنساني. ونظراً لما للتعلم من أهمية بالغة وشمولية تمتد إلى معظم المواقف وإلي معظم أنماط السلوك- (لاحظ أنك تعتمد في معظم ما تقوم به من تصرفات خلال كل يوم من أيام حياتنا علي ما سبق لك أن تعلمته، بل أن ما يحيط به من بيئة إجتماعية إنما يعتمد علي ما تعلمه الآخرون)- فقد تطلب الأمر دراسة التعلم بطرق متعددة. فمثلاً حاول البعض بحث أساليب إكتساب الأفراد للمهارات النوعية، وقام بعض خبراء التربية والتعلم بإختبار فعالية طرق التدريس لموضوعات معينة، ويسعى معلمو الألعاب الرياضية إلى التوصل إلى طرق للتدريب أكثر فعالية، مما حقق أرقاماً قياسية أثارت الدهشة في مختلف المسابقات والمباريات الرياضية.
علي أن علماء النفس يبحثون التعلم من منظور مختلف (عن الإهتمام بالمهارات النوعية من منطلقات عملية تطبيقية في مختلف المجالات)، إنهم يهتمون بعملية التعلم في ذاتها، ويسعون إلي إكتشاف مبادئها وقوانينها، وهذه القوانين تعد أساساً لأي برنامج فعال في التدريب أو التربية أو إكتساب الخبرة.
ويقوم الباحثون في مجال التعلم بدراسة التعلم في أبسط صورة، علي أساس الإعتقاد، فإن مبادئ التعلم تنطبق غالباً علي كل مواقف التعلم.
وقد بذلت جهود عديدة في مجال إكتشاف مبادئ التعلم وقوانينه ونتج عن هذا عدد من الإطارات النظرية التي حاولت تفسير التعلم. ومعظم هذه الإطارات النظرية يكمل بعضها البعض، لأن بعض عمليات التعلم التي لا تفسرها إحدي النظريات تحاول النظرية الأخري تفسيرها.
وسوف نعرض فيما يلي لثلاثة إطارات نظرية لتفسير التعلم، هي:
1- المنحي السلوكي الترابطي، الذي يقوم علي تفسير الإرتباط بين منبهات محددة، وإستجابات بعينها.
2- المنحي المعرفي :الذي يعطي إهتماماً كبيراً للعمليات المعرفية مثل الفهم والإستبصار، عند تفسير التعلم.
3- منحي التعلم الإجتماعي: الذي يفسر التعلم من خلال نموذجي اجتماعي أو من خلال المحاكاة، أو التعلم من خلال خبرة ، الذي يتم من خلال دعم ذاتي بدلا من الدعم الخارجي.
1- المنحي السلوكي:
(أ) نظرية الإرتباط الشرطي الكلاسيكي:
سجل بافلوف عالم الفسيولوجيا الروسي (1849-1936) ، في نهاية القرن التاسع عشر نتائج تجاربه في التشريط، التي أصبحت تعرف بإسم "التشريط الكلاسيكي أو تشريط بافلوف أو تشريط الإستجابة موقفاً تجريبياً صممه بافلوف وفيه كلب جائع، أخذ إلى حجرة معزولة الصوت، ووضع علي منضدة، مع ربطه رباطاً مريحاً يمنعه من التحرك، ثم قام بعمل فتحة في خد الكلب وأدخل أنبوبة في هذه الفتحة وأوصلها بإحدي الغدد اللعابية، بحيث إذا سال لعاب الكلب، سال اللعاب من هذه الغدة إلى الأنبوبة، حيث يتجمع في أنبوبة إختبار مدرجة، ومن ثم يمكن للمجرب أن يتحقق من أن لعاب الكلب قد سال، مع معرفة كمية هذا اللعاب.
الشكل رقم (1)
يوضع كلب بافلوف ، حيث تم توصيل أنبوبة بالغد اللعابية، لتجميع أي مقدار من اللعاب تفرزه هذه الغدة.
ويتم تسجيل عدد قطرات اللعاب علي أسطوانة دائرية.
ويقوم المجرب بمشاهدة الكلب من خلال مرآه تسمح بالرؤية في إتجاه واحد ( من المجرب فقط).
ويقدم الطعام للكلب من خلال تحكم من بعد، وذلك حتي لا يحدث أي تشتيت للكلب، بشئ أخر غير الطعام الذي يقدم له، وأي تنبيه آخر يري المجرب أن يتعرض الكلب له.
وقبل البدء في إجراءات التشريط ، ينبغي القيام ببعض الإختبار المبدئي. فأولا ينبغي أن يقدم تنبيه، مثل صدور صوت معين، أو نفخه صوتية مسموعة في ضوء مصباح ويلتفت الكلب عادة نحو هذا الصوت ، إلا أنه يسيل لعابه. فإذا مر علي مرأي منه بعض مسحوق اللحم – الذي كان قد إعتاد عليه ، فإن الكلب عندئذ سيسيل لعابه. ويعبر علماء النفس عن هذه العلاقة في الشكل رقم ( 1 )
تنبيه 1 ( صوت ) ← إستجابة (توجه)
تنبيه 2 ( طعام ) ← إستجابة (لعاب)
فالصوت يستثير إستجابة الإلتفات نحوه، إلا أنه لا يستثير اللعاب كما يفعل الطعام. أي أن "التنبيه 1" (الصوت¬) لا يرتبط بإستجابة اللعاب علي حين التنبيه " 2 " (الطعام) هو الذي يرتبط بإستجابة اللعاب. بعد ذلك يبدأ الجانب الرئيسي في إجراء التشريط الكلاسيكي : يبدأ الصوت، وبعد جزء من الثانية، يقدم الطعام للكلب، وبعد أن تتكرر المزاوجة بين ك من الصوت وتقديم الطعام عدداً من المرات يتراوح بين 10 ، 20 مرة، فإن مجرد صدور الصوت منفرداً ، سيستثير الإستجابة اللعابية.
فالصوت الذي كان يفتقد إلى قوة إستثارة الإستجابة اللعابية، يمكنه، بعد هذه المزاوجة بينه وبين الطعام، أن يستثيرها، لهذا يضاف في الشكل السابق خط متقطع بين الصوت والإستجابة اللعابية، لكي يعبر عن الترابط الجديد الذي تكون (أنظر الشكر رقم (2) التالي:
تنبيه (صوت) 1 إستجابة (التفات)
تنبيه ( طعام ) 1 إستجابة (لعاب)
وعندئذ يطلق مصطلح إستجابة غير شرطية علي الإستجابة اللعابية للطعام، لأنها تحدث قبل أن تبدأ إجراءات التشريط، ويطلق مصطلح تنبيه غير شرطي علي الطعام.
علي حين يطلق إسم التنبيه الشرطي في هذه الحالة علي الصوت الذي يرتبط إرتباطاً شرطياً ويطلق إسم الإستجابة الشرطية علي الإستجابة اللعابية التي يستثيرها التنبيه الشرطي (الصوت).
ويطلق إسم المحاولة علي كل مزاوجة بين التنبيه الشرطي والتنبيه غير الشرطي أي أن المحاولة عبارة عن التعرض لموقف التنبيه لمرة واحدة. تبدأ عندما يعرض كل من اصوت والطعام، وتنتهي عند إختفاء هذين التنبيهين. ويطلق إسم مرحلة الإكتساب للتشريط الكلاسيكي، علي الفترة التي يتعلم فيها (الكلب) الكائن الحي، الترابط الجديد بين التنبيه الشرطي والإستجابة الشرطية.
ويطلق علي عملي تقديم المنبه غير الشرطي الذي يعقب المنبه الشرطي، ويقوي ميل التنبيه الشرطي إلى إستثارة الإستجابة الشرطية إسم "الدعم" 0
ولقد أجري علماء النفس الكثير من تجارب الإرتباط الشرطي علي نسق تجارب بافلوف ، وإستخدموا فيها كائنات حية كثيرة غير الكلاب، كما أجروا كثيراً من التجارب أيضاً علي الإنسان، وقاموا بدراسة إستجابات شرطية أخري أكثر تعقيداً من إفراز اللعاب. ونذكر من هذه التجارب نموذجاً لإحداهما فيما يلي :
في إحدي الدراسات تم تعليم الفئران بطريقة الإرتباط الشرطي الكلاسيكي الإرجاع المرتبطة بالأنسولين والمعروف أن الأنسولين ، هرمون يعمل علي التحكم في مستوي السكر بالدم. وهو يستخدم عادة في علاج مرضي السكر. وتؤدي الجرعات الزائدة من الأنسولين إلى أرجاع فسيولوجية شديدة تعرف بصدمة الأنسولين وهي تكون مصحوبة بفقدان الوعي. وفي التجربة تم تعريض الفئران لضوء مبهر، وتم في نفس الوقت حقنهم بجرعة مفرطة من الأنسولين. وهنا عمل كل من الضوء المبهر وإبرة الحقن كمنبهات شرطية. أما الحقن بالأنسولين الذي يحدث الصدمة فكان يمثل المنبه غير الشرطي وبعد عدة مرات تصاحب المنبه الشرطي بالمنبه غير الشرطي، تم إبدال الأنسولين بمحلول ملحي ( والذي لا يحدث تأثيرات فسيولوجية) وقد لوحظ أن الفئران كشفت بعد حقنها بمحلول الملح عن صدمة تشبه إلي حد كبير الصدمة التي يحدثها لديهم الأنسولين. هنا نستطيع أن نقول أن أرجاع الصدمة أصبحت إستجابة متعلمة وفقاً لهذه التجربة 0
في هذه التجربة نلاحظ أن الإستجابة الشرطية لم تكن إستجابة واحدة يمكن قياسها بسهولة كما هو الحال بالنسبة للعاب في التجربة السابقة. ولكن الإستجابة كانت تتمثل في نمط معقد الإستجابات الفسيولوجية والعضلية، وهي التي تكون أرجاع صدمة الأنسولين.
وقد أشارت التجارب المعملية في التشريط الكلاسيكي علي كل من الإنسان والحيوان أن التعلم وفقاً لهذا النوع من التشريط ، يعطي نتائج أفضل عندما يحدث المنبه الشرطي سابقاً للمنبه غير الشرطي بفترة زمنية تقدر بنصف ثانية، أما لوزادت هذه الفترة الزمنية الفاصلة عن نصف ثانية، فإن التعلم يصبح أضعف بالتدريج ، بإزدياد طول الفترة الزمنية الفاصلة بين تقديم المنبهين – هذا وإن كانت هناك بعض الإستثناءات التي تعتمد علي طبيعة كل من المنبهين 0
والواقع أن كثيراً من عاداتنا تتكون بهذه الطريقة. فالخوف مثلاً يكون فطرياً في الطفل الرضيع. إلا أنه يكون محصوراً في أشياء محدودة مثل الصوت الشديد أو السقوط أو فقدان السند، وعن طريق التشريط يتعلم الطفل الخوف من أشياء أخري كثيرة لم تكن تثير خوفه من قبل. ففي تجربة أجراها عالم النفس الأمريكي واطسون Watson ، كان يقدم فيها إلى الطفل فأراً أبيضاً، فلم يخف الطفل منه، وهم بمد يده ليمر بها عليه، وفي نفس اللحظة التي مد بها الطفل يده نحو الفأر ، قرع المجرب قطعة من الحديد، فدوي صوت شديد، أنزعج منه الطفل، فرد يده في الحال بعيداً عن الفأر. وبتكرار تلك العملية عدة مرات، تعلم الطفل الخوف من الفأر، ولم يكن الطفل قبل حدوث التجربة يخاف منه. ولكن الإرتباط الذي حدث بين رؤية الفأر والخوف الذي أثاره الصوت الشديد المفاجئ، أضفي علي الفأر خاصية جديدة لم تكن لديه من قبل ، وهي القدرة علي إثارة الخوف، وبمثل هذه الطريقة ، يتعلم الطفل كثيراً من مخاوفه – إن أكثر مخاوف الكبار التي تبدو لبعض الناس أموراً لا مبرر لها إنما تكتسب بهذه الطريقة. ومن أمثلة ذلك الخوف من الوجود في الأماكن المرتفعة أو من البحر أو من الوجود في الأماكن المغلقة، أو من بعض الحيوانات الأليفة. وعلي هذا الأساس أيضاً يمكن تفسير ما نشعر به من مشاعر وإنفعالات مختلفة. فسماعنا لإحدي المقطوعات الموسيقية أو تأملنا للوحة فنية أو قراءتنا لقصيدة من الشعر مثلا من الممكن ألا يثير لدينا إنفعالات واضحة، إذا مررنا بإحدي هذه الخبرات في مواقف عادية. ولكن عندما تتصاحب هذه الخبرات بمتغيرات لها مكانة خاصة عند الفرد ، كأن ترتبط بمكان أو شخص أو حدث له تأثير إنفعالي معين، فإن هذه الموسيقي أو اللوحة أو القصيدة سوف تكتسب هي الأخري فيما بعد عندما يخبرها الفرد بمفردها خاصية إستثارة نفس الإستجابة الإنفعالية المرتبطة أصلاً بالمتغيرات ذات المكانة الخاصة في حياة الفرد.
المبادئ العامة للتشريط الكلاسيكي:
توصل بافلوف وتلاميذه من تجاربهم الشرطية إلى مجموعة من المبادئ العامة وقد وقفت هذه المبادئ كأبعاد أساسية لظاهرة التشريط الكلاسيكي، وفيما يلي توضيح لهذه المبادئ.
1-التكـــــرار:
إن تكرار المصاحبة بين المنبه الشرطي ، والمنبه غير الشرطي يؤدي إلى تقوية الإرتباط بين المنبه اشرطي والإستجابة الشرطية، فبتكرار المصاحبة بين صوت الجرس والطعام ، يقوي الإرتباط بين صوت الجرس وإفراز اللعاب. وبالرغم من أهمية التكرار في التشريط ، فإن من الممكن مع هذا أن يحدث التشريط من مرة واحدة فقط، فالطفل لا يحتاج عادة إلى الإحتراق من لهب الشمعة عدة مرات لكي يتعلم الإبتعاد عن النار.
2- الخمود التجريبي :
عندما يتوقف التدعيم أي يقوم المنبه اشرطي (الجرس) فقط غير مصحوب بالمنبه غير الشرطي (الطعام) فإن الإستجابة الشرطية تتضاءل تدريجياً وتختفي وقد سمي بافلوف هذه الظاهرة بالخمود التجريبي.
قدم بافلوف بيانات كشفت عنها تجاربة توضح أن مسار تكوين الفعل المنعكس الشرطي يأخذ شكل حرف (S) حيث إن معدل تكوين الفعل المنعكس الشرطي يبدأ بطيئاً في البداية حيث لا تكون هناك إستجابات شرطية علي الإطلاق في بداية التجربة ثم نلاحظ بعد هذه البداية البطيئة تزايداً سريعاً، يليه تناقص في معدل زيادة صدور الإستجابة الشرطية.
يتضح من هذا أن الإستجابة الشرطية لا تظل محتفظة بقوتها بإستمرار، بل هي عرضة للضعف والزوال إذا إمتنع التصاحب بين المنبه الشرطي ( الجرس) والمنبه غير الشرطي (الطعام)، فتقديم الطعام يعمل علي تدعيم الإستجابة الشرطية، وإنقطاع الطعام يؤدي إلى ضعفها ثم خمودها. ومن تجارب الخمود توصل بافلوف إلى أهمية الدعم 0
3- الدعم أو التعزيز :
لماذا يكتسب أحد الكائنات الحية إستجابة شرطية؟
لماذا تختفي الإستجابة الشرطية عندما يتكرر إختفاء المنبه غير الشرطي؟
للإجابة علي هذين السؤالين، يوجه علماء النفس إنتباهنا إلى مبدأ نظري أطلقوا عليه إسم "الدعم أو التعزيز" ، وهو يعني أن بعض الأحداث يمكن أن تقوي ميل التنبيه الشرطية ، وغياب هذه الأحداث- أي غياب الدعم – يضعف الميل. وهكذا فإن الدعم بنبغي أن يعتمد عليه علي التنبيه غير الشرطي 0
فالدعم إذن ضروري لتكوين الإستجابة الشرطية. ويقوم الطعام في تجربة بافلوف بدور المدعم. وقد إتضحت من هذه التجارب أهمية الدعم في عملية التعلم فالكائن الحي يمكن أن يتعلم إستجابات جديدة إذا دعمت هذه الإستجابات علي نحو ما.
4- العودة التلقائية :
إن الخمود لا يؤدي في الواقع إلى زوال الإستجابة الشرطية نهائياً، فعقب فترة من الراحة لا يتخللها أي تكرار لعملية التدعيم الشرطي (الطعام)، تعود الإستجابة الشرطية ( سيلان اللعاب) للظهور بمجرد ظهور المنبه الشرطي. وهذا ما يسمي بالعودة التلقائية. وهنا يمكن قياس قوة الإستجابة الشرطية أو قوة الإرتباط الشرطي كميا بإستخدام مجموعة من المؤشرات التجريبية تذكرها فيما يلي:
( أ ) سعة الإستجابة : مثل كمية اللعاب التي يفرزها الكلب رداً علي المنبه الشرطي، ومثل مدي الحركة العضلية… إلخ.
(ب) كمون الإستجابة : وهي سرعة صدور الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي أو هي الوقت الذي ينقضي بين عرض المنبه الشرطي، وصدور الإستجابة الشرطية.
(جـ)نسبة إحتمال صدور الإستجابة الشرطية: وهي النسبة المئوية للمحاولات التي تظهر فيها الإستجابة الشرطية. ومن المعروف أن الإستجابات الشرطية لا تصدر بالضرورة في كل مرة يقدم فيها المنبه الشرطي حتي تتكون الرابطة الشرطية.
( د ) مقاومة الإنطفاء التجريبي: والإنطفاء هنا يشار إليه بأنه تناقص في قوة الإستجابة ( كمية اللعاب) في ظل عدم التدعيم.
(هـ) عدد المحاولات اللازمة لحدوث الرابطة الشرطية: مثل عدد مرات التدعيم اللازمة قبل صدور الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي وحده.
5- التعميم :
تكشف تجارب بافلوف التي أجراها عن ظاهرة هامة هي التعميم، وهي تتحدد في ميل الإستجابة الشرطية التي تصدر رداً علي منبه معين، للصدور أيضاً علي منبهات أخري مماثلة، فإفراز اللعاب لصوت جرس ذي رنين معين يمكن أن يحدث أيضاً رداً علي صوت جرس آخر ذي رنين مختلف، وإذا إرتبط إنفعال الخوف عند طفل معين بالفأر، فإن بعض الحيوانات الأخري الشبيهة بالفأر مثل القطط والكلاب قد تثير خوف الطفل وكلما إزداد الشبه بين المنبه الجديد والمنبه الشرطي، كانت الإستجابة الشرطية للمنبه الجديد أقوي. وتسمي هذه الظاهرة بالتعميم. وعلي ضوء مبدأ التعميم يمكن تفسير كثير من إستجاباتنا للمواقف الجديدة علي أساس إستجاباتنا التي إكتسبناها من قبل لمواقف أخري مشابهة.
6- التمييز :
ينظر إلى ظاهرة التعميم علي أنها تمثل أحياناً صعوبة في التعلم الشرطي، حيث إن الإستجابة الشرطية تصدر رداً علي منبه شرطي معين، يمكن أن تصدر رداً علي منبهات أخري عارضة ليست بالضرورة متماثلة تماماً مع المنبه الأول. وعلي هذا فإن إستجابة شرطية لمنبه، قد لا يمكن أن تصدر أيضاً رداً علي منبه صوتي.
ومن ثم يبرز الدور المهم لمفهوم آخر هو التمييز، ويعني بالتمييز "العملية التي يمكن أن يتعلم الكائن من خلالها أن يصدر الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي وحده وليس لأي منبه آخر" وقد أوضح بافلوف أنه يمكن تحقيق ذلك عن طريق إستخدام طريقة التضاد، والتي يمكن علي أساسها تقديم المنبه غير الشرطي (التدعيم) بعد المنبه الشرطي فقط، بحيث لا يقدم بعد المنبهات الأخري المختلفة. الأمر الذي يمكن معه بعد فترة معينة – أن يتعلم الكائن التمييز بين المنبهات، وأن يصدر الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي فقط.
7- العلاقات الزمنية بين المنبهات الشرعية وغير الشرطية:
يحدث التشريط عادة، إذا جاء المنبه الشرطي قبل المنبه غير الشرطي بفترة زمنية قصيرة جداً ( في حدود الثانية) فإذا طالت الفترة الزمنية تدريجياً. ضعف التشريط تدريجياً حتي إذا ما زادت الفترة الزمنية بين المنبهين عن حد معين، إمتنع حدوث هذا التشريط . وقد أجريت تجاري عديدة للوقوف علي سرعة الإستجابة الشرطية في ظل التغيرات التي تدخل علي العلاقة الزمنية بين المنبهات الشرطية وغير الشرطية، وقد خرجت هذه التجارب بأشكال للإستجابة الشرطية نذكر منها النموذجين الآتيين:
1- الإستجابة الشرطية المتأنية : حيث يبدأ المنبه الشرطي في الظهور قبل المنبه غير الشرطي بفترة تتراوح بين جزء من الثانية وخمس ثوان، ويستمر هذا المنبه إلى أن يحدث المنبه الثاني. وفي ظل هذا تبدأ الإستجابة الشرطية في الظهور عقب بداية المنبه الشرطي مباشرة.
2- الإستجابة الشرطية المرجأة : حيث يبدأ المنبه الشرطي قبل المنبه غير الشرطي بفترة تتراوح بين خمس ثوان وعدة دقائق ، ويستمر إلي أن يحدث الأخير وعلي الرغم من بدء ظهور الإستجابة الشرطية قبل المنبه غير الشرطي، فإنها تعقب ظهور المنبه الشرطي بفترة إرجاء تتناسب وطول الفترة بين المنبهين – فكلما طالت الفترة بين المنبهين تأخر ظهور الإستجابة الشرطية.
أمثلة للتشريط الكلاسيكي :
يمكن أن يحدث التشريط الكلاسيكي في مواقف عديدة، ولمبحوثين مختلفين ( حيوانات وآدميين) وبأنواع من التنبيه الشرطي شديدة التنوع، ومن أكثر الإجراءات التي إستخدمت في تجارب التسريط بالولايات المتحدة الأمريكية الإستجابة المنعكسة لجفن العين والتي تتمثل في إغلاق العين ( وهي إستجابة غير شرطية) وذلك عند تعريض عين المبحوث لعصفة هواء (كتنبية غير شرطي). ويستخدم عادة ضوء ضعيف كتنبيه شرطي في هذه التجربة وتتم مزاوجة ظهور الضوء وحدوث عصفة الهواء بحيث إنه يعد تكرار هذه المزاوجة عدداً من المرات يصبح الضوء وحده قادراً علي أن يحدث غلق العين.
وقد إستخدام تشريط جفن العين بنجاح مع كل من الكلاب والقردة وعلي أعداد من طلاب الجامعات. وكانت خطوات التشريط متشابهة مع كل المبحوثين سواء أكانوا آدميين أم حيوانات.
ويتم قياس درجة إكتساب السلوك الشرطي عن طريق تقدير نسبة صدور الإستجابة الشرطية في المحاولات المتتابعة.
(ب) الإرتباط الشرطي الفعال (الأدائي أو الوسيلي)
لاحظنا أن نظرية بافلوف في الإرتباط الشرطي الكلاسيكي تري أن محور عملية التعلم هو الربط بين المنبه الشرطي والإستجابة الشرطية. فللمنبهات أهمية كبيرة في إستثارة الإستجابات ، بحيث نجد أن بعض علماء النفس رأوا أنه لا إستجابة بدون منبه. ولكن التجارب العملية العديدة أوضحت أن هناك الكثير من أشكال السلوك تصدر عن الكائن الحي دون أن تكون مرتبطة بمنبه محدود ، وذلك بالطبع إلي جانب السلوك الذي يصدر عن الكائنات الحية مرتبطاً بمنبهات محددة. فنحن نجد الكثير من مظاهر السلوك التلقائي أو العشوائي الذي يصدر عن الكائن نتيجة لحاجاته ودوافعه الداخلية. كما أن كثيراً من السلوك الإرادي يتم تعلمه في ظل وجود دوافع ومكافآت معينة.
وقد أعطي عالم النفس الأمريكي سكينر B.F. Skinner إهتماماً كبيراً لهذا النوع من التشريط الذي أطلق عليه إسم التشريط الفعال أو الإجرائي. ولكن ندرك التعلم عن طريق التشريط الفعال ، نحتاج أولاً أن نميز بين أسماه سكينر بالسلوك المنفعل (أو الإستجابي ) , والسلوك الفعال 0
فالسلوك المنفعل هو إستجابة مباشرة تصدر رداً علي منبه، كما هو الحال في الإستجابات غير الشرطية بالتشريط الكلاسيكي: ومن أمثلتها سيلان اللعاب كإستجابة لتناول الطعام، وإنقباض حدقة العين، كإستجابة لوقوع ضوء عليها.
أما السلوك الفعال، فهذا يصدر عن الكائن، لا كإستجابة لمنبهات خارجية محددة، بل يصدر عنه تلقائياً، ويهدف إلى الحصول علي مكافآت ونتائج معينة من البيئة مثال ذلك ما نلاحظه من إستجابات يمكن أن يقوم بها كلب يترك في حجرة بمفرده، فقد يدور سائراً في الحجرة، وقد يشتم محتوياتها، وربما يلتقط كرة ويقذفها، وهو لا يصدر أيا من هذه الإستجابات رداً علي منبهات معينة، ولكن إستجاباته كلها تبدو تلقائية 0
إن معظم أنواع السلوك الإرادي الذي يصدر عن الكائن الحي هو سلوك فعال. فنحن إما لا نعرف المنبهات التي ترتبط به، أو ربما نجد أنفسنا مسلمين بوجودها فقط من أجل تفسير سلوكنا الملاحظ . ولنفترض أمثلة علي ذلك: فكتابة خطاب أو إدارة مؤشر الراديو، أو قراءة كتاب أو إشعال سيجارة أو الذهاب إلى المسرح كلها إستجابات قابلة للملاحظة، ولكن ما هي المنبهات التي تدفع إلى هذا السلوك أو ذاك؟ الواقع أننا لو حاولنا الإجابة علي هذا السؤال ، سنجد صعوبة بإزاء تحديد منبهات معينة تقوم وراء هذه الإستجابات ومثيلاتها. وربما كان من الأدق أن نقول أن المنبهات المحتمل وجودها أثناء صدور الإستجابة، ما هي إلا ظروف حدثت في ظلها الإستجابة، ولكنها لا ترتبط إرتباطاً مباشراً بها، لأنه في غياب هذه المنبهات في مواقف أخري يمكن أن يصدر السلوك.
( أ ) تجارب سكينر:
أجري سكينر تجاربه مستخدماً جهازاً إبتكره ، يعرف بإسم صندوق سكينر وهناك عدة أشكال من هذا الصندوق، تتناسب وحيوانات المعمل ومع الطيور. ويتكون الجهاز من صندوق معتم مانع للصوت، يحتوي من الداخل علي ذراع معدني، إذا ضغط عليه الفأر تسقط له كرة صغيرة من الطعام في طبق خاص صغير. وهذا الذراع موصل بجهاز يسجل عدد مرات الضغط علي الذراع ، ويعمل رسم بياني يوضح معدل الضغط. كذلك يحتوي الجهاز علي منظم إلكتروني بنظم تقديم المكافأة ( الطعام ) حسب برنامج خاص يسمي بجداول التدعيم. وملحق بالصندوق مصباح صغير لاضاءته من أعلاه. ويتم قياس نتائج التعلم من خلال الزيادة في معدل صدور السلوك الفعال عن الكائن الحي.
وتبدأ التجربة عادة بوضع فأر جائع في الصندوق، ويلاحظ أنه عندما يترك الفأر داخل الصندوق يتحرك داخله حركة عشوائية دون إستقرار. وأثناء حركته تضغط مخالبه بالصدفة علي الذراع المعدني البارز، ويسجل الجهاز معدل الضغط علي هذا الذراع خلال فترة زمنية مختلفة (ولتكن ساعة واحدة مثلا) قبل بداية التعلم. وهذا يحدد المعدل الأدائي لمرات الضغط علي الذراع قبل حدوث التشريط.
بعد تحديد هذا المعدل الأدائي للضغط علي الذراع قبل التشريط، يتم توصيل مخزن الطعام بالصندوق، وعندئذ يؤدي ضغط الفأر علي الذراع المعدني إلى نزول كمية صغيرة من الطعام في الطبق فيأكلها الفأر، وسرعان ما يضغط علي الذراع مرة أخري فتسقط له كرة أخري من الطعام وبذلك يتم تدعيم سلوك الضغط علي الرافعة، بحيث إنه كلما زاد الضغط، كلما إرتفع المنحني لأعلي.
ويمكن أن نقوم بفصل مخزن الطعام عن الصندوق لكي نري ما الذي يحدث إذا توقفنا عن تقديم التدعيم، وعندئذ نجد أن عدد مرات الضغط علي الذراع المعدني يأخذ في التناقص تدريجياً إلى أن تختفي، أي أنه يحدث إنطفاء نتيجة لعدم التدعيم، تماماً كما هو الحال في الإرتباط الشرطي التقليدي.
ويمكن للمجرب في هذه الحالة أن يعلم الفأر التمييز. وذلك بأن يقدم له الطعام عندما يضغط علي الذراع المعدني في حالة إضاءة الصندوق، ولا يتم تقديم الطعام له إذا ضغط علي الذراع وكان الصندوق معتماً. وهنا، يعمل الصندوق كمنبه تمييزي(1) للتحكم في الإستجابة .
من هذا النموذج التجريبي يتضح لنا معني السلوك الشرطي الفعال، إذ يكون الكائن في ظل هذا النوع من التشريط نشطاً وإيجابياً، وهذا ضروري لكي يحصل علي مكافأة، فلن يحصل عليها إذا لم يصدر عنه سلوك. ولهذا يسمي هذا النوع من التشريط بالإرتباط الشرطي الفعال. أما في حالة الإرتباط الشرطي الكلاسيكي، فإن الكائن يكون سلبياً ، ينتظر حدوث المنبه غير الشرطي لكي يصدر الإستجابة الشرطية 0
طبقاً لهذا يشير التشريط الفعال إلى زيادة إحتمال صدور الإستجابة بواسطة إتباع حدوث الإستجابة بتدعيم - وعادة ما يكون التدعيم في هذا النوع من التجارب في شكل يمكن أن يشبع دافعاً أولياً (مثل الطعام لإشباع دافع الجوع، أو الماء لإشباع دافع الظمأ). علي أنه ليس ضرورياً أن يأخذ التدعيم هذه الصورة دائماً.
(ب) قانون إكتساب الإستجابة الشرطية الأدائية:
عند إجراء تجربة تعلم الإرتباط الشرطي الأدائي، يسمح للحيوان الجائع الذي لم يمر بأي خبرة في التعلم الشرطي أن يستكشف الصندوق. وأثناء عملية الإستكشاف يصدر عن الحيوان بشكل تلقائي، سلوك الضغط علي الذراع. وقد أظهرت النتائج أن التدعيمات الأولي التي كانت تقدم في بدء التجربة بعد المحاولات الأولي لم تكن ذات فاعلية. إلا أنه بعد ذلك، أي بعد المحاولة الرابعة تقريباً، أصبح معدل الإستجابة سريعاً للغاية، ومن ثم فقد صاغ القانون التالي في الإكتساب: إذا إرتبط منبه مدعم بحدوث سلوك معين، فإن هذا من شأنه أن يدعم هذا السلوك.
وعلي هذا تبدو ضرورة التدعيم والتكرار ( أو التمرين) رإرساء معدلات عالية من الضغط علي الذراع، هذا وإن كان التكرار كشئ ، قائم بذاته لا يزيد من معدل الضغط لكن دور التكرار يتمثل في إعطاء فرصة للتدعيم أن يتكرر.
(جـ) قياس قوة الإستجابة الشرطية:
في هذا النموذج من التجارب التي تستخدم فيها الذراع المعدنية بصندوق سكينر، تستخدم بعض المحكات لقياس قوة الإرتباط الشرطي الأدائي (قوة الإستجابة الشرطية الأدائية) منها علي سبيل المثال محك معدل صدور الإستجابة الشرطية (عدد مرات الضغط علي الذراع بعد تقديم المكافأة) فكلما زاد معدل صدور الإستجابة فترة زمنية محددة، كان هذا مؤشراً علي قوة الإرتباط الشرطي الأدائي.
(د) مبدأ الدعم:
سبق لنا أن إستخدمنا مفهوم الدعم، ونحن بصدد دراسة الإرتباط الشرطي الكلاسيكي، حيث أشرنا به إلي تصاحب تقديم المنبه غير الشرطي لتقديم لامنبه الشرطي. أما في الإرتباط الشرطي الفعال. فالدعم يشير إلى وقوع حدث ن قبيل تقديم الطعام أو الشراب تالياً لصدور الإستجابة المرغوبة. بعبارة أخري يؤدي الدعم في التشريط الكلاسيكي إلى إستثارة الإستجابة، في حين أن الدعم في التشريط الفعال يتبع صدور الإستجابة. وعلي الرغم من إختلاف الدعم في الحالتين، فإن النتيجة المترتبة علي كل منهما تتمثل في زيادة معدل صدور الإستجابة المرغوبة. بالتالي يمكننا أن نعرف الدعم علي أنه: أي حدث(1) يمكن أن يعمل علي زيادة إحتمال صدور الإستجابة.
(هـ) الدعم المتقطع ( الجزئي) في مقابل الدعم المستمر:
لاحظنا أن في التشريط الكلاسيكي يتم تقديم المنبه غير الشرطي عقب المنبه الشرطي ويظل يقوم المنبه الأول خلال فترة الإكتساب. ومن ثم فإنه يمكن القول بأن الدعم في هذه الحالة هو دعم مستمر. إلا أن سكينر يشير إلى أنه في مواقف الحياة اليومية العادية ليس من شأنه أن يتيح للكائن أياً كان نوعه أن يتلقي دعماً مستمراً. فالمتسابقون المحترفون رغم أنهم لا يحققون النظر في كل مرة يدخلون فيها السابقون، وربما يندر حدوث هذا النجاح، فإنهم يظلون لسنوات طويلة يستجيبون لإغراء هذه السباقات ( الحصول علي جائزة أو ربح). والعامل يحصل علي علاته في فترات دورية. وسيدة المنتزل لا تتوقع المديح لكل جهد تبذله. كما أن العالم أو الفنان قد يستغرق في عمله سنوات طوالا ليأتيه الإعتراف بين الحين والحين، ومع هذا فالجميع مستمرون في أداءاتهم.
وعلي هذا فالدعم المتقطع يعني تقديم المدعمات عقب صدور مجموعة من الإستجابات المتتالية أو عقب مرور فترات زمنية محددة. وقد أولي سكينر والمشغلون معه الدعم المتقطع عناية خاصة وإهتموا بدراسة كفاءة أنواعه المختلفة. فقد أوضحت تجارب الدعم أن الدعم المتقطع يعطي نتائج أفضل مما يعطيه الدعم المستمر. حيث يؤدي الأول إلى زيادة في معدل صدور الإستجابات الفعالة، أكبر مما يؤدي إليه الدعم المستمر.
وقد ميز سكينر بين أربعة أنواع من جداول الدعم المتقطع نذكرها فيما يلي:
1- جدول النسبةالثابتة : حيث يتم تقديم الدعم عقب نسبة معينة من الإستجابة فيدعم مثلاً كل ثالث إستجابة بشكل منتظم وثابت.
2- جدول الفترة الثابتة: وبمقتضاه يقدم الدعم عقب فترات زمنية ثابتة ومنتظمة حيث يتم تدعيم الإستجابة التي تصدر بعد مرور ثلاث دقائق مثلا بشكل منتظم أما الإستجابات التي تصدر قبل ذلك فلا تدعم.
3- جدول النسبة المتغير : وهنا يقدم الدعم بعد عدد معين من الإستجابات غير المدعمة وهذا العدد غير ثابت، بل يتغير حول متوسط معين: حيث يختلف عدد الإستجابات التي تحدث بين مرات الدعم من مرة لأخري. فإذا كان المتوسط المحدد لصدور الإستجابات هو "5" فإننا نقدم الدعم مرة بعد إستجابتين ومرة بعد أربع إستجابات، ومرة بعد سبع إستجابات، ومرة بعد 6 إستجابات ومرة بعد 3 إستجابات بحيث يكون متوسطها هو " 5 ".
4- جدول الفترة المتغيرة: وفي هذا الجدول يتم تقديم الدعم بعد فترة زمنية محددة تختلف في كل مرة من مرات تقديم الدعم. ولكن طول هذه الفترات يدور حول متوسط محدد.
وقد بينت التجارب التي أجريت علي جداول الدعم أن جداول النسبة تعطي معدلات إستجابة أكبر مما تعطيه جداول الفترة الزمنية. كذلك إتضح أن الجداول المتقطعة أفضل من الجداول المستمرة. وقد دلت النتائج أيضاً علي جداول النسبة المتغيرة تعطي أفضل النتائج 0
(ز) الدعم الإيجابي والدعم السلبي :
الدعم الإيجابي هو إعطاء الكائن مكافأة كلما صدر عنه السلوك المرغوب كأن يقدم له الطعام أو أن يحصل علي مدح أو تشجيع عقب صدور السلوك المرغوب. أما الدعم السلبي فهو عبارة عن إيقاف المنبهات المؤلمة وإستبعادها، بحيث يمثل الكائن إلى إصدار السلوك الذي يعقبه توقف المنبه المؤلم. فمثلاً إذا وصلنا أرضية الصندوق الذي بداخله الفأر بتيار كهربائي ليعطي صدمات خفيفة، فإن أي سلوك يصدر عن الحيوان، ويتبعه توقف الصدمات يميل لأن يتكرر فيما بعد . وعلي هذا فإن تدعيم الإستجابات يمكن أن يتحقق إما بتقديم الدعم الإيجابي، أو بواسطة التدعيم السلبي أي بإزالة المنبهات المؤلمة.
وهنا ينبغي أن نذكر أن أثر الدعم علي التعلم يختلف عن أثر العقاب , فقد دلت نتائج التجارب التي أجريت في هذا الصدد علي أن العقاب عادة ما يكون أقل تأثيراً من المكافأة لأنه يؤدي إلى كبت مؤقت للإستجابة غير المرغوبة، ولا يؤثر إلى إضعافها، بل أنه بمجرد أن يتوقف العقاب، سرعان ما تعاود الإستجابة المعاقبة للظهور بكل قوتها.
كما بينت النتائج أيضاً أن الإستجابة المعاقبة يمكن أن تعود للظهور فيما بعد لو أن الدوافع وراءها إرتفع بدرجة تكفي للتغلب علي الخصائص المنفرة للعقاب. أضف إلى هذا أن العقاب الشديد للإستجابة ذات الدافع القوي يمكن أن تولد صراعاً ينعكس في سلوك غير تكيفي.
وربما تكمن الميزة الوحيدة للعقاب في أنه يجبر الكائن علي أن يختار إستجابة بديلة، إذا ما كوفئت تميل إلى التكرار. ومع هذا فإن النتائج كلها تميل إلى إدانة العقاب، لأن السلوك البديل الذي يمكن أن يترتب عليه غير قابل للتنبؤ به، كما هو الحال بالنسبة لما يترتب علي المكافأة من سلوك.
(ح) بعض المتغيرات التي تؤثر في التدعيم:
إهتم بعض السيكولوجيين بدراسة تأثير عدد من متغيرات التدعيم علي مسار التعلم. وقد تبين أن حجم التدعيم ( كما يتمثل في عدد مرات المكافأة) له أهمية خاصة في التعلم. حيث تزداد سرعة التعلم كلما زاد عدد مرات التدعيم، وذلك في حدود معينة. كذلك بينت نتائج التجارب في هذا الصدد. أن تأجيل التدعيم من شأنه أن يضعف من الإستجابة المتعلمة. ومن الأفضل للقائمين بتعليم الأطفال أو تدريب الحيوانات أن تتم إجراءات المكافأة والعقاب عقب صدور الإستجابة مباشرة.
كذلك دلت النتائج التجريبية علي وجود إرتباط بين عدد ساعات الحرمان ومعدل التشريط. بمعني آخر يزداد معدل الإستجابة الشرطية مع إزدياد فترة الحرمان. وجدير بالذكر أن عدد ساعات الحرمان من الطعام ينظر إليه أنه صورة من صور الحافز التي تؤثر في معدل التعلم.
(ط) تشكيل السلوك :
لاحظنا في التشريط الكلاسيكي من قبل أن المنبه الشرطي (الضوء في تجربة بافلوف) يصبح بديلاً للمنبه غير الشرطي (مسحوق اللحم) وهذه العملية لا تسمح بالجدة بأن تدخل علي السلوك، بمعني أن يشتمل التعلم علي إستجابات جديدة تماماً. أما في التشريط الفعال فهو عكس ذلك من حيث كونه يؤدي دوراً هاماً في نمو السلوك الجديد.
إن المجرب يمكنه أن يستخرج سلوكاً جديداً من خلال الإستفادة من التنوعات العشوائية في أداءات المفحوصين والتي يقودها في الإتجاه المرغوب.
علي سبيل المثال ، لو أننا بصدد تعليم أحد الكلاب أن يضغط علي جرس بأنفه فإنه يمكن للمجرب أن يقوم بتقديم الطعام للكلب كمدعم في كل محاولة يقترب فيها الكلب أكثر من منطقة الجرس، وحتي يصل في النهاية للمس الجرس بأنفه. ويعرف هذا الأسلوب في تدعيم الإستجابات التي يحددها فقط المجرب وإطفاء ما عداها بتشكيل سلوك الحيوان.
وقد توصل سكينر إلى هذا الأسلوب من خلال تجاربه، وهو بصدد التشريط الفعال علي الحيوانات حيث تبين له أنه بالإمكان إستخدام هذا الأسلوب في تدريب الحيوانات للقيام بأنواع من السلوك المعقد الذي لم تكن تستطيع القيام به من قبل. وقد بين سكينر أنه يمكن تحقيق هذا التعلم من خلال ما أسماه بمحاولات التقريب المتتالية حيث يتم تدعيم أية إستجابات تصدر عن الحيوان وتقترب في شكلها من الإستجابة المرغوبة، وبالتدريج يمكن أن يصل الحيوان إلى تعلم الإستجابة المرغوبة.
ومن أمثلة السلوك المعقد الذي يمكن تعليمه للحيوان، بواسطة أسلوب تشكيل السلوك: قيام الحيوان بسلسلة معقدة من الحركات، تبدأ بالضغط علي ذراع داخل صندوق ، فتسقط بلية صغيرة يحملها الفأر ويجري بها للطرف الآخر من الصندوق ، ويسقطها في حفرة، ثم يجري بعد ذلك إلى مكان ثالث ليحصل منه علي الطعام.
ولا شك أنه لا يمكن تعليم هذا السلوك المعقد للحيوان دفعة واحدة، بل يمكن تعليمه إياه تدريجياً من خلال عمليات التقريب المتتالية. إذ تبدأ التجربة بحرمان الفأر من الطعام، ثم يبدأ في تدريب الفأر علي تناول الطعام من مخزن خاص خلال عدد من المرات يتم فيها تقديم نغمة صوتية معينة يعقبها تسليمه الطعام من المخزن في طبق معد لذلك. بعد أن يتم تعليم الفأر الربط بين النغمة الصوتية والحصول علي الطعام من المكان المخصص لذلك، يبدأ تشكيل السلوك، فتعطي النغمة الصوتية، ولا يعطي الفأر الطعام إلا بعد أن يلمس الذراع المعدني، ويتم هذا في البداية بعد عدد كبير من المحاولات العشوائية التي تصدر عن الفأر. وبعد أن يتعلم الفأر الضغط بإنتظام علي الذراع ثم يلمس بلية صغيرة، ثم يلي تعلم ذلك تقديم الطعام فقط في المحاولات التي يمر فيها الفأر بالإستجابات المتتالية، ثم يلتقط البلية، ثم تضاف حركة أخري جديدة بعد ذلك لسلسة الحركات المدعمة وهو الجري نحو الثقب ووضعها فيه، وعندئذ يكتمل التدريب.
(ي) تطبيقات الإرتباط الشرطي الفعال علي الإنسان:
أجريت تجربة علي مجموعة من طلاب إحدي الجامعات، ولم يكن الطلاب يعلمون أن هناك تجربة تجري عليهم. حيث أقام المجرب نوعاً من الحوار أو المناقشة التي تبدو حرة مع هؤلاء الطلاب. بينما كان المجرب في الحقيقة يسلك أثناء هذا الحوار طبقاً لخطة معينة، حيث عمد المجرب إلى تدعيم الجمل والعبارات التي تصدر عن الطلاب وتأخذ صورة الرأي الشخصي، كأن يدعم فقط العبارات التي تبدأ مثلاً بكلمات "إني أعتقد" ، "إنه يبدو لي" وما شابه ذلك. وكان تدعيم المجرب يتمثل في الرد علي مثل هذه العبارات بتعليق مثل "إنك علي صواب" ، " أنا أتفق معك في هذا" ، "هو كذلك". وفي جزء آخر من التجربة، إتبع المجرب أسلوب الإطفاء للأراء الشخصية بدلاً من التدعيم وذلك عن طريق اللاتدعيم أو عدم التعليق بعد إبداء الطالب لرأيه الشخصي.
وقد لوحظ أن عبارات الرأي الشخصي إزدادت زيادة ملحوظة أثناء الفترة التي كان يعطي فيها تدعيماً لفظياً بينما تناقضت هذه العبارات في مرحلة الإطفاء.
هذا نموذج بسيط لتطبيق أسلوب الإرتباط الشرطي الفعال في تشكيل سلوك الأفراد. فقد إستخدم العلماء السلوكيون مبادئ الإرتباط الشرطي الفعال كأساس لتعديل سلوك الأفراد في مجالات تطبيقية متنوعة. ففي مجال العلاج السلوكي تستخدم مبادئ الإرتباط الشرطي وجداول التدعيم ومفاهيم التعميم والتمييز والإنفطاء في تعديل سلوك المرضي وإستبداله بسلوك توافقي وقد أدت هذه التطبيقات إلى نتائج جيدة في تعديل سلوك هؤلاء المرضي.
كما تستخدم أيضاً مبادئ الإرتباط الشرطي الفعال في تشكيل سلوك المتخلفين وتنمية قدراتهم في الإعتماد علي النفس. ومن أبرز الوسائل المستخدمة في ذلك أسلوب التقريب المتتالي حيث يتم بواسطته تعليم المتخلفين عقلياً القيام بأعمال معقدة لم يتسن لهم القيام بها من قبل.
وفي مجال تكنولوجيا التعليم، أمكن للباحثين أن يستفيدوا من مبادئ الإرتباط الشرطي الفعال في إدخال نظام التعليم المبرمج وإستخدام ما أسماه سكينر بآلات التعليم حيث يجلس الطالب أمام آلة تقدم له المعلومات المراد تعلمها ثم تختبر مدي تعلمه لها، وتقدم له التشجيع المناسب عندما يجيب إجابة صحيحة. وتتصل هذه الآلات بحاسبات الكترونية تنظم تقديم المعلومات ، وتصنيف إستجابات الطالب وتسجيلها، وتنظيم تقديم المكافأة للطالب عند الإجابة الصحيحة.
وفي مجال الصناعة يتم تطبيق مبادئ التشريط الفعال في إعطاء الحوافز والعقوبات للعمال بحيث يؤدي ذلك إلى رفع كفاءة العاملين، وزيادة الإنتاج وتحسينه.
2- المنحي المعرفي:
يري فريق من علماء النفس أن التعلم لدي الإنسان لا يمكن تفسيره علي نحو مرض في ضوء الإرتباطات الشرطية. فهم يؤمنون بأن المتعلم يتكون لديه ما يسمي بالبناء المعرفي في الذاكرة، تنتظم فيه المعلومات الخاصة بالأحداث المتنوعة التي تحدث في موقف التعلم، ويحتفظ بها بداخله. فعندما يعقد إختبار للمتعلم لتحديد ما تعلمه، فإنه يتناول المنبهات (أسئلة الإختبار ) ويقوم بإستعراضها في نطاق الذاكرة لكي يعطي الإستجابة الملائمة. وما يقوم به هذا المتعلم إذن يعتمد علي البناء المعرفي الذي يسترجعه من الذاكرة، والسياق الذي يتم فيه الإختبار بالتالي فإن الإستجابة التي يصدرها المفحوص تختلف بإختلاف طبيعة موقف الإختبار، وذاكرته للأحداث السابقة. ويعتقد المنظرون المعرفيون أن هذا التفسير ينطبق أيضاً علي التشريط الكلاسيكي علي الحيوانات. إذ يفترض أن الحيوان يختزن في ذاكرته الأحداث التي وقعت في التجربة، وعند إختباره، يتم إسترجاع هذا البناء المعرفي، وتتحدد إستجابة الحيوان بواسطة المعلومات التي تم إخترانها.
ويزعم المعرفيون أن الحيوان في هذه التجارب لا يتعلم أن يفرز اللعاب بطريقة آلية للمنبه الشرطي وإنما هو يتعلم كيف "يتوقع" الطعام، وأن هذا التوقع هو الذي يسبب إفراز اللعاب لدي الحيوان. من هنا كان إهتمام كثير من السيكولوجيين بالتعلم المعرفي، أي بالتعلم الذي يصحبه إستثارة الفهم والإستبصار، وتكوين تصورات ذهنية عن الموضوعات المتعلمة. وأبرز هؤلاء العلماء هم علماء الجشطلت Gestalt .
أ) التعلم بالإستبصار:
كان إهتمام علماء مدرسة الجشطلت بالعمليات المعرفية في البداية يتركز حول دراسة مشكلات الإدراك حيث إستطاعوا أن يتوصلوا إلى صياغة مجموعة من القوانين الخاصة بالتنظيم الإدراكي. وعندما إتجهوا للإهتمام بدراسة التعلم , قاموا بتطبيق نفس قوانين الإدارك في تفسير التعلم. فهم يرون أن التعلم يقوم أساساً علي إدراك وفهم العلاقات الرئيسية فيه.
وكان الإستبصار هو أبرز مفاهيمهم في تفسير التعلم، بل كان يمثل أهم إسهاماتهم النظرية في مجال التعلم.
والإستبصار يعني ببساطة إدراك العلاقات الرئيسية التي يتوقف عليها حل مشكلة ما أو هو إدراك العناصر المشكلة، مترابطة في صيغة واحدة تربطها مع الحل إذ أن هناك نمطاً من المشكلات التي يتعرض لها الكائن في مواقف التعلم، هذا النمط تتميز طرق الوصول إلى حل له بملامح يستشعرها الكائن وهو بإزاء القيام بالحل. حيث يشعر أن التعلم أثناء هذه المواقف إنما يتم بصورة تبدو مفاجئة، ويصحب ذلك شعور المرء بأنه أصبح يفهم بالفعل ما لم يكن يفهمه من قبل وهو يتضمن إستبصاراً أي أن الكائن يري الموقف الكلي بطريقة جديدة تتضمن فهم العلاقات المنطقية ، وإدراك العلاقات بين الوسائل والغايات. هذا النمط من التعلم يتصف بأنه أكثر مقاومة للنسيان، وأنه يقبل بسهولة النقل إلى المواقف الجديدة.
ب) تجارب الإستبصار:
أجري العالم الألماني Cohler عدداً من التجارب في موضوع الإستبصار، والتي أصبحت فيما بعد من أشهر تجارب التعلم. إستخدم Cohler في هذه التجارب قردة الشمبانزي. حيث كان يقدم لها مشكلات معينة في الوقت الذي كان يعرض فيه عليها بعض ثمار الموز ولكن في مكان بعيد عن متناولها. ولا يمكن الحصول علي هذه الثمار إلا إذا إتبعت أساليب جديدة لم تمر من قبل في خبرتها.
وفي إحدي هذه التجارب تم وضع كمية من الموز خارج القفص بحيث تكون بعيدة عن متناول القرد، ولا يستطيع القرد أن يصل إلى الموز بإستخدام عصا قصيرة كانت توجد داخل القفص. ولكن كان يوجد خارج القفص عصا أخري أطول، لا يستطيع القرد أن يمسكها بيدة، ولكن ، يمكنه جذبها بإستخدام العصا الأخري الصغيرة. وقد وضعت العصا الكبيرة في نفس إتجاه الموز، وبحيث تكون موازية لجدار القفص. وبعد أن فشلت محاولات القرد في الحصول علي الموز باليد أو بإستخدام العصا الصغيرة، لوحظ أنه يمر بفترة توقف عن المحاولة كان ينظر أثناءها إلى المجال المحيط به داخل القفص وخارجه، وفجأة أمسك بالعصا الصغيرة مرة أخري وإستخدمها في جذب العصا الكبيرة نحوه، وعندئذ تناول العصا الكبيرة في الحال وإستخدمها في الحصول علي الفاكهة. هنا نتبين أنه منذ أن بدأ الشمبانزي في إدراك العلاقة بين العصا الكبيرة وبين الفاكهة، إستطاع أن يوجهه سلوكه مباشرة نحو حل المشكلة.
وفي تجربة أخري، وضع مع الشمبانزي عصوان بداخل القفص إحداهما رفيعة والأخري سميكة، وكانت توجد في خارج القفص علي مرأي من الشمبانزي ثمار الموز، وقد حاول الشمبانزي الوصول إلى الموز بإستخدام كل من العصوين علي حدة، ولكن لم يكن طول كل منهما يسمح له بالوصول للهدف. وبعد فترة طويلة من المحاولات التي تخللتها فترات إنتظار ويأس ولعب بالعصوين علي غير هدي، أمسك الشمبانزي العصوين بيديه في وضع معين بحيث كان طرف العصا الرفيعة يقابل فجوة في طرف العصا السميكة ثم نظر الشمبانزي إلى كل من العصوين ، ونظر إلى ثمرة الموز، ثم وضع طرف العصا الرفيعة في فجوة العصا السميكة وكون عصا أكبر قام بإستخدامها في الحال في الحصول علي الموز.
يتضح من هاتين التجربتين أن الإستبصار يعتمد علي كيفية ترتيب عناصر المشكلة، بما يسهل إعادة التنظيم الإدراكي. فالكائن يصل إلى الإستبصار عندما ينظم كل العناصر الموجودة في المواقف ويدركها علي أنها مترابطة مع بعضها البعض.
وقد وجد أن هذه المشكلات لم تحل بشكل فجائي فقط، بل أيضاً حلت غالباً بعد فترة من الوقت، يكن فيها الشمبانزي منهمكاً أثناءها بمحاولة الوصول للموز، وكان يبدو أحياناً كما لو كان الحيوان يعيد إدراك نظام العلاقات بين عناصر المشكلة، عندما فشل في الحصول علي الموز بالطرق المألوفة حيث جلس وفكر في المشكلة وفجأة رأي الحل.
هذه الملاحظات تتفق مع مصطلحات إعادة التنظيم الإدراكي. فلقد أصبح الحل ممكناً عندما رأت الشمبانزي العصا لا كأدوات للعب. بل كوسائل تعاونها في الوصول إلى الحل وفي التسلق للوصول إلى الموز. وفي الوقت الذي لم تكن الشمبانزي تقوم فيه بنشاط كبير، كانت تمر بعملية إعادة بناء إدراكي، عندما إكتملت تمكنت من الحل الفوري.
والواقع أن نوع المشكلة وطريقة تقديمها يساعد علي حدوث الإستبصار، فالمشكلات التي كان يقدمها Cohler الشمبانزي هي من النوع الذي يمكن الكائن أن يري كل عناصره اللازمة للحل مرة واحدة.
والواقع أن Cohler إستخدم نفس القوانين الخاصة بإدراك الصيغ الكلية ( الجشطلت) في تفسير حدوث الإستبصار، ولذلك فإن قوانين التشابه والقرب والإغلاق في الإدراك تفسر أيضاً كيفية حدوث الإستبصار.
3- منحي التعلم الإجتماعي :
تعرضت فكرة تعديل السلوك أو تشكيله بواسطة التشريط الأدائي التي قدمها سكينر 0 لخلاف بين وجهتين من النظر. وجهة نظر يمثلها إتجاه سكينر وأتباعه، وأخري يمثلها أصحاب نظرية التعلم الإجتماعي. والخلاف بين الوجهتين ينحصر في تفسير كل منهما "للتعرف المعرفي والعمليات المعرفية ودورها في تعديل السلوك إذ يميل أتباع سكينر إلى تبني وجهة النظر التي لا تتعدي حدود المظاهر الخارجية للإستجابة والوجهة التي تتجه إليها عند التعديل أو التشكيل.. أي تقف أمام التوجه الخارجي للإستجابة، ولا تعني بما تثيره من عمليات (تمثل… توقع… رمز…إلخ). من ناحية أخري فإن أصحاب نظرية التعلم الإجتماعي لا ينكرون التعلم المباشر القائم علي الربط بين منبه وإستجابة ولكنهم يعطون إهتماماً أكبر للأحداث الوسيطة , أي يعبروا إهتماماً أكبر لكيف يحول الشخص المتعلم (من خلال عمليات التمثل الداخلي للأحداث) المنبه المعين إلى سلسلة من الرموز أو الصور فلا تصبح بذلك مجرد إستجابات لفظية.
والنقطة الأساسية في هذا الخلاف إنما تتحدد في كون موضوع الإهتمام هو السلوك المتعلم القابل لملاحظة أم أن السلوك المتعلم ما هو إلا دليل (أو شاهد) علي فعالية العمليات المعرفية (العقلية) والتي لا بد أن تعتبر الموضوع الحقيقي لعلم النفس.
وعلي هذا فإن نظرية التعلم الإجتماعي تري أن تعديل السلوك لا يقوم علي مجرد فكرة إرتباط المنبهات بالإستجابة، وإنما هو يتم أيضاً نتيجة لنشاط العمليات المعرفية كالإدراك والتوقع والتمثل والرمز وغيرها… حيث ينعكس هذا النشاط في صورة الإستجابة المعدلة.
وطبقاً لهذا ، فإن نظرية التعلم الإجتماعي تعتقد أن قدراً كبيراً من التعلم يتم بالعبرة 0 أي من خلال مجرد رؤية آخر يفعل وثياب أو يعاقب. بعبارة أخري من خلال مشاهدة شخص آخر يؤدي الإستجابات الماهرة، أو بمجرد أن يقرأ عنها أو يري صوراً لها… وهو يتعلمها حين يبدأ في محاولة تقليد هذه الإستجابة الماهرة التي شاهدها من خلال الشخص النموذج أو القدرة بهذه الطريقة يمكن للمشاهد أن يتعلم، ثم بمضي الوقت يمكن أن يؤدي إستجابات جديدة (لها نفس الطابع) لم يسبق له مشاهدتها وبالتالي لم يحدث لها أي تدعيم بما أنها لم تحدث أمامه من قبل.
ومن الواضح أن عدداً كبيراً من المهارات الإنسانية (كنطق كلمات أجنبية مثلاً)لا يمكن إكتسابها أو تعلمها بدون هذا التعلم الشهودي (أو التعلم بالمشاهدة).. ونفس الشئ بالنسبة لمهارات أخري معقدة مثل قيادة السيارات والتي يحتاج تعلمها إلى جهد ومخاطرات والتي يتم تعلمها بواسطة التقريب المتتابع المدعم… مثل هذه المهارات يكون المران عليها أكفأ لو تم بواسطة مؤدي قدوة 0 وبمشاهدة المواقف.. وتمثل هذه المواقف معرفيا (أي إدراكها وتمثلها، وتقييمها ، والإقتناع بها.. إلخ).
أبرز ما تقول به نظرية التعلم الإجتماعي إذن هو ما يعرف الآن بإسم التعلم الشهودي بوصفه إحدي الوسائل الأساسية التي يكتسب من خلال نماذج أو طرز معينة من السلوك وإيجاد أنماط معدلة منها، والتي تستلزم عمليات مثل الإقتداء والعبرة ( أي الإعتبار بالمشاهدة).
والواقع أن البحوث التي أجريت في إطار نظرية التعلم الإجتماعي توضح فعلاً أن كل ظواهر التعلم التي تنتج عن الخبرات المباشر يمكن أن تحدث علي أساس من العبرة أي من خلال مشاهدة سلوك شخص، وما يترتب علي هذا السلوك… وعلي هذا يمكن لأي شخص مثلاً ان يكسب أنماط الإستجابة المعقدة أو صعبة الحل، بمجرد مشاهدة صور أدائها من نماذج أو أشخاص تمثل قدوة تحتذي.
كذلك فإن الإستجابات الوجدانية يمكن أن يجري لها تشريط عن طريق مشاهدة ردود الفعل التي بيديها الآخرون للخبرات المؤلمة أو السارة. فسلوك كالخوف أو التهيب مثلاً يمكن أن يخمد بالعبرة وذلك من خلال مشاهدة سلوك يقتدي به تجاه أشياء مثيرة للخوف… دون حدوث أي نتائج (مؤلمة أو مخيفة) تترتب علي ذلك لدي المؤدي (أو القدرةِ).
كذلك فإن أشكال الكف يمكن أن تتعلم بمشاهدة السلوك المعاقب لأشخاص آخرين. المهم أن ظواهر الإعتبار أو العبرة تصنف عموماً تحت مجموعة متنوعة من المصطلحات من بينها ما يأتي:
1- الإقتداء.
2- التقل 0
3- التقم((تبني أنماط سلوكية معينة).
4- التعلم الشهودي.
5- التيسير الإجتماعي 0
6- النسخ (أو النسج علي غرار )0
7- التعلم بالعبرة.
8- لعب الدور 0
9- العدوى (إنتقال أشكال السلوك من شخص لآخر).
والأجزاء التالية تركز علي التعلم الشهودي ومعناه في نظرية التعلم الإجتماعي.
التعلم الشهودي :
كشفت سلسلة من الكتب والدراسات المنشورة عن مدي شيوع "التعلم الشهودي "- وهو التعلم من خلال المشاهدة في كل ظواهر التعلم، كما أكدت علي خصائصه الفريدة التي لا توجد في الصيغ المألوفة عن تشكيل السلوك والتشريط الأدائي. وقد أجريت دراسات عديدة مبتكرة علي الأطفال ألقت الضوء علي المتغيرات المؤثرة في هذا التعلم الشهودي. ومن النماذج التجريبية التي تجري للكشف عن هذه المتغيرات، تجربة يستخدم فيها طفل في سن الحضانة (كمبحوث) يجلس ويشاهد شخصاً ما (هو النموذج القدوة) يؤدي سلسلة سلوكية معينة. ثم يتم بعد ذلك إختبار الطفل تحت شروط خاصة مضبوطة لكي يتم تحديد إلى أي مدي أصبح سلوكه الآن يحاكي سلوك الشخص القدوة الذي شاهده. يلي ذلك مقارنة ما يفعله هذا الطفل بما يفعله أطفال آخرين (يمثلون مجموعة ضابطة) يتم إختبارهم دون جعلهم يشاهدون أداء الشخص القدوة، وإنما يزودون بمعلومات عن السلوك بأي إجراء آخر غير المشاهدة.
ومن أهم المتغيرات المؤثرة في مواقف التعلم الشهودي (التي تكشف عنها مثل هذه الدراسات كمتغيرات مؤثرة بدرجات مختلفة ) ما يأتي:
( أ ) خصائص القدوة:
1- خصائص ذات تأثير علي المتعلم وموجودة في الشخص القدوة مثل السن – النوع (ذكر/ أنثي)- المركز أو المكانة. مثل هذه المتغيرات يختلف تأثيرها النسبي بإختلاف الشخص المتعلم.. فكلما كان الشخص القدوة من ذوي المكانة المرتفعة بالنسبة للمتعلم، كلما كان تقليده له أكبر.
2- مشابهة القدوة للمتعلم: فقد يكون القدوة طفلاً آخر من نفس الفصل أو طفلاً في فيلم سينمائي.. شخصية حيوان في فيلم كرتون. وفي هذا كشفت الدراسات عن أن المحاكاة تقل كلما بعد النموذج ( أو القدرة) عن أن يكون شخصاً حقيقياً.. أي تقل المحاكاة كلما بعدت المشابهة عن صفات الأشخاص الحقيقيين.
(ب) نوع السلوك المقتدي به (أي المؤدي بواسطة القدوة):
وفي هذا كشفت الدراسات عما يأتي:
1- أنه كلما إزداد تعقد المهارة المطلوب تعلمها، كلما قلت درجة تقليدها. أي أن المهارات الأكثر تعقداً تقلد بدرجة أقل، إذا لم يتيسر للمتعلم المشاهدة الكفاية بالعدد المناسب من المرات.
2- أن الإستجابات العدوانية ( أو السلوك العدائي) تقلد بدرجة عالية (أفلام الكاراتيه والمغامرات مثلاً).
3- أن المتعلم بتبني المعايير الأخلاقية (القيم الخاصة) التي يتاح له مشاهدتها من خلال القدوة، كذلك يمكنه ضبط النفس بواسطتها بأساليب متشابهة للقدوة.
(جـ) النتائج المترتبة علي السلوك القدوة:
تختلف درجة التقليد بإختلاف النتيجة المترتبة علي السلوك، أي تختلف وفقاً لكون السلوك كوفئ (تم تعزيزه) أو عوقب (يعاقب أو ينفر منه).. أو يلقي التجاهل (أي لا يدعم ولا يعاقب) وهنا نجد أن انواع السلوك الصادرة عن الشخص القدوة، وأثيبت أو كفئت تكون قابلة أكثر من غيرها لأن تكون موضوع المحاكاة أو التقليد.
( د ) التعليمات المقدمة للمتعلم قبل أن يشاهد القدوة:
فقد تكون هذه التعليمات متضمنة دافعية عالية أو منخفضة، فتؤثرعلي إنتباه المفحوص للسلوك القدوة. وقد لوحظ في هذا ما يأتي:
1- أن الدافعية العالية يمكن أن تثار عن طريق أخبار المتعلم بأنه سوف يكافأ بمقدار يتناسب مع المقدار الذي يستطيع أن يبديه من سلوك القدوة.
2- أن التعليمات المثيرة للدافعية بمقدار قليل، لا ينتج عنها إلا نوعاً من التعلم يندرج تحت ما نسميه التعلم المؤقت أو التعلم " العرضي أو الطارئ".
3- أن التعليمات المثيرة للدافعية بقدر كبير يمكن أن تقدم للمتعلم بعد أن يؤدي القدوة وقبل إختبار المتعلم، مثل هذا الأجراء يساعد المتعلم علي أن يلحظ الفرق (أو يميز) بين أدائه وأداء القدوة للسلوك.
¬هذا الحصر للمتغيرات في موقف التعلم الشهودي ليس شاملاً بالضرورة ، والمقصود به فقط أن يوضح مدي الإحتمالات القائمة في الموقف.. والمدي العريض من أشكال السلوك يمكن أن يعلم أو يغير تحت هذه الشروط عن طريق القدوة، ومن خلال إندماج ودقة تقمص المتعلم.

.................................................. ..................




الفصل الثالث
مقدمــــة:
يعد موضوع الدافعية من أكثر موضوعات علم النفس أهمية ودلالة سواء علي المستوي النظري أو التطبيقي. فمن الصعب التصدي للعديد من المشكلات السيكولوجية دون الإهتمام بدوافع الكائن الحي التي تقوم بالدور الأساسي في تحديد سلوكه: كما وكيفاً.
ويرتكز تراث علم النفس التجريبي الخاص بعمليات التعلم والتذكر والعمليات الإدراكية ومعظم جوانب سلوك الإنسان أو الحيوان علي أساس فروض تتصل بمبادئ الدافعية في علم النفس بسيط للغاية، وهو أنها تساعد في الوقوف علي أفضل فهم وتفسير لسلوك الكائن الحي حتي يمكن للتنبؤ به وضبطه في المستقبل 0
فدراسة دوافع السلوك تزيد فهم الإنسان لنفسه ولغيره من الأشخاص،وذلك لأن معرفتنا بأنفسنا تزداد كثيراً إذا عرفنا الدوافع المختلفة التي تحركنا أو تدفعنا إلى القيام بأنواع السلوك المتعددة في سائر المواقف والظروف. كما أن معرفتنا بالدوافع التي تدفع الآخرين إلى القيام بسلوكهم تجعلنا قادرين علي فهم سلوكهم وتفسيره.
وتساعدنا دراسة الدوافع – كذلك – علي التنبؤ بالسلوك الإنساني في المستقبل. فإذا عرفنا دوافع شخص ما، فإننا نستطيع أن نتنبأ بسلوكه في ظروف معينة. كما نستطيع أن نستخدم معرفتنا بدوافع الأشخاص في ضبط وتوجيه سلوكهم إلى وجهات معينة، بأن نهيئ بعض المواقف الخاصة التي من شأنها أن تثير فيهم دوافع معينة تحفزهم إلى القيام بالأعمال التي نريد منهم أداءها، ونمنعهم من القيام ببعض الأعمال الأخري التي لا نريد منهم أداءها. لذلك تظهر أهمية دراسة الدوافع في مختلف الميادين العلمية التطبيقية كميدان التربية والصناعة والعلاج النفسي وغيرها 0
وقد بدأ الإهتمام بموضوع الدافعية منذ أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الحالي إلا أن هذه البداية شهدت معالجات سطحية قامت علي أساس مفاهيم ومناهج بحث تختلف عن تلك التي تستخدم اليوم. ومع ذلك كان هناك إهتمام ببعض المشكلات التي نطلق عليها اليوم "مشكلات دافعية" 0
وتعد بداية النصف الثاني من القرن العشرين نقطة الإنطلاق الحقيقية في دراسة هذا الموضوع سواء من حيث صياغة المفاهيم بدقة وتناولها إجرائياً، أو مناهج البحث وأساليب القياس. وخلال هذا التطور التاريخي والعلمي لمفهوم الدافعية، أثيرت عشرات الأسئلة التي حسمت الإجابة عن بعضها وما زال البعض الآخر في حاجة إلى مزيد من التحدد والإستقرار. ومن أهم هذه الأسئلة ما يلي:
1- ما المقصود بمفهوم الدافعية؟ وما أهم خصائصه وأبعاده ؟ وما طبيعة علاقته بالسلوك؟ وما الفرق بينه وبين غيره من المفاهيم السيكولوجية الأخري وثيقة الصلة به؟
2- ما أهم فئات الدوافع؟ وهل هي بيولوجية المنشأ أم إجتماعية؟ وأي الفئتين أكثر تأثيراً في حياة الكائنات الحية، وخاصة الإنسان؟
3- هل يمكن ترتيب الدوافع من حيث أهميتها؟ وهل يمكن أن تتصارع وما النتائج التي تترتب علي ذلك؟ وهل يمكن أن تتغير أو تتبدل؟
4- ماذا يحدث بعد إشباعها؟ وما أطول فترة زمنية يمكن أن يؤجل فيها إشباع كل دافع من الدوافع، وماذا يترتب علي عدم إشباعها؟
5-كيف يمكن قياس الدافعية قياساً موضوعياً دقيقاً؟
6-ما طبيعة العلاقة بين أنواع الدوافع المختلفة وكيف ترتقي؟
7- هل يتهدور بعضها مع العمر أم لا؟
8-هل يمكن تحديد أساس فسيولوجي لها؟
9- ما المستوي الأمثل من الدافعية اللازم للسلوك بوجه عام، والسلوك الإبداعي بوجه خاص؟
10- هل تختلف طرق إشباعها بإختلاف الأطر الثقافية للمجتمعات؟
11- ما أهم الأطر النظرية المفسرة لها؟
وسوف نحاول في الفصل الحالي الإجابة عن بعض هذه الأسئلة بصورة صريحة أو ضمنية، من خلال التراث السيكولوجي المتاح في هذا الصدد.
(1) تعريف الدافعية:
نشير بداية إلى أن مفهوم الدافعية، مثله مثل غيره من المفاهيم السيكولوجية الأخري كالإدراك والتذكر والتعلم، بمثابة تكوين فرضى يستدل عليه من سلوك الكائن الحي. وبالتالي يستخدم مفهوم الدافعية لتحديد إتجاه السلوك وشدته. وبالإضافة إلى ذلك يكون كل منا علي وعي بمختلف دوافعه ومقاصده السلوكية 0
وهناك مبرران رئيسيان للإستدلال علي مفهوم الدافعية من سلوك الكائن الحي وهما:
أ-يكون السلوك المدفوع والموجه إلى هدف بمثابة شئ معتاد ،ومستمر بصورة ملحوظة، وبالتالي يفترض وجود عملية دينامية تقف خلفه وتحدد قوته.
ب- ربما لا تصدر إستجابات الكائن الحي نتيجة لمنبهات خارجية محددة ، ويعني ذلك وجود محددات داخلية توجه السلوك إلى أهداف بعينها.
وفي هذا الإطار قدمت تعريفات عديدة للدافعية نعرض لبعضها علي النحو التالي، لكن يفضل أن نوضح من البداية أن مفهوم الدافع يرادف مفهوم الدافعية، ويعبر كلاهما عن الملامح الأساسية للسلوك المدفوع كما ستعرض لها بعد قليل وإن كانت الدافعية هي المفهوم الأكثر عمومية. وبالتالي عند إستخدامنا لأي المفهومين، نقصد شيئاً واحداً.
فالدافعية أو الدافع، إذن ، " حالة إستثارة وتوتر داخلي تثير السلوك وتدفعه إلى تحقيق هدف معين" 0
ويؤكد "هب" (D.O. Hebb, 1949) نفس التعريف السابق مشيراً إلى أن الدافعية " عملية يتم بمقتضاها إثارة نشاط الكائن الحي، وتنظيمه وتوجيهه إلى هدف محدد".
ويري "دريفر" (J. Drever, 1971) أن الدافع عبارة عن "عامل دافعي إنفعالي يعمل علي توجيه سلوك الكائن الحي إلى تحقيق هدف معين".
ويري "أتكنسون" (J. Atkinson, 1976) أن الدافعية تعني إستعداد الكائن الحي لبذل أقصي جهد لديه من أجل تحقيق هدف معين.
والفاحص للتعريفات السابقة وغيرها , يجد أنها تعبر عن الملامح الهامة للسلوك المدفوع، والتي يمكن تحديدها علي النحو التالي:
1- تعبئة الطاقة أو التنشيط الدافعي 0 ويعني ذلك حالة الإستعداد لإصدار السلوك، وما يرتبط بها من يقظة وتوتر عام. ومن أمثلة ذلك إستعداد مجموعة من الأشخاص لبدء سباق في العدو، أو البحث عن الطعام، أو عقد علاقة إجتماعية مع آخرين.. إلخ.
2- تنظيم السلوك وتوجيهه إلي هدف محدد. فبعد وصول الكائن الحي إلى حالة تعبئة الطاقة أو التنشيط الدافعي، يتجه بسلوكه إلى هدفه المحدد الذي يشبع حاجته . وفي الأمثلة السابقة يبدأ الأشخاص السباق من أجل تحقيق مراكز متقدمة والفوز بها، ويبدأون في تناول الطعام بعد الحصول عليه، والتعرف علي مجموعة من الأشخاص وإقامة صداقة معهم 0
3- تتناسب قوة الدافع المثار مع مقدار الطاقة الناتجة عنه. فالشخص الذي إستمر جائعاً لمدة يوم كامل يكافح بقوة لإشباع حاجته للطعام، وذلك مقارنا بشخص آخر تناول الطعام منذ ساعة واحدة.
4- تستمر الطاقة المعبأة لتحقيق الهدف حتي يصل الكائن الحي إليه.
5- القابلية لتغيير مسار الهدف. فالكائن الحي يستمر في بذل الجهد من أجل تحقيق هدفه وخفض توتره المرتبط بدافع معين سواء كان فسيولوجيا (كالجوع أو العطش) أو سيكولوجيا (كالإنجاز أو السيطرة). وفي هذا الإطار يمكنه تغيير مسار الهدف إذا شعر أن الطريق الذي يسلكه لا يوصله إلى هدفه، فيسلك طريقاً آخر. وإذا لم يستطع تحقيق هدفه بأي من هذه الطرق، فإنه يصاب بحالة إحباط 0
بهذا نكون قد وقفنا علي الملامح الأساسية لمفهوم الدافعية أو السلوك المدفوع، ويبقي أن نميز بين مفهوم الدافعية وغيره من المفاهيم الأخري وثيقة الصلة به.
(2) بعض المفاهيم وثيقة الصلة بمفهوم الدافعية:
1- الحاجة :
يعرف "مورفي" (G. Murphy, 1947) الحاجة بأنها "الشعور بنقص شئ معين، إذا ما وجد تحقق الإشباع".

ويري كرتش وكريتشفيلد (D. Krech & R. Crutchfield, 1948) أن الحاجة "حالة خاصة من مفهوم التوتر النفسي".
ويعرفها إنجلش وإنجلش (H. English & A. English , 1958) بأنها "شعور الكائن الحي بالإفتقاد لشئ معين". وقد تكون هذه الحاجة فسيولوجية داخلية (مثل الحاجة للطعام والماء والهواء) أو سيكولوجية إجتماعية (مثل الحاجة للإنتماء والسيطرة والإنجاز).
وبناء علي هذه التعريفات، يمكن القول بأن الحاجة هي نقطة البداية لإثارة دافعية الكائن الحي، والتي تحفز طاقته وتدفعه في الإتجاه الذي يحقق إشباعها.
1- الحافـــز :
يعرف "ملفن ماركس" الحافز بأن تكوين فرضي يستخدم للإشارة إلى العمليات الدافعة الداخلية التي تصحب بعض المعالجات الخاصة بمنبه معين، وتؤدي بالتالي إلي إحداث السلوك.
فهو بمثابة "القوة الدافعة للكائن الحي لكي يقوم بنشاط ما بغية تحقيق هدف محدد".
وهنا نشير إلى أن بعض الباحثين يرادف بين مفهومي الدافع والحافز، علي أساس أن كلاً منهما يعبر عن حالة التوتر العامة نتيجة لشعور الكائن الحي بحاجة معينة. لكن الواقع أن مفهوم الحافز أقل عمومية من مفهوم الدافع بحيث يندرج تحته. فمفهوم الدافع يستخدم للإشارة إلى فئتي الدوافع العريضتين ( الفسيولوجية والسيكولوجية ) فتتحدث عن دافع الجوع (الفسيولوجي المنشأ) ، ودافع الإنجاز (السيكولوجي المنشأ) بينما تشير الحوافز إلى الدوافع الفسيولوجية المنشأ فقط، وهو ما تعبر عنه المفاهيم الشائعة مثل حافز الجوع وحافظ العطش. بمعني آخر يعبر الحافز عن حالة النشاط الدافعي المرتبطة بإشباع حاجات فسيولوجية المنشأ فقط.
3-الباعث :
يشير الباعث إلى موضوع الهدف الفعلي الموجود في البيئة الخارجية والذي يسعي الكائن الحي بحافز قوي إلى الوصول إليه. فهو الطعام في حالة دافع الجوع، والماء في حالة دافع العطش، والنجاح والشهرة في حالة دوافع الإنجاز… إلخ.
4- العلاقة بين الدوافع والعادات :
تبدو العلاقة بين مفهومي الدافع والعادة وثيقة وهامة. ومع ذلك يوجد خلط في إستخدامها، سواء في إطار النظرية الشكلية أو التفسيرات غير الشكلية للسلوك. لذلك يفضل التمييز بين هذين المفهومين الأساسيين.
فالعادة ، تشير إلى قوة الميول السلوكية 0 التي يفترض أنها ترتقي وتتطور كدالة لعمليات التدعيم. أي أن مفهوم العادة يركز علي الإمكانية السلوكية 0
أما الدافع، فيركز علي الدرجة الفعلية لمقدار الطاقة التي تنطوي عليها العادة. وبالتالي يمكن إعتبار الدافع نوعاً فعالاً من العادات أو سلوكاً متعلماً ذا فاعلية.
وهناك مثال بسيط يمكن أن يوضح هذا التمييز بين مفهومي الدافع والعادة. إفترض أن فأراً جائعاً تدرب علي أن يضغط علي ذراع في صندوق معين لكي يحصل علي الطعام. ومعني ذلك أنه إذا كانت كل عناصر الموقف التجريبي تامة، فإن الفأر المدرب سيؤدي ضغطه مناسبة علي الذراع حينما يوضع في الصندوق. لكن إفترض أن أحد الأشخاص قد أطعم الفأر منذ فترة قصيرة قبل إجراء التجربة. في هذه الحالة سنجد أن الفأر المشبع لن يؤدي أداء جيداً في الضغط علي الذراع، ولكنه سيقوم بأداء بعض أشكال السلوك العشوائية غير الإستجابة المطلوبة ( الضغط علي الذراع).
ولكي نقف علي الفروق الواضحة في سلوك الفأر في هاتين المحاولتين، لا نحتاج إلى إفتراض أن الفأر قد نسي أو فقد عادة الضغط علي الذراع التي سبق له تعلمها. ولكن نستطيع ببساطة تفسير تراخيه في الإستجابة في المرة الثانية إلى إنخفاض الدافعية. فالأداء لا يعتمد فقط علي إمكانية الأداء (الوسع) ولكن يعتمد أيضاً علي مقدار التنشيط الدافعي لهذه الإمكانية. فعملية تعبئة الطاقة أو تنشيط العادة هي جوهر مفهوم الدافع.
وهذه التفرقة تبين الدور الحاسم للعمليات الدافعية في السلوك والذي سبق الإشارة إليه في بداية الفصل . فالتباين في السلوك المتعلم يكون ضئيلاً بين معظم الأشخاص، بينما الدوافع هي التي توسع نطاق هذا التباين بينهم، لأن التذبذب في حالات الدافعية يؤدي إلى نشأة التغاير في السلوك عبر مواقف متشابهة 0
(3) تصنيف الدوافـــع:
يمكن تصنيف الدوافع التي تغطي كل أشكال السلوك الإنساني بأكثر من طريقة مختلفة. ورغم أن الفروق بين هذه التصنيفات ليست جوهرية، إلا أن جميعها تصنيفات تعسفية. لذلك قبل أن نعرض للأطر العامة لهذه التصنيفات، والتصنيف الذي سنتبناه في عرض الدوافع، يجدر تحديد بعض الإعتبارات النظرية التي ربما تساعدنا في فهم أسس التصنيفات المختلفة للدوافع. وهذه الإعتبارات هي:
1- يختلف شكل التعبير عن الدوافع الإنسانية من ثقافة لأخري، ومن ثقافة فرعية لأخري داخل الثقافة الواحدة، ومن شخص لآخر داخل الثقافة الواحدة. وتنشأ هذه الفروق لأن العديد من الدوافع يتم تعلمه نتيجة للخبرات النوعية التي يمر بها الأشخاص. وفي كل الحالات يتم التعبير عن الدوافع من خلال السلوك المتعلم.
2- يمكن التعبير عن بعض الدوافع المتشابهة من خلال أشكال مختلفة من السلوك. فدافع الكراهية لشخص معين يمكن التعبير عنه بالعدوان الجسماني عليه (ضربة مثلا) أو بالإنسحاب من المكان الذي يوجد فيه أو بأي شكل آخر من السلوك.
3- يمكن التعبير عن بعض الدوافع المختلفة من خلال أشكال متشابهة من السلوك. فربما نجد شخصين يزاولان الرسم بالزيت: الأول بدافع إسعاد والده الذي يشجعه علي مزاولة هذه الهواية، والثاني بدافع مضايقة والده الذي يرفض مزاولته لهذه الهواية.
4- تظهر بعض الدوافع أحياناً في أشكال مستترة. أي يظهر دافع معين ليخفي وراءه دافعاً آخر. فبعض الأشخاص يسرقون السيدات، ليس بدافع مادي، ولكن بدافع الإنتقام منهن 0
5- قد لا تؤدي الدوافع بالضرورة إلى سلوك يهدف إلى إشباع الحاجات التي أثيرت. وهي نقطة ترتبط بالنقطة السابقة عليها، علي أساس أن الشخص ربما لا يعبر عن دوافعه بصورة صريحة 0
6- ربما يعبر أحد أشكال السلوك عن دوافع عديدة. فالعالم أثناء عمله التجريبي في معمله يكون مدفوعاً للبحث عن الحقيقة، وزيادة دخله المادي لإعالة أسرته، والرغبة في الشهرة.. إلخ.
وفي ضوء الإعتبارات السابقة نجد أن أكثر التصنيفات شيوعاً وألفة هي التي تميز بين دوافع فسيولوجية المنشأ وأخري سيكولوجية المنشأ، وتسمي فئة الدوافع الأولي أحياناً الدوافع الأولية، بينما تسمي الفئة الثانية الدوافع الثانوية. ولا يعني هذا التصنيف أن الدوافع الأولية أكثر أهمية من الدوافع الثانوية، ولكن يعني أن الدوافع الأولية لها أولوية الإشباع كما سنري بعد قليل. ومن أمثلة الدوافع الأولية دافع الجوع ودافع العطش ودافع التنفس ودافع الجنس. ومن أمثلة الدوافع السيكولوجية الدافع للإنجاز والدافع للإنتماء إلى جماعة والدافع للسيطرة.
ويوجد تصنيف آخر يميز بين دوافع وسيلية وأخري إستهلاكية 0 والدافع الوسيلي هو الذي يؤدي إشباعه إلى الوصول إلى دافع آخر. أو بمعني آخر: وظيفته الأولية هي تحقيق إشباع دافع آخر. أما الدافع الإستهلاكي، فوظيفته الأولية هي الإشباع الفعلي للدافع ذاته. أي أن هدفه الأساسي هو الإستهلاك، كما هو الحال في الإستهلاك الطبيعي للطعام والشراب.
وهناك وجهة نظر ثالثة يمكن من خلالها تصنيف الدوافع طبقاً لمصدرها. وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن ثلاث فئات للدوافع: الأولي: دوافع الجسم، وتساهم هذه الفئة في تنظيم الوظائف الفسيولوجية. ويعرف هذا النمط من التنظيم بالتوازن الذاتي 0 والفئة الثانية: هي الدوافع الخاصة بإدراك الذات من خلال مختلف العمليات العقلية. وهي ما تؤدي إلى مستوي تقدير الذات، الذي يحترم الشخص نفسه في إطاره. أما الفئة الثالثة: فهي الدوافع الإجتماعية الخاصة بالعلاقات بين الأشخاص ودورها في إرتقاء الشخصية.
وهذا التصنيف الأخير للدوافع يتفق في صورته العامة مع التصنيف الأول، مع فارق بسيط هو أن التصنيف الأخير أبرز الدوافع الإجتماعية في فئة مستقلة. وبناء علي ذلك تحدد تصنيف الدوافع الذي سنتناوله علي النحو التالي:
( أ ) الدوافع الفسيولوجية.
(ب) الدوافع السيكولوجية.
1- الدوافع الداخلية الفردية.
2- الدوافع الخارجية الإجتماعية.
وهو ما نعرض لتفاصيله كما يلي:
( أ ) الدوافع الفسيولوجية
ويطلق إسم "الدوافع الفسيولوجية" عادة علي الحالات الفسيولوجية الناتجة عن وجود حاجات جسمية لدي الكائن الحي تحدث تغييراً في توازنه العضوي والكيميائي، فتنشأ عن ذلك حالة من التوتر تدفع الكائن الحي إلى القيام ببعض الأنشطة التي تؤدي إلى إشباع حاجاته وعودة الجسم إلى حالته السابقة من التوازن والإعتدال.
وتتصف الدوافع الفسيولوجية ببعض الخصائص العامة وهي:
1- أنها عامة لدي جميع الكائنات الحية، البشرية والحيوانية فنحن جميعاً نشعر بهذه الدوافع، كما أنها توجد أيضاً عند الحيوان.
2- أنها تؤدي وظيفة بيولوجية هامة هي المحافظة علي بقاء الكائن الحي وإستمرار النوع.
3- أنها موجودة بالفطرة وليست مكتسبة. فهي توجد لدي الطفل منذ الولادة، ويكون سلوك الطفل في أيام حياته الأولي متعلقاً بإشباع حاجاته الضرورية من طعام وماء وهواء، وتخلصه من الفضلات الزائدة في جسمه.
4- أنها تحدث نتيجة لإختلال التوازن العضوي والكيميائي للجسم، فإذا إختل هذا "التوازن الذاتي" بسبب وجود أي إضطراب أو نقص عضوي أو كيميائي في الجسم، ظهرت في الحال بعض العمليات الجسمية التعويضية التي تحاول سد هذا النقص، وإزالة حالة الإضطراب، وإعادة حالة التوازن الذاتي. فإذا حدث ، مثلاً، تلف في بعض أنسجة الجسم قامت خلايا الدم البيضاء بتجديد هذه الأنسجة. وإذا زادت حرارة الجسم عند حد معين بدأ العرق يتصبب من الجسم لخفض درجة حراراته. وإذا زاد ثاني أكسيد الكربون في الجسم زادت سرعة التنفس للتخلص من هذه المادة الضارة.
وليست عملية الإحتفاظ بحالة التوازن الذاتي مقصورة فقط علي تلك العمليات الفسيولوجية التلقائية التي تحدث داخل الجسم، وإنما تقوم بتنظيم علاقة الكائن الحي ببيئته علي وجه العموم. وعلي هذا الإعتبار فإننا نتصور أن الكائن الحي يميل دائماً إلى الإحتفاظ بحالة ثابتة من التنظيم الذاتي. فإذا حدث إضطراب في هذا التنظيم، نشأت دوافع معينة توجه سلوك الكائن الحي إلي أهداف محددة لإزالة هذا الإضطراب.
أ- دافع الجوع:
تستهلك جميع الكائنات الحية طاقة حرارية في حياتها، وتحتاج إلى مخزون لها أو معوض للمنصرف منها من أجل إستمرار هذه الحياة. لذلك يؤدي فقدان الطاقة إلى ظهور الحاجة إلى الطعام والتي تؤدي بدورها إلى ظهور توترات معينة تحرك الكائن الحي إلى مصدر الطاقة المعوض لها (الطعام).
بمعني آخر: تشير نتائج الدراسات العديدة التي أجريت في هذا الصدد، إلي أن نقص المواد الغذائية في الدم هو العامل الأساسي لظهور الحاجة للطعام، وبالتالي دافع الجوع. فحينما تقل المواد الغذائية في الدم تحدث حالة توتر، وتحدث تقلصات في جدران المعدة، ويزداد النشاط العام في الجسم، ويشعر الإنسان بدافع الجوع، وبرغبة في تناول الطعام.
وهناك نمطان رئيسيان من العمليات الفسيولوجية التي تسبق الإحساس بالجوع، وضبط عملية تناول الطعام، هما : المراقبة المباشرة لسلوك تناول الطعام نفسه، والمراقبة غير المباشرة لقيمة الطعام الذي يشبع حاجة الجسم إليه. وخلف هذين الميكانيزمين نجد أن أساليب الضبط المتعلمة في تناول الطعام تساهم هي الأخري في تعقيد الصورة السابقة.
والإشارات العصبية لبدء سلوك تناول الطعام أو التوقف عنه تحدث في المهاد التحتاني للمخ 0 وبالتحديد تأتي من النواة في الجزء المتوسط 0 وقد كانت عملية الشعور بدافع الجوع تنسب في فترات سابقة إلى تقلصات عضلات المعدة أو الشعور بأن المعدة فارغة من الطعام، إلا أن بعض البحوث الحديثة أظهرت أن هذه الهاديات ليست ثابتة. فقد وجد أن تقلصات وإنقباضات عضلات المعدة تحدث بعد تناول الطعام بمعدل أكثر من المعدل السابق لتناوله0
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية تقلص جدران المعدة في الشعور بالجوع، ولكن يعني أنه ليس العامل الأساسي الوحيد، فالإشارات التي تأتي من مختلف أشكال المراقبة لحالة الجسم تعد محددات أكثر حسماً للشعور بالجوع، أي أن العائد من مخازن الدهور في الجسم وسكر الدم (أو كيمياء الدم بوجه عام) من أكثر العوامل أهمية في الشعور بالجوع، حيث تنقل المعلومات الخاصة بهذه الحالات إلى مركز التغذية في المهاد التحتاني. والذي يؤدي بدوره إلى إرسال تنبيه داخلي للكائن الحي (تقلص المعدة) ببدء سلوك الطعام 0
وهناك دراسات تجريبية عديدة تدعم الفروض السابقة. فقد وجد أن إستئصال المعدة عند بعض الحيوانات، أو قطع الإتصال العصبي المركزي (المهاد التحتاني بالتحديد) لم يقض علي دافع الجوع. ووجد أيضاً أنه إذا حقن كلب غير جائع بدم كلب جائع تقلصت جدران معدة الكلب غير الجائع كما يحدث عادة في حالة الجوع. ووجد ، علي العكس من ذلك، أنه إذا حقن كلب جائع بدم كلب غير جائع تقلصت جدران معدة الكلب الجائع.
والواقع أنه لا يوجد دافع عام للجوع فحسب، بل توجد عدة دوافع نوعية عبارة عن الميول الخاصة لبعض أنواع الطعام دون غيرها. فالطفل قد يمتنع عن أكل الخضروات والخبر واللحم، ولكنه يلتهم الحلوي والمثلجات. وقد يمتنع عن أكل نوع معين من الخضروات، ولكنه يقبل علي أكل نوع أخر. ويرجع بعض هذه الميول الغذائية الخاصة إلى التعلم والعادة، ويرجع بعضها الأخر إلى حاجات خاصة في الجسم تنشأ عن نقص بعض العناصر المعينة. وقد بنيت بعض الدراسات التي أجريت علي بعض الأطفال والحيوانات إلى وجود ميول خاصة نحو أنواع معينة من الطعام، وأن هذه الميول تختلف بإختلاف حاجة الجسم. وتوحي نتائج هذه التجارب أن للجسم "حكمة" خاصة به توجهه إلى إختيار الأطعمة التي يحتاج إليها.
ويبدو أن هناك عاملين يؤثران في إختيار الأطعمة التي يحتاج إليها الجسم. العامل الأول هو المحاولة والخطأ. فبالتجربة يتعلم الإنسان أو الحيوان أن أنواعاً معينة من الطعام قد أحدثت إشباعاً خاصاً، وأعادت إلى جسمه التوازن العضوي والكيميائي، ولذلك فهو يميل فيما بعد إلي إختيارها. أما العامل الثاني فيبدو أنه خاص بحاسة الذوق، إذ يظن أن الغذاء الذي يحتاج إليه الجسم يكون أحسن مذاقاً من الأنواع الأخري من الطعام، ولذلك يفضله الإنسان والحيوان علي غيره. ومما يؤدي هذا الفرض الأخير، أنه حينما قطعت أعصاب حاسة الذوق عند بعض الفئات لم تستطيع أن تختار نوع الطعام الذي تحتاج إليه. ويبدو أيضاً أن هناك نوعاً من التفاعل بين هذين العاملين، فقد تؤثر حاسة الذوق في عملية المحاولة والخطأ وتوجهها توجيهاً خاصاً إلى إختيار الأطعمة المفيدة0
كما تلعب متغيرات أخري عديدة دورها في أسلوب إشباع الحاجة للطعام منها السن والمستوي الإجتماعي – الإقتصادي والثقافي والديني ومستوي التعليم.. إلخ، مما قد يكون لها آثار ضارة علي الصحة في كثير من الأحيان. وأهم هذه الأضرار هي السمنة 0
ب- دافع العطش :
يعد جفاف الفم والحلق بمثابة المنبه الفعال للعطش، علي الأقل علي المستوي الشعوري، مثلما يرتبط دافع الجوع بآلام وتقلصات المعدة. ولهذا الشعور بجفاف الفم أهمية بيولوجية، لأنه بمثابة الإنذار الذي يتلقاه الكائن الحي بوجود نقص في كمية الماء بجسمه، فيدفعه ذلك إلى شرب الماء لسد هذا النقص. إذ أن الماء يدخل في جميع العمليات الحيوية في الجسم مما يجعل فقدان قدر منه سبباً في تعطيل العمليات الأخري وزيادة التوتر البيولوجي. لذلك تظهر الحاجة إلى الماء عند فقدان قدر منه.
ويعد سلوك شرب الماء دالة لمقياسين فسيولوجيين مع أجهزة المراقبة المنفصلة هما: الضغط الأوزومي في الدم ومقدار السوائل في الجسم. وتمثل بعض خلايا المهاد التحتاني أيضاً وسائل المراقبة الأساسية لمستوي الضغط الأوزومي 0
ومن الممكن أن يخفف الشخص من شعوره بالعطش إذا قام ببل فمه بالماء، أو بمضع اللبان لإثارة اللعاب. ولكن دافع العطش لا يزول نهائياً إلا بحصول الجسم علي الكمية اللازمة له من الماء. وقد أجريت تجربة وضعت فيها كمية من الماء في معدة كلب مباشرة عن طريق أنبوبة متصلة بها، أي بدون مرور الماء بالفم لتحاشي تأثير الماء علي جفاف الفم والحلق. وقد قدم الماء للكلب عقب ذلك مباشرة، فشرب منه مقداراً كافياً، مما يدل علي أن جفاف الفم يعد عاملاً مهما في شعور الكلب بالعطش، لكنه ليس العامل الأساسي مثلما هو الأمر بالنسبة لتقلصات المعدة عند الإحساس بالحاجة للطعام. فعند إعادة التجربة السابقة، مع عدم تقديم الماء للكلب إلا بعد 15 دقيقة من وضع الماء في معدته، وهي مدة كافية لوصول الماء إلى أنسجة جسمه، لم يشرب الكلب شيئاً من الماء، مما يدل علي أن دافع العطش قد أشبع عن طريق وصول الماء إلى أنسجة الجسم.
ويتأثر دافع العطش، أيضاً كدافع الجوع بالتعلم وبالعوامل الإجتماعية، فتنشأ عن ذلك ميول خاصة لشرب أنواع معينة من السوائل مثل الشاي والقهوة في ثقافتنا المصرية، أو بعض أنواع المشروبات الكحولية في الثقافات الأوروبية المختلفة 0
جـ- دافع الجوع للهواء :
إذا كان الطعام والماء مصدرين للطاقة، فإن الأكسجين هو العنصر الضروري لإحتراق هذه الطاقة في الجسم وتوليد الحرارة اللازمة له. والحاجة إلى الأكسجين عملية حيوية للغاية لأن الخلايا تحتاج إلى أن تزود بالأكسجين حتي لا يحدث فيها تأكسد. فالمخ، علي سبيل المثال، يمكن أن يظل سليماً (دون عطب) لفترة قصيرة جداً في ظل نقص الهواء النقي. فغياب الأكسجين لمدة دقيقة واحدة يمكن أن يؤدي إلى إصابة عضوية في المخ يصعب الشفاء منها. كما أن بعض حالات التخلف العقلي تحدث نتيجة لنقص وصول الأكسجين إلى الأنسجة لفترة زمنية محدودة أثناء عملية الولادة.
ويرتبط الجوع للهواء كظاهرة ملموسة بتجميع ثاني أوكسيد الكربون في الرئتين، وليس مجرد النقص الحاسم في الأكسجين. ويبين لنا هذا أن بعض حالات نقص الأكسجين ( مثل تحكم الشخص في عملية تنفسه بإيقافها) تؤدي إلى جوع للهواء، بينما قد لا تؤدي الحالات الأخري إلى ذلك (مثل دخول الشخص لمنجم ملئ بالغاز). فالحاجة إلى التنفس (الأكسجين) تؤدي إلى دافع قوي، حتي في ظل الظروف العادية لتوفر هواء مناسب 0
د- دافع التعب :
يؤدي شعور الكائن الحي بالتعب إلى حاجة قوية للراحة. وتتمثل التغيرات الفسيولوجية الأساسية التي ترتبط بالتعب في تراكم "حمض اللبنيك" فى الدم. وعلي الرغم من أنه من المعروف أن "حامض اللبنيك" يتراكم نتيجة للتقلصات العضلية، لكن من غير المعروف الكيفية التي يتغير بها ذلك عند المستوي العصبي الفسيولوجي.
وتتباين آثار التعب الشديد علي السلوك طبقاً لطبيعة المهام المطلوب أداؤها. فكفاءة أداء بعض المهام البسيطة تتأثر تأثراً ضئيلاً، حتي في ظل فترات الأرق التي تصل إلى مائة ساعة متصلة. أما أداء المهام الأكثر تعقيداً، فقد تبين أنها تتأثر بشدة في ظل الفترات القصيرة من الأرق.
ويبدو بعض الأشخاص متعبين طوال الوقت. وفي مثل هذه الحالات لا يعد التعب دالة للجهد الجسماني أو الأرق، بل ربما تكون الأسباب الإنفعالية هي المسئولة عن ذلك. وبالتالي يصبح من الصعب التغلب علي حالات التعب هذه بالراحة التامة، لأنه من المفروض علاج الأسباب الحقيقية المتمثلة في الإضطرابات الإنفعالية.
هـ- دافع الجنس:
نظراً لأن الدافع الجنسي يرتبط بالعديد من المتغيرات الإجتماعية والأخلاقية، ويكون إشباعه في العديد من الثقافات محكوماً بقيود عديدة، فإنه يعد بالتالي مسئولاً عن نسبة كبيرة من التباين في السلوك أكثر من الأنساق الدافعية الأخري فسيولوجية المنشأ.
والدافع الجنسي، علي عكس الدوافع الفسيولوجية الأخري، لا يرتبط إشباعه بإستمرار حياة الكائنات الحية. ويرتبط أسلوب إشباعه لدي الإنسان بمتغيرات عديدة منها التعلم والخبرات التي يمر بها الأشخاص وما يكتسبونه من قيم وإتجاهات أثناء التنشئة الإجتماعية.
خلاصة القول: أن أشكال الدوافع التي عرضنا لتفاصيلها لا تمثل كل الدوافع الفسيولوجية. فهناك عوامل أخري عديدة تمثل مصادر فعالة للدافعية، منها علي سبيل المثال لا الحصر، الألم (2)، ودرجات الحرارة المرتفعة، والحاجة إلى التخلص من فضلات الجسم… إلخ. وبوجه عام يمكن القول بأن أي شكل من التوتر ينشا عن إضطراب "التوازن الذاتي" لوظائف الجسم، يمثل عوامل دافعة للكائن الحي لإعادة هذه التوازن إلى صورته الطبيعية وتقليل التوتر.
(ب) الدوافع السيكولوجية:
يستخدم مفهوم الدوافع السيكولوجية لتصنيف فئة عريضة من حالات الدافعية التي لا تربطها علاقة مباشرة بالتكامل البيولوجي للكائن الحي. وبالتالي فهذه الدوافع تقابل فئة الدوافع التي عرضنا لها في الجزء السابق (الدوافع الفسيولوجية)، علي إعتبار أن الأسس الفسيولوجية المسئولة عنها أقل وضوحاً. وأن المترتبات الفسيولوجية لها ليست مهمة مقارنة بالمترتبات السيكولوجية.
وهناك عدد كبير من الأنشطة الدافعية التي يمكن أن تطلق عليها المسمي العريض للدوافع السيكوولوجية، والتي نصنفها في فئتين نوعيتين هما:
1- الدوافع الداخلية الفردية 2- الدوافع الخارجية الإجتماعية
وهو ما نعرض لتفاصيله علي النحو التالي:
1- الدوافع الداخلية الفردية:
وهي الدوافع التي تتمثل في سعي الكائن الحي أو الشخص للقيام بشئ معين لذاته. فهي بمثابة دوافع فردية تحقق الذات للشخص، حيث ترتبط بوظائفه الذاتية وتحقق توازنه خلا إستجاباته المختلفة. وهذا النوع من الدوافع يقف وراء الإنجازات المتميزة والإبداعات البشرية في الفكر والسلوك. وأهم هذه الدوافع ما يلي:
أ- دوافع الفضول (حب الإستطلاع):
ويعد الإهتمام بالفضول كعامل دافعي حديث نسبياً في علم النفس. والمقصود به ميل الكائن الحي ورغبته في إستكشاف معالم البيئة السيكولوجية به والوقوف علي جوانبها الغامضة.
وقد تمت دراسة الفضول لدي الحيوانات الدنيا مثلما درس لدي الإنسان تماماً. وهناك تجارب معملية عديدة أجريت علي الفئات لتحديد إلى أي مدي يؤدي تغير المنبه والجدة إلى إثارة دافعية هذه الكائنات الحية.. فحينما أعطيت الفئات الفرصة للإختيار بين إستجابتين تم تدعيم كل منهما، قامت بتغيير إختياراتها من إستجابة للأخري. فبعد أن كانت تتجه إلى جهة اليمين في متاهة علي شكل حرف T (الإستجابة الأولي) إتجهت بعدها مباشرة إلى جهة اليسار (الإستجابة الثانية) والعكس بالعكس. ويعني ذلك أن الفئات تستجيب للمنبهات المتغيرة علي أساس تفضيلها لتغيير إستجاباتها.
كما أمكن دراسة دافع الفضول لدي مجموعات متباينة الخصال من المبحوثين الآدميين. وتبين أنه حتي الأطفال الصغار يفضلون النظر إلي بعض الأشكال المعقدة، مقارنة بالأشكال البسيطة. وذلك من خلال مؤشر الفترات الزمنية لتثبيت أبصارهم علي كل منها.
ب- دافع الكفاءة :
وترتبط الكفاءة إرتباطاً وثيقاً بالعمليات الخاصة بدافع الفضول ومختلف الوظائف الإدراكية التي تمكن الكائن الحي من تحقيق أفضل نمو وإرتقاء وإستغلال لقدراته من أجل مواجهة متطلبات البيئة التي يعيش فيها. أي أن دافع الكفاءة يعني إستخدام الكائن الحي لقدراته ووظائفه الإدراكية والحركية بأفضل شكل ممكن.
وفي معظم الثدييات نجد أن مهارات الكفاءة ترتقي أثناء مراحل اللعب التي تميزها بوجه عام، لكن الدافعية للكفاة لا تقتصر علي الصغار. فالكائنات الحية الناضجة لديها دافعية قوية لتحقيق الأداء الفعال، علاوة علي الدوافع الوسيلية التي يستخدم فيها هذا السلوك من أجل الوصول إلى بواعث أخري.
ويستخدم مفهوم الكفاءة في بعض الأحيان بمعني عام يمكن أن يشمل بعض الدوافع النوعية الأخري. ودون إعتبار لكيفية تصنيف هذه الدوافع النوعية، نجد أن كلا من المهارات والوظائف الإدراكية والحركية، فضلاً عن الأنشطة الخاصة بالبحث عن المعلومات، تدفع الكائن الحي بدرجة كبيرة جداً إلى تحقيق بعض أهدافه.
جـ – دافع الإنجاز :
والإنجاز هو النوع الأخير من الدوافع الداخلية الفردية. وهو علي خلاف دافعي الفضول والكفاءة، يقتصر علي الكائنات الحية البشرية. كما أنه كان موضوعاً لبحوث مكثفة أكثر مما هو الأمر بالنسبة لدافعي الفضول والكفاءة. والمقصود بالدافعية للإنجاز هو جهاد الفرد للمحافظة علي مكانة عالية حسب قدراته في كل الأنشطة التي يمارسها، والتي يحقق بها معايير التفوق علي أقرانه، وحيث يكون القيام بهذه الأنشطة مرتبطاً بالنجاح أو الفشل 0
وهناك فرق أساسي بين مجال الإنجاز وكل من الكفاءة والفضول. فالدافعية للكفاءة تشير إلى تدريب وتنمية المهارات الإدراكية والحركية والعقلية، بينما يشير الإنجاز إلى محاولات أكثر تعقيداً، تستمر فترات زمنية أطول مثل تلك التي ترتبط بالأمور الأكاديمية والمهنية. فسلوك "العدو " علي سبيل المثال، يمكن إعتباره في حد ذاته حالة من الدافعية للكفاءة، ولكن حينما يتم في موقف تنافس مثلما هو الأمر في سياق للعدو أو في مباراة لكرة القدم، فإنه يتحول في هذه الحالة إلى دافعية للإنجاز، ومع ذلك فالتنافس مع الآخرين في مواقف الحياة الإجتماعية ليس عاملاً جوهرياً للدافعية للإنجاز، وذلك علي أساس أنه يرتبط بالعوامل السيكولوجية الشخصية 0
2- الدوافع الخارجية الإجتماعية :
وهي الدوافع التي تنشأ نتيجة لعلاقة الكائن الحي بالأشخاص الآخرين ومن ثم تدفع الفرد للقيام بأفعال معينة إرضاء للمحيطين به أو للحصول علي تقديرهم أو تحقيق نفع مادي أو معنوي، وزيادة هذا النوع من الدوافع يقتل روح المبادأة والإبتكار. وأهم هذه الدوافع: الإنتماء والسيطرة والإستقلال. والدافعان الأولان (الإنتماء والسيطرة) يشترك فيهما بالكائنات الحية تحت البشرية مع الإنسانية، بينما دافع الإستقلال خاصية إنسانية فريدة يماثل دافع الإنجاز في فئة الدوافع الداخلية للفرد. ونعرض لتفاصيل ذلك علي النحو التالي:
أ- دافع الإنتماء :
ويقصد به كل نوع من أنواع الكائنات الحية يمثل لبعضه البعض منبهات خاصة فعالة. بمعني آخر، يشعر أفراد كل نوع من الكائنات الحية بالحاجة إلى التقارب والتجاذب في إطار جماعي. فالأطفال، علي سبيل المثال، ينجذبون إلى وجوه الأشخاص الآخرين كنوع خاص من التنبيه. وهنا لا يوجد أي مبرر لا دعاء وجود عامل وراثي خاص لتفسير ذلك. فالأشخاص بوجه عام ، ووجوههم بوجه خاص تعد من أكثر الموضوعات الفعالة والمعبرة التي نواجهها أثناء تفاعلاتنا الإجتماعية وعلاقتنا المتعددة بين بعضنا البعض. وهناك العديد من الشهواد التي يفترض بها تساهم في إرتقاء "القيمة الباعثة القوية" التي يمثلها الشخص بالنسبة للآخر.
وقد أشارت البحوث التي أجريت علي صغار القرود إلى الدور الجوهري الذي يمكن أن يقوم به التقارب الجسمي (كما يعبر عنه قفز الصغير علي أمه) في إرتقاء الإستجابة الإنفعالية للقرود.
ويعد اللجوء إلى الأشخاص الآخرين كوسيلة للدعم الإنفعالي، كما هو الأمر في موقف البحث عن خفض القلق،عملية شائعة ويمكن ملاحظتها بسهولة في كثير من مواقف التفاعل الإجتماعي. وهي إحدي المشكلات الهامة التي نالت حظها من الدراسات السيكولوجية المكثفة.
وبعيداً عن هذه الأمثلة، تعد الكائنات الحية البشرية أكثر الملامح البيئية الجوهرية لمختلف أشكال الإشباع التي نبحث عنها لدوافعنا. فالحاجة إلى الإنتماء لجماعة والتي تأخذ شكل العلاقات الإنسانية الحميمة بما تنطوي عليه من أشكال سلوكية موجهة إلى الأشخاص الآخرين، تعد دعامة قوية في حياتنا. كما أن إنتشار مثل هذه الدوافع يساهم بصورة جوهرية في بقاء الأنوع، بما فيها الأنواع البشرية والحيوانية 0
ب- دافع التنافس والسيطرة ( للحصول علي المزايا الإجتماعية والمادية).
تعد الرغبة في السيطرة وإثبات الذات من الدوافع الشائعة لدي الإنسان والحيوان علي السواء. ويظهر دافع السيطرة بوضوح فيما نشاهده بين أفراد مختلف المجتمعات من تنافس شديد. فالأطفال يتنافسون فيما بينهم في البيت والمدرسة والنادي. ويحاول الطفل أيضاً أن يتفوق علي زملائه. وأن يسيطر عليهم، وأن يحتل بينهم مكان الصدارة والزعامة. ويتنافس الكبار أيضاً في سبيل الرزق، وفي سبيل الشهرة وتولي المناصب العليا، والإستيلاء علي مصادر القوة في المجتمع. وفي هذه الحالة يقترب دافع السيطرة مما اسماه "الفريد أدلر A. Adler " بدافع القوة , وإن كان مفهوم القوة أكثر غموضاً لأن "أدلر" يعتمد في تفسيره له علي المفاهيم التحليلية النفسية 0
ونستطيع أن نشاهد مظاهر السيطرة بين الحيوانات أيضاً. ففي مجتمع الأفيال، علي سبيل المثال، تخضع المجموعة لسيطرة الفيل الأكبر الذي يقودها في حركاتها في الغابة. ونشاهد ذلك أيضاً في مجتمعات القردة والشمبانزي، والبط والأوز وأسراب الطير التي نشاهدها وهي تطير في نظام دقيق خلف قائدها.
ولتجارب وخبرات الطفولة تأثير مهم في إكتساب الأفراد لدوافعهم. فإذا كانت الأسرة تدفع الطفل دائماً إلى التنافس مع الغير، وإلي التفوق عليهم، وإذا كانت تعاقب الفشل والضعف، وتشجع القوة والإنتصار والتفوق ، فإننا سنتوقع إكتساب الأفراد لدافع السيطرة وإثبات الذات نتيجة لهذه الأساليب من التنشئة الإجتماعية.
كما أن لبعض الخبرات الشخصية تأثيراً مهماً أيضاً في إكتساب دافع السيطرة. فإذا كان لجوء الطفل إلى التنافس والسيطرة مفيداً في إشباع حاجاته ودوافعه الأخري، فإنه سيميل في المستقبل إلى اللجوء لمثل هذه الأساليب التي أثبتت نجاحها في الماضي أما إذا لقيت أساليب التنافس والسيطرة عند بعض الأطفال فشلاً، أو إذا أدت إلى العقاب أو الحرمان والضرر، فإن هؤلاء الأطفال سيميلون في المستقبل إلى التخلي عن أساليب السيطرة. وقد يكتسبون سمة الخضوع كوسيلة مفيدة في إشباع دوافعهم وتحقيق أهدافهم. وفي كثير من الأحيان يعتبر الخضوع وسيلة مفيدة لتحقيق الأهداف 0
جـ- دافع الإستقلال عن الآخرين:
يعرف الدافع للإستقلال علي أنه "رغبة الشخص وحاجته لعمل المهام المطلوب منه بنفس ". ومن الواضح أننا نجد هذا الدافع لدي الطفل الصغير الذي يبدأ في تقدير حاجته إلى الوجود المستقل. كما أننا نجده في كل المستويات العمرية، وفي أشكال عديدة من السلوك.
ومن الواضح أن الدافع إلى الإستقلال يتصارع غالباً مع بعض الدوافع الإجتماعية الأخري. فالدافع إلى الإستقلال يقود الشخص إلى التعبير عن نوع من الدوافع المضادة للإنتماء إلى الجماعات، وربما يجبر الشخص علي فقدان مقدار معقول من التحصيل (في حالة حدوث الإنجاز بمساعدة الآخرين).
والذكور في مجتمعنا يسلكون بشكل يتسم بالإستقلال أكثر من الإناث، علي أساس تدعيم ذلك خلال عملية التنشئة الإجتماعية. وبالتالي يكون هذا الدافع أقوي لدي الذكور.
التفاعل بين الدوافع والفسيولوجية والسيكولوجية:
عرضنا فيما سبق لوصف فئتي الدوافع الفسيولوجية والدوافع السيكولوجية، كل علي حدة لكن يوجد في الواقع تفاعل كبير بين هاتين الفئتين المختلفتين من الدوافع. فالأثر البالغ للدافع من منبه خارجي قد يزداد كثيراً من جراء إقترانه بأثر ناشئ عن منبه داخلي والعكس بالعكس. وحتي برغم ذلك ربما لا يكون أحدهما علي قوة كافية لتنشيط الدوافع. كذلك يحتمل جداً أن تتيح عملية التفكير فكرة معينة مثيرة للدوافع عندما يكون التنبيه من البيئة الداخلية أو الخارجية أو منها معاً أقل ما يمكن، وعلي العكس فإن وجود هذه الفكرة قد يقوي أثر المنبهات الخارجية أو الداخلية. ذلك أن الفكرة العابرة عن الطعام قد لا تكفي وحدها لإثارة دافع الجوع الفعال، إلا إذا صاحبها تقلص المعدة قليلاً (تنبيه داخلي) ورؤية الطعام (تنبيه خارجي).
أي أنه يمكن إثارة الدوافع بطرق متنوعة منها البيئة الداخلية للجسم، وذلك علي أساس أن إضطراب التوازن الذاتي لوظائف العمليات الجسمية يؤدي بالشخص إلى القيام بفعل موجه نحو هدف إستعادة التوازن الذاتي. ومن مصادر إثارة الدوافع الأشياء والظروف الموجودة في البيئة الخارجية. وبعض الأشياء لها صفة الحافز للشخص سواء كانت فسيولوجية ( فطرية) أو سيكولوجية (مكتسبة بالتعلم). وعلي غرار بيئة الجسم ربما يحدث في البيئة المادية والإجتماعية إختلال في التوازن الذاتي لضبط الأحداث، وبالتالي يتطلب فعلاً مدفوعاً من جانب الشخص لإعادة هذا التوازن. وقد تنتج إثارة الدوافع من تيار الأفكار في الحياة العقلية. وكل هذه الأنواع من المثيرات تتفاعل بطريقة معقدة حسب الموقف الوقتي كله. ولهذا التداخل والتعقد كان تحليل الدوافع مشكلة شائكة أمام الدراسة العلمية كما سبق أن أشرنا. فعوامل التنبيه القادرة عادة علي تنشيط حالة دافع معين، قد نفشل في ذلك بسبب أن الكائن الحي منغمس فعلاً في حالة دافع آخر مثار بشدة، ويبدو أن بعض الدوافع تتقدم غيرها في أولية الإشباع ، فالشخص شديد الجوع لا يتعرض لإثارة دافع آخر مثل الإنجاز أو التحصيل إلا إذا أشبع دافع الجوع 0
وخلاصة القول: أن هناك تفاعلا واضحاً بين كل أنواع الدوافع، سواء الفسيولوجية أو السيكولوجية. وهو ما ينبغي أن نعيه جيداً حتي يمكن أن نفهم الدوافع أفضل فهم ممكن.
(4) النظريات المفسرة للدافعية :
أشرنا في البداية إلي ثراء موضوع الدافعية وخصوبته. ومدي أهميته سواء عند التعامل معه علي المستوي النظري أو الواقعي. وقد ساهمت هذه المكانة التي يحتلها موضوع الدافعية في وجود مناخ نظرية أو توجهات نظرية متعددة، نظر كل منها إلى الدافعية من زاوية مختلفة. لذلك كانت أهمية التوقف أمام هذه الأطر النظرية لكي نتبين معالمها العامة.
وفي هذه المحاولة سوف نعرض لبعض النظريات الممثلة للأطر النظرية الكبري في الميدان. فرغم تعدد النظريات المفسرة للدافعية، إلا أنه يمكن تصنيفها علي النحو التالي:
1- نظريات الحافز 0
2- نظريات الجذب 0
3- نظريات الإستثارة الوجدانية 0
4- النظريات المعرفية 0
5- النظريات الإنسانية 0
وهو ما نعرض له كما يلي:
1- نظريات الحافز:
وتسمي هذه الفئة من النظريات أحياناً بنظريات الحاجة – الحافز – الباعث. ويعني ذلك أن حالات الحرمان هي أساس وجود الحافز. فحاجات الكائن الحي هي التي تثير الحوافز، التي تعد بمثابة التمثيل السيكولوجي لها، وأن هذه الحوافز هي التي تعبئ النشاط حتي يتمكن الكائن الحي من الوصول إلى موضوع الهدف أو الباعث ثم ينخفض الحافز في النهاية بعد إشباع الحاجة.
والمثال الشائع هنا هو الجوع. فإتمام عملية هضم الطعام والتمثل الغذائي له، يثير الحاجة إلى الطعام مرة أخري، وهذه الحاجة تثير حافز الجوع الذي يعبئ نشاط الكائن الحي حتي يصل للطعام (الباعث)، وبالتالي ينخفض الحافز بتناول الطعام.
والحاجة والحافز مفهومان متميزان كما سبق أن أشرنا، وذلك لأن الحيوان المحروم من الطعام ربما لا يكون جائعاً في كل الأوقات. كما أن الحافز لا يمكن أن ينخفض في بعض الأحيان دون أن تشبع الحاجة، والمثال علي ذلك حينما يكافأ الحيوان الجائع بمحلول سكري ليس به غذاء.
وتعد نظرية " هل" نموذجاً لهذه الفئة من النظريات، وتعرض لها بإختصار كما يلي:
نظريـــة "هل C. Hull ".
يري كلارك " هل " أن أي فعل يقوم به الكائن الحي تسبقه (أو تصاحبه) حاجة تدفع أم تحفز النشاط المرتبط بها. وهذا ما تضمنته معادلة هل الشهيرة علي النحو التالي:
(جهد الإستثارة = قوة العادة × الحافز × دافعية الباعث).
ويشير "جهد الإستثارة" إلي ميل الكائن الحي إلى إصدار إستجابة معينة، وتتحدد درجة هذا الميل إما من خلال سرعة الإستجابة أو سعتها أو مقاومتها للخمود.
وتتضمن حدود المعادلة في الجانب الأيسر منها علي مفاهيم دافعية. فتشير "قوة العادة" إلي درجة تعلم الكائن الحي لإستجابة معينة، ومن ثم ترتبط قوة العادة بعدد المرات التي إصدر فيها الكائن الحي إستجابة ما وتلقي عليها تدعيماً، كما أنها تقضي بوجود حافز لكي يتم تقديم التدعيم المناسب.
ويشير "الحافز" إلى درجة التوتر التي يشعر بها الكائن الحي نتيجة إختلال "التوازن الذاتي." لديه. فكلما زاد هذا الإختلال زاد الحافز، وكلما زاد الحافز كانت الإستجابة أسرع وأكثر مقاومة للخمود.
وتشير "دافعية الباعث" إلى حجم المكافأة المقدمة للكائن الحي ونوعها لمساعدته علي إصدار الإستجابة.
ولا يمكن بحكم هذا المعني أن يصدر الكائن الحي سلوكاً معيناً في غيبة الحافز، أو بمعني آخر: دون أن يكون مدفوعاً بحافز من الحوافز. ويتضمن التدعيم عند "هل" خفضاً في منبه الحافز، أو بمعني آخر إعادة الكائن الحي إلي حالة التوازن. ويعد خفض الحافز أمراً هاماً للغاية سواء عند "هل" أو عند زملائه من أمثال "ميللر Miller " ودولارد Dollard 0
2- نظريات الجذب:
وتقوم هذه الفئة من النظريات علي أساس إفتراض أنه من الممكن الوقوف علي السلوك المدفوع دون الإستعانة بمفهوم الحافز المعبئ للطاقة، وبالتالي فهي تقف في مقابل نظريات الحافز التي عرضنا لها 0
بمعني آخر: حاول بعض الباحثين التقليل من أهمية الدور الذي تلعبه الحوافز في تشكيل دافعية الفرد أو الآثار التي تتركها الحالات الداخلية في دافعيته. ومن ثم فإن الهدف الخارجي هو الذي يجذب الفرد وليست الحاجة أو الحالة الداخلية له لذلك يطلق علي هذه الفئة من النظرية أحياناً نظريات الجذب في تناولها لمفهوم الدافعية 0
ويعني ذلك أن هذه الفئة من النظريات إستخدمت مفهوم العادة بديلاً عن مفهوم الحافز. فحينما نسمع جرس الباب الخارجي، فإننا نفتحه. وفي هذه الحالة لا نحتاج إلى حافز داخلي لفتح الباب أو "فضول" لمعرفة من القادم علي الباب. وذلك لأننا تعودنا أن نفتح الباب بمجرد سماع الجرس : فعادتنا هي التي تحرك السلوك حينما تكون الظروف مناسبة، وتشمل هذه العادات التنبيهات الداخلية، علي سبيل المثال تقلصات المعدة ، فضلاً عن التنبيهات الخارجية، علي سبيل المثال الدعوة لتناول الغداء.
بمعني آخر: إذا إستطعنا تحديد المبهات التي تحرك إستجاباتنا، يصبح في مقدورنا أن نتقدم دون حاجة إلى ما يطلق عليه الحوافز. أي أن كل أشكال السلوك تكون محكومة بالمنبهات.
ومع أن هذه النظريات لها مبرر معقول، ويمكن إعتبارها بديلاً لنظريات الحافز، إلا أن الذين يرفضونها يعتقدون أن هناك شيئاً من الأهمية في التمييز بين تعبئة الطاقة (تنشط السلوك) وتوجيه السلوك، لكن يرد علي ذلك أنه في بعض الحالات يمكن أداء هاتين الوظيفتين من خلال منبه فردي، كما هو الحال في حالة إصابة أحد الأشخاص بحرق مؤلم. فهو في هذه الحالة بعبئ طاقته ويتجه إلى البعد عن مصدر الحرارة في نفس الوقت. هذا علي الرغم من إنفصال هاتين الوظيفتين في حالات أخري مثل تكثيف النشاط المتعلم في ظل الجوع الشديد 0
وتعد نظرية سكنر نموذجاً لهذه الفئة من النظريات نعرض لها بإختصار شديد علي النحو التالي:
نظرية "سكنر" Skinner :
إهتم "سنكر" بالبواعث الخارجية بوصفها حاكمة للسلوك، مهملا دور الحالات الداخلية للكائن الحي، ومن ثم إفترض أن البيئة الخارجية كمصدر للإثابة والتدعيم تعد مدخلال صحيحاً لزيادة إحتمال صدور إستجابة معينة أو خفض هذا الإحتمال، وهو ما يعرف عنده بالتشريط الأدائي 0 ويمكن تلخيص نظرية سكنر في هذا الصدد في المعادلة الآتية:
(تكرار السلوك = صدور السلوك + تدعيم هذا السلوك لعدد من المرات)
وتنطوي هذه المعادلة علي الصيغة التي يمكن إتباعها لإثارة دافعية الكائن الحي وتتمثل هذه الصيغة في عدد من الخطوات نذكرها علي النحو التالي:
أ- دعم السلوك المرغوب، وتجاهل السلوك غير المرغوب تماماً.
ب- تقليل الوقت الفاصل بين إصدار إستجابة مرغوبة وتدعيمها.
جـ- إستخدام مبدأ التدعيم الإيجابي للسلوك المرغوب وفقاً لجداول التدعيم المتغيرة 0
د- تحديد مستوي الإستجابة الخاصة بكل فرد وإستخدام إجراء تشكيل السلوك للحصول علي إستجابة مركبة.
هـ- تحاشي إستخدام العقاب كوسيلة لدفع الفرد إلى أداء سلوك معين 0
3- نظريات الإستثارة الوجدانية :
تقوم هذه الفئة من النظريات علي أساس إفتراض أن أشكال السلوك التي يتجه الكائن الحي إلى القيام بها هي التي تحقق له الإشباع أو تمثل مصدر سرور بالنسبة له، بينما أشكال السلوك التي يتجنبها فهي التي تزعجه أو تمثل مصدر ضيق بالنسبة له، ومن هنا يعد الإنفعال محدداً مهما للسلوك المدفوع أو علي الأقل مصاحباً أساسياً له.
فهذه الفئة من النظريات تتبني موقفا نظرياً مؤداه أن المترتبات الإنفعالية تمثل ملامح جوهرية للسلوك المدفوع. وذلك علي أساس أن مظهر السلوك المؤدي للهدف في مختلف أنواع الدوافع هو بالفعل الإنفعال الإيجابي (السرور) ، وأن مظهر سلوك التجنب هو بالفعل الإنفعالي السلبي الضيق 0
وهناك نظريات عدة قدمت في إطار هذا التصور النظري منها نظرية "سيلجمان" (M. Seligman, 1975) ، ونظرية "ماكليلاند" (D. Mcclelland, 1953). والنظرية الأخيرة هي ما نعرض لملامحها بإختصار علي النحو التالي:
نظرية ملاكليلانـــد:
يعرف ماكليلاند الدافع، في إطار نظريات الإستثارة الوجدانية، بأنه حالة إنفعالية قوية تتميز بوجود إستجابة هدف متوقعة، وتقوم علي أساس إرتباط بعض الهاديات السابقة بالسرور أو الضيق. ولهذا فإن توقع السرور أو الضيق الذي يقوم علي أساس ما حدث في الماضي ، هو المسئول عن حدوث السلوك المدفوع 0
أي أن هذه النظرية تفترض أن الدافع ما هو إلا رابطة إنفعالية قوية تقوم علي مدي توقعنا لإستجاباتنا عند التعامل مع أهداف معينة، وذلك علي أساس خبراتنا السابقة. فإما أن نتوقع بناء علي خبراتنا السابقة أن في التعامل مع الهدف ما يحقق السرور لنا، فيتولد لدينا سلوك الإقتراب، أو نتوقع شعوراً بالضيق والألم، فيتولد سلوك التجنب. ومن ثم يمثل الميل إلى الإقتراب أو التجنب دوافع مكتسبة تقوم علي أساس خبراتنا السابقة إزاء التعامل مع منبهات الحياة 0
4- النظريات المعرفية:
تؤكد النظرية المعرفية علي كيفية فهم وتوقع الأحداث من خلال الإدراك أو التفكير أو الحكم ، مثلما هو الحال في تقدير الإحتمالات أو في إختيار شئ علي أساس قيمة نسبية فأي كائن حي لديه ذاكرة يكون قادراً علي التعرف علي بعض أشكال التشابه بين الماضي والحاضر. ومن ثم يكون قادراً علي توقع المترتبات الناتجة عن سلوكه.
وطبقاً لهذه النظريات المعرفية، ينتظم السلوك المدفوع الهادف من خلال هذه المعارف التي تقوم علي أساس الماضي في علاقته بالظروف الحالية، كما يشمل ذلك التوقعات الخاصة بالمستقبل 0
وهناك أشكال عديدة من النظريات المعرفية التي إهتمت بالدافعية منها "نظرية مستوي الطموح ونظرية توقع القيمة (2)ونظرية التنافر المعرفي 0
والنظرية الأخيرة هي ما نعرض لها بإختصار علي النحو التالي:
نظرية التنافر المعرفي "لفستنجر Festinger ":
وتري هذه النظرية ، طبقاً "لفستنجر" ، أن الأشخاص يسعون إلى تحقيق الإتساق داخل أنساق معتقداتهم، وتحقيق الأتساق بين أنساق معتقداتهم وسلوكهم. ومع ذلك هناك "تنافر" داخل أنساق معتقدات معظم هؤلاء الأشخاص كما يوجد تنافر بين بعض عناصر أنساق معتعقداتهم وسلوكهم.
وعندما يمتد التنافر إلى أشياء تمثل أهمية بالنسبة للأفراد تنشأ لديهم حالة من التوتر وعدم الإرتياح ، يطلق عليها "فستنجر" التنافر المعرفي، وهذه الحالة عندما يشعر الفرد بها تدفعه إلى أن يخفض درجة التنافر أو يستبعده بهدف تحقيق الأتساق. ومن ثم يعد التنافر المعرفي مصدراً للتوتر يؤثر في سلوك الأشخاص.
وفي هذا الإطار تفترض هذه النظرية أن لكل منا عناصر معرفية تتضمن معرفة بذاته ( ما نحبه وما نكرهه وأهدافنا وأشكال سلوكنا)، كما أن لدي كل منا معرفة بالطريقة التي يسير بها العالم من حولنا. فإذا ما تنافر عنصر من هذه العناصر مع عنصر آخر، بحيث يقضي وجود أحدهما منطقياً بغياب الآخر، كأن نعتقد مثلاً في ضرر التدخين في الوقت الذي ندخن فيه بشراهة، حدث التوتر الذي يملي علينا ضرورة التخلص منه.
وهناك أكثر من طريقة يمكن لنا بها خفض التوتر الناتج من التنافر المعرفي، والعودة إلى حالة الأتساق. فأماأن نغير أحد الإعتقادين السابقين، كأن نقلع عن التدخين أو لا نري فيه ضرراً. أو نلجأ إلى طريقة ثالثة نضمن خلالها مع هذين الإعتقادين إعتقاداً ثالثاً أو عنصراً معرفياً ثالثاً مؤداه أن هناك العديد من الأشخاص الذين يدخنون بشراهة، ولم يحدث لهم أي ضرر 0
5- النظريات الإنسانية:
تكمن جذور النظريات الإنسانية في الدافعية في الفلسفة الوجودية التي تؤكد علي الإرادة الحرة للإنسان، وتحديده لأفعاله من خلال عملية الإختيار. وهذه الإختيارات كما يري أصحاب هذا المنحي ليست بالإختبارات المحددة علي نحو ما إفترض بعض المنظرين الآخرين ممن عرضنا لنظرياتهم ( مثل أصحاب النظريات المعرفية ) بل هي إختيارات يصعب التنبؤ بها.
ويضفي المنظرون الإنسانيون أهمية كبري علي الخبرة الشخصية وفينومينولوجية الشخص كما أنهم يركزون علي النمو السيكولوجي للشخص والتوظيف الكامل لإمكاناته. ويتحدد السلوك البشري في ضوء هذه النظريات من خلال مجاهدة الفرد في سبيل تحقيق ذاته، وأن التنبؤ بهذا السلوك محكوم تماماً بمنطق الإرادة الحرة.
وهناك نظريات عديدة قدمت في ظل هذا الإطار النظري منها نظرية "لينج R.Laing " ونظرية "روجز C. Rogers" ونظرية "ماسلو A. Maslow" والأخيرة هي ما نعرض لتفاصيلها علي النحو التالي:
نظرية ماسلو:
صنف ماسلو الدوافع البشرية في إطار نظريته، ونظمها في شكل هرمي متدرج. وقد إستندت هذه النظرية علي عدد من المسلمات نذكر منها ما يلي:
1- تنظيم حاجات الإنسان في شكل هرمي متدرج , يبدأ بالحاجات الفسيولوجية، ثم حاجات الأمن، ثم حاجات الإنتماء، ثم حاجات تقدير الذات ثم حاجات تحقيق الذات، ثم حاجات الفهم والمعرفة0
وهذا التدرج هو تدرج الإلحاح من أجل الإشباع، بمعني أن الحاجات التي تأتي في الصدارة هي التي تستحوذ علي إنتباه الفرد. وتقل بالتالي قدرة الحاجات الأخري علي جذب إنتباهه.
2- يتطلع الفرد دائماً للحصول علي أشياء مختلفة، ومن ثم لا تشبع الحاجات كاملة. فما أن تشبع حاجة، إلا وتخفت أهميتها، وتبرز بالتالي حاجة أخري. وهذه العملية مستمرة ولا تنتهي أبداً، والهدف منها جعل الفرد دائماً في حالة تعبئة مستمرة من الطاقة.
3- تتوقف الحاجة بعد إشباعها عن دفع السلوك، ويتحرك سلوك الفرد عندئذ بتأثير حاجات أخري لم تشبع.
4- تتداخل الحاجات فيما بينها، فما دامت الحاجة لا تختفي عندما تبرز حاجة أخري فإن الحاجات لا تشبع إلا جزئياً 0
وقد حدد "ماسلو" الحاجات الفسيولوجية بأنها تلك التي تكفل بقاء الفرد مثل الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء والنوم ودرجة حرارة معينة. وهذه الفئة من الحاجات هي التي تتصدر قائمة الحاجات المختلفة في حالة عدم إشباعها فمنتهي أمثل الفرد الذي يشعر ببرودة شديدة أن يجد مكاناً دافئاً وللحاجات الفسيولوجية بعض الخصائص المشتركة نذكر منها أنها:
( أ ) مستقلة نسبياً بعضها عن البعض الآخر.
(ب) ترتبط بأجزاء أو مواضع معينة من الجسم.
(جـ) يتعامل معها الكائن الحي في فترات متقاربة حتي تظل مشبعة.
( د ) يستعد لها الكائن الحي بطريقة إرادية.
وحدد ماسلو حاجات الأمن بأنها تتمثل في رغبة الفرد في الحماية من الخطر والتهديد والحرمان والتي قد تأخذ، علي سبيل المثال، شكل الرغبة في التأمين الإقتصادي (توفير وإدخار) ، أو الرغبة العقلية في وجود عالم منظم يمكن التنبؤ بأحواله. وتبرز هذه الحاجات إلى الأمن بعد أن تشبع نسبياً الحاجات الفسيولوجية.
كما حدد حاجات الحب والإنتماء في رغبة الفرد في الإنتماء والإرتباط بالأفراد الآخرين والقبول من جانب الأقران. ويظهر إلحاح هذه الحاجات في تصور "ماسلو" بعد أن يتحقق الإشباع للحاجات الفسيولوجية وحاجات الأمن السابقتين عليها في المدرج الهرمي للحاجات.
وحدد حاجات تقدير الذات بعد ذلك ، في الرغبة في تقدير الذات وتقدير الآخرين لها. ويؤدي إشباع هذه الحاجات إلى تولد الشعور بالقيمة والإقتدار، ويؤدي عدم إشباعها إلى الشعور بالدونية والإنحطاط 0
وحدد أخيراً حاجات تحقيق الذات في رغبة الفرد في تحقيق طاقاته وإمكاناته الكامنة. ويعبر "ماسلو" عن هذا المعني لتحقيق الذات بقوله "أن يكون الفرد ما يستطيع أن يكون".
ويعتمد تحقيق الذات أيضاً علي الفهم أو المعرفة الواضحة لدي الفرد بإمكاناته الذاتية وحدودها. فلا بد أن يعرف الفرد ما يمكن أن يفعله قبل أن يعرف أنه يفعله قبل أن يعرف أنه يفعله بكفاءة وإتقان. وهذه الرغبة تمثل قمة المدرج الهرمي 0
ويمكن تصنيف الحاجات الست التي يتكون منها المدرج الهرمي للحاجات لدي ماسلو في ثلاث فئات عريضة هى الحاجات العقلية والإجتماعية والشخصية 0
(5) أبعاد الدوافع :
نظرتاً لتنوع الدوافع وبنائها كما سبق أن رأينا، يصبح من الضروري تنظيمها عبر عدد من الأبعاد كخطوة مبدئية قبل الإنتقال إلى معرفة أساليب قياسها في الجزء التالي لذلك. وأهم أبعاد الدوافع هو ما يلي:
1- مدة البقاء أو الإستمرار:
تعد الفترة الزمنية لبقاء الدوافع من أكثر الأبعاد وضوحاً في وصفها. فمن ناحية تستمر بعض الدوافع فترة زمنية قصيرة جداً وسرعان ما تنتهي. ومثال ذلك شعور الطالب بأنه في حاجة إلى أن يشكر أستاذه علي إلقائه محاضرة شيقة ومفيدة. ومن ناحية أخري تستمر تستمر بعض الدوافع فترات زمنية طويلة. ومثال ذلك طموح الشخص لأن يصعد السلم الإقتصادي والإجتماعي من خلال نجاحه في المشروعات التجارية والأمور الإجتماعية. وهذه الفئة الأخيرة من الدوافع لها تشعبات سلوكية عديدة، فضلاً عن إستمرارها فترات زمنية طويلة. وبين هاتين الفئتين المتطرفين من الدوافع (قصيرة المدي الزمني وطويلة المدي الزمني) يوجد عدد لا نهائي من أنماط الدوافع التي تتباين درجات بقائها الزمني، وهذه الدوافع هي الأكثر شيوعاً.
2- الطابع الدورى :
والمقصود بها أن دوافع الكائنات الحية تمر بدوره كاملة تبدأ بالحاجة الشديدة إلى إشباع الدوافع، ثم الإشباع وخفض التوتر، ثم الحاجة مرة أخري.
وتعد هذه الخاصية الدورية للدوافع من الخصائص المرئية. ويكون هذا التكرار الدوري أكثر وضوحاً في الدوافع ذات المنشأ الفسيولوجي الداخلي. فكل الكائنات الحية عليها أن تتناول الطعام بصورة منتظمة حتي تستمر علي قيد الحياة، والأمر نفسه بالنسبة للشراب والراحة.. إلخ وهنا يصبح من السهل أن نفهم السبب في أن الدافعية للأكل والشرب خاصية دورية للكائنات الحية.
3- السكون :
ويقصد بهذا البعد أن بعض الدوافع قد تتسم بالسكون بصورة تامة لفترات زمنية طويلة، ثم تعاود الظهور فجأة بقوة كبيرة حينما تصبح الظروف مناسبة. ومثال ذلك، أن الشخص الذي يحقد علي المكانة الإجتماعية التي يتمتع بها مدير الشركة التي يعمل بها ربما يظهر بعض علامات الكراهية له ، أحيانا، لكنه بوجه عام يستطيع أن يضبط دوافعه العدوانية حتي تصبح الظروف مواتية للتعبير عنها (عندما تواجه الشركة بعض الصعوبات المالية، أو عندما يقع المدير في بعض المشكلات مع الإدارة العليا لأي سبب من الأسباب).
وفي هذه الحالة يفترض أن الدافع العدواني إلى إقالة المدير والعمل في وظيفته كان كامنا (ساكنا)، أي لم يفصح عن نفسه في صورة سلوك صريح طوال فترة زمنية معينة.
4- المجال :
ويقصد بهذا البعد أن الدوافع تتباين بصورة كبيرة في المجال الذي تعبر عنه أو في مدي شموليتها، لأنه من الصعب تحديد المجال الحقيقي للدافع من خلال السلوك المدفوع بمفرده. فمحاولة الطفل لإطعام نفسه ربما تحقق له إشباع دافع الجوع (الحاجة للطعام) فقط، وخاصة إذا كانت مساعدة الراشدين له مستحيلة. كما أن هذه المحاولة يمكن أن تعبر، بالإضافة إلى ما سبق ، عن دافعية الطفل العامة لأداء بعض المهام بنفسه، خاصة إذا كانت مساعدة الراشدين له ممكنة. وبالتالي يرفضها مثلما يقوم بدفع يد الشخص الذي يحاول إطعامه تعبيراً عن رفضه للمساعدة 0
(6) قياس الدافعية:
يفضل البعض عرض مقاييس الدافعية في فئتين: مقاييس الدوافع الفسيولوجية، ومقاييس الدوافع السيكولوجية، كل علي حدة، علي أساس أن أساليب القياس المستخدمة في كل فئة من الفئتين تختلف عن بعضها البعض في إجراءاتها. لكن الواقع أن هذا الفصل ربما لا يفيد علي إعتبار أن بعض المقاييس يمكن إستخدامها ونحن بصدد تقويم مستوي الدافعية لدي الفئتين العريضتين من الدوافع. لذلك نفضل أن نعرض لفئات المقاييس المستخدمة في الدافعية بوجه عام، والأمثلة التي سنعرض لها ربما توضح جدوي إستخدام كل مقاييس مع أشكال محددة من الدوافع. وأهم أساليب القياس التي يمكن إستخدامها هي ما يأتي:
1- مقاييس مستوي النشاط العام (المقاييس الفسيولوجية):
ويفترض هنا أن الدوافع القوية تؤدي إلى القلق والتوتر. أي أنه كلما زاد الحاح الدوافع، زاد القلق والتوتر المرتبطان به. أي أن هذه المقاييس تتجه إلى مستوي الإستثارة اللحائية للكائن الحي. وذلك من خلال مؤشرات سرعة التنفس ومعدل ضربات القلب والنشاط الكهربائي للمخ وضغط الدم 0
وبالطبع يستخدم هذا الأسلوب لقياس الدوافع الفسيولوجية. فسرعة دوران الحيوان في القفص أو الصندوق ترتبط بعدد ساعات الحرمان من الطعام 0
ومن الواضح أن هذا الأسلوب ملائم للإستخدام سواء مع الآدميين أو الحيوانات إلا أن المشكلة بالنسبة له هي معامل الإرتباط الضعيف الذي وصلت إليه الدراسات بين هذه الأنشطة المختلفة، علي الرغم من أن الإفتراض الذي يحكم التعامل معها قياسياً، هو أنها تعكس شيئاً واحداً هو مستوي الإستثارة في تعبيره عن شدة الدوافع.
2- المقاييس السيكولوجية الموضوعية:
ولها أكثر من أسلوب منها ما يلي:
( أ ) أسلوب التغلب علي العقبات:
ويستخدم في هذا الأسلوب جهاز معين يسمي "جهاز العقبة". ويتكون هذا الجهاز من حجرتين بينهما ممر. وتزود أرضية هذا الممر الموصل بين الحجرتين بشبكة كهربائية أو مادة موصلة للحرارة. ويوضع الحيوان في إحدي الحجرتين، ويحرم من حاجة من حاجاته الفسيولوجية، وتوضع له في الحجرة الأخري المادة الخاصة بإشباع هذه الحاجة ثم توصل أرضية الممر بمصدر كهربائي أو حراري وتقاس بالتالي شدة الدوافع بقدر الألم الذي يتحمله الحيوان في عبور الممر الكهربائي أو الساخن.
وقد تبين أن الدوافع تختلف في شدتها، حيث كانت الحاجة إلى الماء أقوي من الحاجة إلى الطعام والأخيرة أقوي من الحاجة الجنسية 0
(ب) أسلوب التفصيل:
ويقوم هذا الأسلوب علي أساس إفتراض أن الكائن الحي يثار لديه أكثر من دافع في الوقت نفسه، وبالتالي إذا ما أتيحت له فرصة إشباع أحد دافعين فقط، فإن ذلك يعني أن الدافع المفضل هو الأكثر إلحاحا , فإذا أخذنا فأرة جوعانة ونعطيها الخيار بين الطعام وبين العودة إلى صغارها، سنتين أن نتيجة الإختيار هي التي تشير إلى أي الحافزين أقوي 0
(جـ) أسلوب معدل أداء الأفعال المتعلمة:
ويقوم هذا الأسلوب علي إفتراض وجود علاقة إيجابية بين الإستجابة المتعلمة ودرجة دافعية الكائن الحي. وبالتالي يركز الأسلوب علي قياس قوة الإستجابة المتعلمة كما تتمثل في السرعة التي تؤدي بها ومقاومتها للخمود وسعتها وكمونها (الفترة الزمنية التي تنقضي بين صدور التنبيه وبداية الإستجابة).. إلخ.
ورغم كفاءة الأساليب الموضوعية السابقة، إلا أنها تتأثر بالخبرة السابقة للكائن الحي الذي تطبق عليه. كما أن ثباتها منخفض. وبالتالي يجب إستخدامها بحذر وخاصة حينما نطبقها علي الآدميين.
3- ملاحظة السلوك ودراسة الحالة:
ويلجأ هذا الأسلوب إلى ملاحظة الطريقة التي يسلك بها الأشخاص في مواقف عديدة في حياتهم الفعلية. وكيفية مواجهتهم لمتطلبات حياتهم وأهم الدوافع التي تثير إهتمامهم وأهمية كل منها بالنسبة لهم. لكن لنا أن نبين مدي الصعوبة العملية لهذا الأسلوب والمشقة التي يمكن أن تواجه الباحثين الذين يستخدمونه 0
4- مقاييس التقرير الذاتي:
وهي أوسع المقاييس إنتشاراً، ولها أكثر من شكل. وأهم شكل منها هو ما يطلق عليه "إستخبارات الشخصية". وفيها يطلب من الأشخاص الإجابة عن بعض الأسئلة التي يعكس بعضها الدافعية العامة للشخص والبعض الآخر يركز علي دوافع محددة. وهناك إستخبارات شهيرة في هذا الميدان لقياس الدافعية العامة نذكر منها ما يلي:
( أ ) إستخبار الدافعية العامة من بطارية جيلفورد للشخصية .
(ب) إستخبار لن Lynn للدافعية.
وفي هذين الإستخبارين يختار المبحوث إجابة واحدة للبند نعم أولاً طبقاً لتعبير مضمون البند عنه.
(جـ) إستخبار التفصيلات الشخصية لادواردز Edwards
وفي هذا الإستخبار الذي يمثل 16 حاجة من حاجات "مواري Murray" يختار المبحوث عبارة واحدة عن عبارتين كل منها يعبر عن حاجة معينة، أي أنه يختار العبارة التي تعبر عن حاجة أكثر إلحاحاً بالنسبة له.
كما توجد بعض الإستخبارات التي تقيس دوافع محددة نذكر منها ما يلي ، وهي جميعها من بطارية كاليفورنيا للشخصية:
( أ ) إستخبار الدافعية للإنجاز.
(ب) إستخبار الدافعية للإستقلال.
(جـ) إستخبار السيطرة.
وتعد الإستخبارات من أيسر أساليب القياس، إلا أنه يعاب عليها أنها لا تمس إلا الجوانب الشعورية فقط التي يستطيع الأشخاص التعبير عنها، وأن محكات صدقها الواقعية ضئيلة، وأن المبحوث يستطيع تزييف إجاباته عليها.
5- المقاييس الإسقاطية:
ويطلب من الشخص في هذا النوع من المقاييس أن يستجيب لمنبه غامض، علي أساس إفتراض أن حاجات الشخص النفسية سوف تؤثر علي الطريقة التي يدرك بها المثيرات الغامضة، وأنه سوف يسقط دوافعه علي هذه المثيرات. كما تفترض أنه ليس من المهم أن تكون دوافعه علي مستوي شعوري أولا شعوري، لأن الفرد يظل غير واع بما تكشف عنه إستجاباته: ومن أمثلة هذه المقاييس ما يلي:
( أ ) إختبار الرورشاخ لبقع الحبر.
(ب) إختبار تفهم الموضوع.
في إختبار تفهم الموضوع، علي سبيل المثال يطلب من المبحوث أن يقوم بكتابة قصة لبعض الأشكال المرسومة علي بطاقات. وهنا يتحدد مستوي إنجاز الشخص طبقاً للموضوعات التي أضفاها علي الصور. وقد أجريت دراسات عديدة بإستخدام هذا المقياس ربط الباحثون فيها بين الدافعية للإنجاز وغيره من المتغيرات الأخري.
لكن يعاب علي هذه المقاييس إنخفاض كفاءتها السيكومترية من حيث معاملات الثبات ومحكات الصدق المستخدمة فيها.

.................................................. ............












الفصل الرابع
الانفعالات : لا تمضي حياة الإنسان علي وتيرة واحدة وعلي نمط واحد، وإنما هي مليئة بالخبرات والتجارب المتنوعة التي تبعث فيها مختلف الإنفعالات والحالات الوجدانية. فالإنسان يشعر بالحب حينا، وبالبغض والكره حيناً آخر. وهو يشعر بالخوف والقلق تارة، وبالأمن والطمأنينة تارة أخري. ويشعر بالفرح بعض الوقت، وبالحزن والكآبة في بعض الأحيان. وهكذا نجد أن حياة الإنسان في تقلب مستمر وتغير دائم. وهذا لا شك يضفي علي الحياة جزءاً كبيراً مما لها من قيمة وما لها من متعة. فبدون هذه الحالات الوجدانية والإنفعالات المختلفة تصبح حياة الفرد مملة لا متعة فيها. وتصبح شبيهة بحياة الجماد الذي لا يحس ولا يشعر ولا ينفعل 0
(1) تعريف الانفعال :
رغم أن مفهوم الإنفعال من المفاهيم الشائعة في مجال علم النفس، فلا يوجد تعريف واحد يعترف به جميع المتخصصين في مجال علم النفس فهو كما يري بول توماس يونج P. T. Young يتمثل في عملية ذات طبيعة مركبة، إلى درجة أنه لا بد من تحليله إلى أجزاء من مختلف وجهات النظر (Young, 1961) ففي الكتابات القديمة لبعض العلماء أمثال فونت Wundt ، وماكدوجل Mcdougall وغيرهم كان ينظر إلى الإنفعال كحدث شعوري، وتركزت المشكلات الأساسية حول العلاقة بين الإنفعال الشعوري وبين تعبيرات الجسمية. ثم تلا ذلك مباشرة إهتمام علماء النفس بالمظاهر الموضوعية للإنفعال. فيجب أن يميز المرء بين الموقف الذي يثير الإنفعال وبين رد الفعل الحادث. فالأرجاع الإنفعالية نفسها مظاهر داخلية وخارجية علي السواء 0
ويستخدم البعض من السيكولوجيين مفهوم الإنفعال علي أنه عبارة عن نماذج إنعكاسية معينة للإستجابة (مثل الغضب، والخوف، والفرح… إلخ). تتصل بالمراكز العصبية في منطقة الهيبوثلاموس. ويستخدم البعض الآخر نفس المفهوم بشكل أوسع، وذلك علي أنه: إضطراب حاد ناشئ عن موقف سيكولوجي، ويظهر في الخبرة الشعورية وفي السلوك، ومن خلال التغيرات في الأعضاء الحشوية الداخلية 0
فالإنفعال يشير إلى ما يتعرض له الكائن الحي من تهيج أو إستثارة تتجلي فيما يطرأ عليه من تغيرات فسيولوجية، وما ينتابه من مشاعر وأحاسيس وجدانية، ومن رغبة في القيام بسلوك يتخفف به من هذه الإستثارة، وسواء كان مصدر الإستثارة الإنفعالية داخلياً أو خارجياً فهو وثيق الصلة بحاجات الكائن 0
ويعرف ميلفن ماركس (Marx, 1976 ) الإنفعال بأنه "إضطراب حاد يشمل الفرد كله، ويؤثر في سلوكه، وخبرته الشعورية وظائفه الفسيولوجية الداخلية، وينشأ في الأصل عن مصدر نفسي". وهو إضطراب حاد لأنه يتميز بحالة شديدة من التوتر والتهيج العام، ولأنه أثناء الإنفعال تتوقف جميع أنواع النشاط الأخري التي يقوم بها الفرد، ويصبح نشاطه حول الشئ أو الموقف الذي أثار غضبه. كما أنه يؤثر في جميع كيان الفرد سواء سلوكه أو خبرته الشعورية، أو الوظائف الفسيولوجية الداخلية – كما سنعرض فيما بعد. وينشأ الإنفعال في الأصل عن مصدر نفسي لأنه يحدث نتيجة إدراك بعض المؤثرات الخارجية أو الداخلية.
ويتسق ذلك مع تعريف يونج P.T. Young للإنفعال بأنه "حالة وجدانية تتسم بالإضطراب الشديد لدي الفرد وأنه يشتمل علي ثلاثة مظاهر أساسية هي: السلوك، والخبرة الشعورية، والعمليات الفسيولوجية الداخلية" 0
ويمكن تصور الإنفعالات علي أنها تتضمن جانبين: الأول المشاعر الذاتية , والثاني: الإستجابات الموضوعية.
الجانب الأول: المشاعر الذاتية: حيث تعتبر الحالات الإنفعالية مثل الغضب والسرور خبرة ذاتية يشعر بها الفرد. ويمكن معرفتها وتحديدها من خلال التقارير اللفظية التي يصف الأفراد من خلالها إنفعالاتهم.
الجانب الثاني: الإستجابات الموضوعية: نظراً لأن هناك صعوبات في الحصول علي تقارير لفظية دقيقة لوصف مشاعر الأفراد،ه يفضل دراسة الإستجابات الموضوعية. وذلك سواء من خلال مشاهدة المظهر أو الملامح الخارجية للجسم، أو من خلال تسجيل الإستجابات الداخلية (مثل ضغط الدم، ضربات القلب، التنفس، رسام المخ الكهربائي).. إلخ.
الإنفعال والدوافع :
كثيراً ما يخلط الباحثون بين هذين المفهومين. فقد عرف ستاجنر وكاروسكي الإنفعال بأنه "شكل ثانوي من أشكال السلوك، ويعد مظهراً ثانوياً للدوافع" 0
وينظر بعض الباحثين إلى الدوافع كنتيجة مترتبة علي ظهور الإنفعالات حيث يدفع الإنفعال الإنساني إلى القيام بإستجابات توافقية معينة. فالخوف مثلا يدفع الطفل إلى الجري والهرب. والخوف من الإمتحان يدفع التلميذ إلى بذل مزيد من الجهد في إستذكار دروسه. والغضب يدفع الفرد إلى العدوان والمقاتلة. فالإنفعال إذن يولد دافعاً.
كما نجد أيضاً أن بعض الدوافع يمكن أن يترتب عليها ظهور إنفعالات معينة. فدافع الجوع مثلا يكون مصحوباً بحالة وجدانية مكدرة. والدافع الجنسي يكون مصحوباً بحالة وجدانية سارة 0
والسؤال الآن : ما هو الفرق بين الإنفعالات والدوافع؟
في الواقع لا يوجد تمييز قاطع وحاسم بين الإنفعالات والدوافع. إلا أن أهم الأسس التي يمكن من خلالها التمييز بينهما تتمثل فيما يأتي:
( أ ) تستثار الإنفعالات عادة بواسطة منبهات خارجية. في حين تستثار الدوافع غالباً بواسطة منبهات داخلية.
(ب) عندما نتحدث عن الإنفعالات يتركز إهتمامنا حول الخبرات الذاتية والوجدانية المصاحبة للسلوك. في حين أنه عندما نتحدث عن الدافعية نركز إهتمامنا عادة علي النشاط الموجه نحو الهدف 0
وقد ميز الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون H. Bergson بين الإنفعال والدافعية علي أساس نوع ومستوي الإنفعال السائد في كل منهما:
فالمستوي الأول: يمثل الإنفعالات التي يهتم بدراستها علماء النفس تحت هذا الإسم عادة، وهو عبارة عن : فورة مفاجئة تحدث للحساسية بتأثير تصور عقلي معين، أي أن هذا الإنفعال ناتج عن تصور عقلي ( أو إدراك لمشكلة معينة) يعقبه إنفعالات.
وهذا النوع من الإنفعال هو الذي يتجه إليه تفكيرنا عند المقابلة بين الحالات الوجدانية والحالات العقلية. وهذا النوع من الإنفعالات أدني من العقل , لأنه إذا خضعت الحالة العقلية لتأثير الحالة الإنفعالية فإنها تفقد كفاءتها.
أما المستوي الثاني: مستوي الدافعية:
فيطلق عليه برجسون إسم "إنفعال أسمي من العقل , ولا يعني من هذا سمو مرتبته فحسب، بل يعني كذلك السبق في الزمان علي التصور العقلي سبق السبب علي النتيجة، إنه عبارة عن حالة وجدانية (هادثة ومستمرة لمدة طويلة غالباً) ملأي بالتصورات العقلية. وهذه التصورات وإن لم تكن تامة فإن هذا النوع من الإنفعالات (الواقعية ) يجذب جوهرها أو يمكن أن يجذبه عن طريق ما يتيحه لها من نموي عضوي.
ويري برجسون أن هذا النوع من الإنفعال (أو الواقعية ) هو الذي يمكن أن يؤدي إلى أفكار إبداعية 0
كما يتميز السلوك الإنفعالي علي أنواع السلوك الأخري بالآتي:
( أ ) السلوك الإنفعالي سلوك مضطرب وغير منظم.
(ب) ينشأ في موقف نفسي.
(جـ) يصاحبه تغيرات فسيولوجية داخلية بواسطة الجهاز العصبي اللاإرادي.
( د ) يتميز السلوك الإنفعالي – سواء كان ذاتياً أو موضوعياً_ بأنه أكثر شدة أو حدة وجداني0
(2) – أبعاد الإنفعالات:
تمثلت جهود علماء النفس في محاولة التوصل لأهم الأبعاد التي يمكن وصف الإنفعالات علي أساسها في الأبعاد الأربع التالية:
1- النبرة أو الطابع الوجداني0
2- الشدة 0
3- مدة الإنفعال.
4- التعقيد أو التركيب 0
ونعرض فيما يلي لكل بعد من هذه الأبعاد الأربعة:
1- النبرة أو الطابع الوجداني:
يعد الطابع الوجداني المتمثل في مشاعر وجدانية مثل ( السرور-الكدر) من أهم الخصائص التي تتميز بها الإنفعالات. وعلي الرغم من أن الكائن ينجذب إلى النوعيات السارة من الإنفعالات وينفر أو يبتعد عن النوعيات غير السارة – فإنه ليس من السهل دائماً أن نميز بدقة ويشكل قاطع بين هذين النوعين وخاصة في حالات الإستثارة الإنفعالية المعتدلة 0
2- الشــدة:
تظهر شدة الإنفعال أو قوته بوضوح في زيادة الطاقة المبذولة في العمليات الثلاث المكونة للإنفعال: ( الشعور أو الخبرة الشعورية أو الوعي، والسلوك الصريح، والإستجابات الفسيولوجية). وتتسم العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة بأنها غير متسقة. حيث تختلف في درجة شدتها أو قوتها في الإنفعال الواحد. كما تختلف من إنفعال لآخر.
3- مدة الإنفعال:
تختلف الإستجابات الإنفعالية في الفترة الزمنية التي تستغرقها. فالإستجابة للألم من مستوي معين – علي سبيل المثال – قد تكون بسيطة ووقتية وليس لها آثار واضحة كما قد تكون مبالغ فيها 0
ويري توماس يونج T. Young أنه يمكن تصور الإنفعالات كأحد العمليات الوجدانية في ضوء عدة مستويات تختلف من حيث طول الفترة الزمنية:
المستوي الأول: حيث تواجد المشاعر الحسية البسيطة (الإيجابية-السلبية) ، وتشتمل علي نوعين: حالات السرور، أو الكدر.
المستوي الثاني: المشاعر التي تتسم بالإستمرار والدوام عن المستوي السابق.
المستوي الثالث: الإنفعالات: وتشير إلى العمليات الوجدانية المضطربة التي تنشأ عن مصدر نفسي. ويصحبها عدة تغيرات في جسم الكائن. ومنها الغضب الشديد ، والخجل والحزن والفرح.
المستوي الرابع: الحالة المزاجية :
ويشير إلي الحالة الإنفعالية الأقل إضطراباً من الإنفعال وأقل شدة منه، إلا أنها أكثر إستمراراً أو بقاء من الإنفعال. فيمكن أن يستمر لعدة ساعات أو أيام أو أسابيع فالشخص متغير المزاج يعبر نمطاً عن إنفعالاته في سلوكه العام (مثل الإكتئاب، القلق، المرح) فالإنفعالات إذن حالة حادة من الإضطراب. أما المزاج فهو حالة مزمنة.
المستوي الخامس: الوجدان :
ويستخدم هذا المفهوم في كل من الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي، ومنه حالات الإكتئاب الشديدة، القلق، الهوس، الشعور بالنشوة 0
المستوي السادس – العواطف :
وهي عبارة عن مشاعر تقوم علي أساس الخبرات والمعارف الماضية. ويتضمن هذا المستوي تحقيق درجة من الرضا وإشباع الرغبات أو عدمها. وذلك عند العمل في مجال معين (كالموسيقي، أو الفن، أو الشعر.. إلخ).
المستوي السابع- الإهتمام والمنفرات :
ويشتمل هذا المستوي علي الإهتمامات والأنشطة التي يحبها الفرد ويستغرق في ممارستها وقتاً طويلاً. كما يشتمل علي المنفرات، وهي الأنشطة التي لا يحبها الفرد ويحاول تحاشيها والإبتعاد عنها كلما أمكن.
المستوي الثامن – المزاج كسمة :
وعندما نتحدث عن هذا المستوي مقصد به أن هناك نمطاً إنفعالياً مزمناً أو سمة من سمات الشخصية، تتسم بقدر كبير من الإستقرار والثبات. وتظهر في العديد من تصرفات الفرد وسلوكياته.
وعلي الرغم من أن هناك تداخلاً بين الإنفعالات وبعض المفاهيم الأخري إلا أن الشئ الواضح هو أن الإنفعال: عملية إنفعالية تتميز عن الجوانب الأخري بأنها حالة حادة من الإضطراب الوجداني التي تستغرق فترة زمنية قصيرة 0
4-التعقيد أو التركيب:
تتسم الإنفعالات بأن هناك علاقات وإرتباطات فيما بينها. لذلك يصعب الفصل بينها. فلا يمكننا مثلا أن نحدد بدقة حالة نقية تماماً من الخوف فقط أو الغضبط فقط.
ولذلك فإن محاولة تصنيف الإنفعالات هي الخطوة الأولي نحو تبسيطها والوقوف علي كل نوع منها وتحديد مظاهره والتغيرات المصاحبة له. وهذا ما سنتناوله في الفقرة التالية:
(3) تصنيف أنماط الإنفعالات:
تعد المسميات اللفظية للإنفعالات- فيما يري ميلفن ماركس- غير كافية لإبراز ملامحها وأبعادها. ويقترح تقيماً للأنماط الرئيسية للإنفعالات في ضوء فئتين:
الأولي: وتختص بالمنشأ أو أصل الإنفعالات.
الثانية: وتختص بموضوع الإنفعال.
وبإستخدام هذا المحك كأساس للتصنيف يمكننا أن نميز بين مصدرين رئيسيين للإنفعالات هما : المواقف، والكائنات الحية ( وخاصة الآدميين)، ثم عمل بعض التصنيفات الفرعية طبقاً لموضوعات الإنفعال التي تندرج في كل فئة علي حدة.
1- الإنفعالات الموقفية :
ويستثار هذا النوع من الإنفعالات عن طريق الآثار الحسية المباشرة للمنبهات أو بواسطة الدافعية طويلة المدي، أو خصائص الموقف. ويظهر الأساس الحسي للإنفعال بوضوح في حالات الشعور بالألم. فالمنبه الشديد أو الإجهاد الذي يؤثر علي بناء الجسم وخاصة في الأجزاء السطحية منه – يحاول الفرد التخلص منه والإبتعاد عنه في حين أن إستجابة الألم التي تؤدي إلى الغضب (الهجوم) أو الخوف (الهروب ) تعتمد علي طبيعة الموقف ووعي الفرد بها.
2-الإنفعالات الأولية :
تستثار معظم الإنفعالات بنفس الطريقة التي يدرك بها الكائن مختلف المواقف والمنبهات. وتنقسم الإستجابات الإنفعالية الأولية إلي أربعة أنماط أساسية هي: السعادة والأسي، والخوف، والغضب.
ونعرض لها علي النحو الآتي:
( أ ) السعادة :
إستجابة السرور أو السعادة هي نتائج إرضاء دافع ما. وكلما كان الدافع قوياً أو عميقاً بالنسبة للفرد كان أكثر كفاءة علي بعض السرور لديه. ويظهر هذا النوع من الإنفعالات في أشكال مختلفة (كالفرح الشديد أو النشوة).
(ب) الأســـى :
وفي نهاية المتصل الوجداني للسرور نجد ما نسميه بإنفعال الأسي. والذي ينتج عن فقدان هدف ما أو موضوع مرغوب. وقد يصل هذا النوع من الإنفعالات بالفرد إلى حالة متطرفة فيصاب بالإكتئاب.
(جـ) الخوف :
يقع الخوف أيضاً في نهاية المتصل الوجداني للسرور أو السعادة. ولكنه ليس مقابلاً لها. ويعد الخوف إستجابة متعلمة تتوقف علي ما إكتسبه الفرد من خبرات ومعارف.

ويؤدي إنفعال الخوف وظيفة بيولوجية هامة. فهو يدفع الفرد إلى الهرب من الخطر والحذر منه فيعينه علي حفظ حياته. غير أنه كثيراً ما يتجاوز الخوف هذه الوظيفة المفيدة فيصبح سبباً لإلحاق الضرر بحياة الفرد. وإنفعال الخوف هو إنفعال مكتسب، فقد دلت التجارب التي قام بها واطسون علي أن الطفل الصغير لا يكاد يخاف إلا من الأصوات الشديدة المفاجئة. فهو لا يخاف الظلام أو النار أو الثعابين أو القطط أو الكلاب أوغير ذك من الأشياء التي قد يخافها الكبار. ثم يتعلم الطفل فيما بعد الخوف من أشياء كثيرة لم يكن يخافها من قبل 0
ويتفاوت الخوف كثيراً من شخص لآخر ومن حضارة لأخري. ويلاحظ أنه يستثار بتنبيه خارجي، وليس من جراء حاجة داخلية تلقائية، فعندما يواجه الكائن منبهاً مؤلماً تحدث إستجابة إنسحاب ، وفيما بعد قد يسبب مجرد إقتراب المنبه المؤلم الإنسحاب، ويقول الشخص بأنه يشعر بالخوف. وهذا يوحي بأن الخوف إستجابة متعلمة. وتتوقف علي الخبرة الماضية. وينمو شعور الطفل بالخوف من عمر لآخر فهو يرتبط أول الأمر بالواقع. ذلك أن الطفل عندما يتعلم المشي يتعرض لسقطات مؤلمة. وهكذا ينمو لديه خوف يبرزه الواقع. ومع تزايد نضج الطفل يتعلم عادة أنه كفيل بالتعامل مع هذه التهديدات ويختفي الخوف. والخوف كأحد أنواع الإنفعالات يتضمن حالة من حالات التوتر التي تدفع الخائف إلى الهرب من الموقف الذي أدي إلي إستثارة الخوف حتي يزول التوتر ويزول الإنفعال 0
ويصاحب إنفعال الخوف بعض التغيرات الفسيولوجية مثل سرعة خفقان القلب والإحساس بالهبوط في المعدة، والرعشة وتصيب العرق، والقىء 0
( د ) الغضب:
يقوم إنفعال الغضب بفائدة هامة للفرد، فهو يزيد من نشاطه ويدفعه في بعض الأحيان إلى القيام ببعض الأعمال العنيفة لإزالة ما يعترضه من عوائق. ولكن كثيراً ما يشتد إنفعال الغضب ويصعب علي الشخص التحكم فيه فيؤدي إلى بعض النتائج الضارة أو السلبية. ويظهر هذا النوع من الإنفعالات نتيجة عوامل وظروف عدة منها الحرمان أو المنع. فأول ما يثير غضب الأطفال هو شعورهم بالعجز عن تحقيق أغراضهم ورغباتهم. كما يثير غضب الأطفال الشعور باالحرمان من حب الوالدين وعطفهما 0
يتضح مما سبق أن كلا من إنفعال الخوف والغضب ينشأ نتيجة إحباط لبعض الدوافع الأساسية للكائن الحي. فالخوف يحدث إذا إعترضت الكائن الحي بعض العقبات وحالت بينه وبين تحقيق رغباته. ويؤدي الإنفعال في كل من حالتي الخوف والغضب إلى زيادة النشاط الذي يمكن إستخدامه في مواقف الخطر المخيفة أو في إزالة العقبات التي تعوق الفرد من الوصول إلى رغباته.
ويرتبط نضج الشخص بقدرته علي التحكم في إنفعال الغضب الذي يفقده القدرة علي حسن مواجهة الموقف 0
3- الإنفعالات الإجتماعية :
وتنقسم إلى فئتين رئيستين:
الأولي: وتختص بالذات المرجعية (كالفخر والخجل والشعور بالذنب)
الثانية: وتتعلق بالتفاعل مع الآخرين ( كالحب والكراهية).
ويبدو أن هناك درجة كبيرة من التداخل بين الإنفعالات الإجتماعية والإنفعالات الموقفية. ويعتمد هذا الفصل علي الشخص أو الأشخاص في المواقف المعين أكثر من إعتماده علي الموقف في حد ذاته. ولأن تقسيمنا للإنفعالات يهدف إلى الشرح والتفسير وليس نتيجة بحوث أو دراسات أجريت في هذا الصدد- ولذلك فهو فصل تعسفي. وتنقسم الإنفعالات الإجتماعية إلى فئتين:
( أ ) إنفعالات تقدير الذات :
حيث تعد قدرة الفرد علي تقييم ذاته من أكثر الجوانب المركزية في بنائه السيكولوجي، وعملية تقدير الذات هي عملية دالة للمتغيرات الشخصية والإجتماعية العديدة ومن هذه المتغيرات: المستوي الأكاديمي أو الأخلاقي، والثقافي، والإقتصادي والإطار الحضاري. ويؤثر في عملية تقدير الفرد لذاته كل من الشعور بالذنب والخزي ، والندم 0
ويشير الخزي إلى حالة منخفضة من تقدير الذات. أما الشعور بالذنب فيشير إلى إستجابة إنفعالية أكثر إرتباطاً بإنتهاك المعايير والقواعد الأخلاقية. أما الندم فهو حالة أكثر وضوحاً وإمتداداً للشعور بالذنب. وتختلف هذه الحالات الإنفعالية من ثقافة لأخري.
(ب) الإنفعالات الخاصة بالعلاقات بين الأشخاص:
يمتد المتصل الوجداني من أقصي درجات المشاعر الإيجابية إلى أقصي درجات المشاعر السلبية. ويجب ألا يقتصر تعاملنا فقط علي هذين القطبين: الحب- الكراهية. فالحب كحالة إنفعالية يترتب عليه المزيد من الإتصال والتفاعل مع الأفراد الآخرين. ويجب تصوره في ضوء أنواعه المختلفة: كالحب الرومانسي وحب الوالدين.. إلخ.
أما الكراهية فهي حالة إنفعالية يترتب عليها النفور والبعد عن الآخرين. وهناك درجات مختلفة لكل من الحب والكراهية. وترتبط درجة إستمرار أو دوام أي منهما بحضور أو غياب هدف الأفراد ونعرض لكل من النوعين علي النحو الآتي:
الحـــب:
ويتضمن تركيز مشاعر الفرد في شخص أو شئ معين. كما أنه يؤدي إلي توجيه نشاط نحو التقرب من هذا الشخص أو نحو الحصول علي هذا الشئ. وينمو إنفعال الحب من عمر لآخر، فلا يستطيع الطفل الرضيع في أول الأمر أن يميز بين نفسه وبين العالم المحيط به. لذلك نجد أن جميع خبراته الأولي تكون مركزة حول ذاته فهو يشعر باللذة من الإحساسات المختلفة الصادرة من بدنه. وحينما يتمكن من التمييز بين نفسه وبين العالم المحيط به يتجه حبه نحو الأشخاص والأشياء الأخري في هذا العالم ، فهو يتجه في البداية إلي أمه لأنها مصدر سروره وراحته دائماً. ثم يتجه حبه بعد ذلك ليشمل كلا من الأب والإخوة وبقية أفراد الأسرة. كما يتعلق حبه ببعض الأشياء المادية (كاللعب والملابس وغير ذلك).
ويسير حب الغير وحب الذات جنباً إلي جنب في معظم الأوقات ولكن بدرجات متفاوتة ففي بعض الأحيان نشاهد حب الغير قد إشتد إلى درجة كبيرة جدا، فيضحي الأفراد بأنفسهم وبأعز ما يملكون في سبيل الغير والمصلحة العامة. كما أننا قد نشاهد العكس من ذلك فنجد بعض الأفراد الأنانيين الذين يريدون كل الخير لأنفسهم فقط.
وفيما بين هذين الطرفين المتقابلين يقع معظم الناس الذين يستطيعون أن يوفقوا بينحبهم للغير وحبهم لأنفسهم وللحب دور كبير في حياة الإنسان، فهو يساعد علي نمو شخصيته نمواً طبيعياً سوياً. فيبعث فيه الإحساس بالأمن والطمأنينة 0
أما الكراهية فمثلها مثل الحب تماماً طاقة إنفعالية كبيرة. وتظهر في المواقف التي تثير مشاعر سلبية تجاه الأفراد والأشياء أو الأماكن. والجوهر الأساسي في إنفعال الكراهية يتضمن الرغبة في تحطيم الشئ المكروه. ذلك أنه يختلف عن مجرد عدم الرغبة في الشئ فنحن عندما نرفض شيئاً مالا يعني بالضرورة أننا نكرهه. ويقتصر سلوكنا في هذه الحالة علي تجنبه. أما الكراهية فتتضمن الرغبة في تحطيمه والإبتعاد عنه تماما 0
الإنفعالات في التراث العربي:
إننا نجد في التراث العربي تمييزاً واضحاً بين الأنواع المختلفة من الإنفعالات كما نجد أيضاً تمييزاً بين درجات كل نوع منها علي حدة. ويتضح ذلك مما يأتي:
( أ ) التمييز بين أنواع الإنفعالات:
يميز علماء اللغة بين السرور والفرح، فالسرور لا يكون إلا بما هو نفع أو لذة علي الحقيقة. وقد يكون الفرد بما ليس بنفع ولا لذة كفرح الصبي بالرقص والسباحة وغير ذلك مما يتعبه ويؤذيه ولا يسمي ذلك سروراً. ونقيض السرور الحزن ومعلوم أن الحزن يكون بالمرازي فينبغي أن يكون السرور بالفوائد وما يجري مجارها من الملاذ، ونقيض الفرح الغم. وقد يغتم الإنسان بضرر يتوهمه من غير أن يكون له حقيقة، وكذلك يفرح بما لا حقيقة له كفرح الحالم بالمني وغيره، ولا يجوز أن يحزن ويسر بما لا حقيقة له.
كما يميز علماء اللغة بين الهم والغم، في أن الهم هو الفكر في إزالة المكروه وإجتلاب المحبوب، وليس هو من الغم في شئ. والغم معني ينقبض القلب معه ويكون لوقوع ضرر قد كان أو توقع ضرر يكون أو يتوهمه، وقد سمي الحزن الذي تطول مدته حتي يذيب البدن هما.
أما الفرق بين الحزن والكآبة فيتمثل في أن الكآبة هي أثر الحزن البادئ علي الوجه. ومن ثم يقال عليه كآبة ولا يقال عليه حزن. فالحزن لا يري ولكن دلالته علي الوجه 0
(ب) التمييز بين درجات الإنفعال:
يميز أهل البلاغة بين أنواع ودرجات من الإنفعال المتقاربة، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
فالسرور أول مراتبه: الجذل والإبتهاج ثم الإستبثار، وهو الإهتزاز. (وفي الحديث إهتز العرش لموت سعد بن معاذ) ثم الإرتياح والإبرنشاق، (ومنه قول الأصمعي، حدثت الرشيد بحديث كذا فابرنشق له)، ثم الفرح ، وهو كالبطر من قوله تعالي: (لا يحب الفرحين). ثم المرح، وهو شدة الفرح، من قوله عز ذكره (ولا تمش في الأرض مرحاً).
الحب : أول مراتبه: الهوي ، ثم العلاقة : وهي الحب اللازم للقلب. ثم الكلف: وهو شدة الحب،
ثم العشق: وهو إسم لما فضل عن المقدار الذي أسمه الحب.
ثم الشعف: وهو إحراق الحب القلب مع لذة يجدها،
ثم الشغف: وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب.
ثم الجوي: وهو الهوي الباطن،
ثم التيم: وهو أن يستعبده الحب.
ثم التبل : وهو أن يسقمه الهوي،
ثم التدلية: وهو ذهاب العقل من الهوي.
ثم الهيوم: وهو أن يذهب علي وجهه لغلبة الهوي عليه.
الحـــزن:
1- الكمد: حزن لا يستطاع إمضاؤه.
2- البث: أشد الحزن.
3- الكرب: الغم الذي يأخذ النفس.
4- الدم : هم في ندم.
5- الأسي واللهف: حزن علي الشئ يفوت.
6- الوجوم: حزن يسكت صاحبه.
7- الأسف: حزن مع غضب.
8- الكآبة: سوء الحال والإنكسار مع الحزن.
9- الترح: ضد الفرح.
العــداوة: البغض ، ثم القلي، ثم الشنآن ، ثم الشنف، ثم المقت، ثم البغضة، وهو أشد البغض، فأما الفرك، فهو بغض المرأة زوجها، وبغض الرجل إمرأته لا غير.
الغضب: أول مراتبه: الشخص، وهو خلاف الرضا.
ثم الآخر نظام، وهو الغضب مع تكبر ورفع الرأس.
ثم البرطمة ، وهي غضب مع عبوس وإنتفاخ.
ثم الغيظ ، وهو غضب كامن للعاجز عن التشفي.
ثم الحرد ، (بفتح الراء وتسكينها) وهو أن يغتاط الإنسان فيتحرش بالذي غاظه ويهم به.
ثم الخنق، وهو شدة الإغتياظ مع الحقد.
ثم الإختلاط، وهو أشد الغضب.
تسمية الإنفعالات:
علي الرغم من وجود صعوبة في تحديد مسميات الإنفعالات والتمييز الدقيق بينها إلا أن هناك محاولات مختلفة للتغلب علي ذلك، يمكن تلخيصها في ثلاثة مناحي.
1- حيث يسأل مجموعة من الخبراء لإقتراح المسميات الملائمة لأنواع مختلفة من الإنفعال.
2- تقدم قائمة ( بها حصر شامل لعدد من الإنفعالات) لمجموعة من الأشخاص (العاديين) ويطلب منهم تسميتها.
3- الأخذ بالمنجيين الأول والثاني، وحساب الإتساق الداخلي بينهما0
(4) – مظاهر الإنفعالات والتغيرات المصاحبة لها:
يمكن تقسيم التغيرات المصاحبة للإنفعال إلى نوعين رئيسيين.
1- التغيرات الفسيولوجية الداخلية.
2- التعبيرات الجسمية الخارجية.
ونعرض لهما علي النحو التالي:
1- التغيرات الفسيولوجية:
تصاحب الحالة الإنفعالية للفرد عدة تغيرات فسيولوجية، كضغط الدم، وسرعة التنفس، وإستجابة إنسان العين. كما تتأثر العدد والعضلات ونشاط المعدة والأمعاء… إلخ.
( أ ) ضغط الدم: يحدث أثناء الإنفعال تغيرات في ضغط الدم وتوزيعه في أجزاء الجسم. فنجد إحتقاناً في كل من الوجه والرقبة عند الغضب. ويحدث هذا الإحتقان لأن الأوعية الدموية تتمدد فتزيد من كمية الدم قرب سطح الجلد.
(ب) إستجابة الجلد: حيث يصاحب الإنفعال حدوث تغيرات كهربائية يمكن التأكد منها عن طريق توصيل أقطاب كهربائية إلى الجلد (علي الكفين)، متصلة بجلفانوميتر لتسجيل الإستجابة (1) الجلفانية للجلد، وتعد إستجابة الجلد الكهربائية بمثابة مؤشر للتغيرات الإنفعالية.
(جـ) التنفس: يتغير معدل التنفيذ وزمن الشهيق والزفير حسب الحالة الإنفعالية فنجده ينقطع برهة من الزمن في حالات الدهشة. ويكون متقطعاً أثناء الشحك أو البكاء. فعند الكشف عن الكذب- علي سبيل المثال – يتم تسجيل مستديم للتنفس أو ضغط الدم أو الإثنين معاً لإظهار حالة التهيج الإنفعالي عند الشخص الكاذب.
( د ) ضربات القلب: كما يتغير أيضاً معدل ضربات القلب أثناء الحالة الإنفعالية فقد لوحظ أن سرعة النبض قد تزيد أثناء الإنفعال من 72 إلى 150 نبضة في الدقيقة. كما أوضحت بعض التجارب التي أجريت علي عينات من الطلبة أن قوة إندفاع الدم من القلب قبل الإمتحان تزيد لترين في الدقيقة عنه بعد الإمتحان.
(هـ) توتر وإرتعاش العضلات: يعتبر توتر العضلات من الأعراض المصاحبة للإنفعال فقد يرتعش الفرد أثناء الإنفعال الشديد. وتبين من خلال رسام العضلات الكهربائي أن النشاط الكهربائي يتزايد أثناء إنفعال الفرد.
( و ) حركة المعدة والأمعاء: فقد تبين أن حالات الغضب يصاحبها. إنتفاخ الأغشية الداخلية للمعدة مع زيادة في إنقباض عضلاتها، وإرتفاع نسبة إفراز الحامض منها. أما في حالات الإكتئاب فتقل نسبة الحامض وتكف المعدة عن الحركة.
كما تبين من خلال إستخدام الأشعة السينية أن الحركة المعدة والأمعاء تتأثر بالإنفعال الشديد. وقد تؤدي الآثار الإنفعالية إلى القئ والإسهال.
( ز ) الإنفعال والكليتان: كما تتغير وظائف الكلية ونسبة الماء والأملاح في الجسم تبعاً لتغير الحالة الإنفعالية. ففي حالات التهيج والخوف الشديد علي سبيل المثال تزيد نسبة التبول.
(ح) الإنفعال والغدد الصماء: تتغير معدلات إفراز الغدد الصماء للهرمونات أثناء الإنفعال. فمثلاً تنشط الغدتان المجاورتين للكليتين في حالات الغضب والخوف من خطر مفاجئ فنجد زيادة إفراز هرمون الأدرينالين الذي يؤكد بالكبد إلى زيادة نشاطه فيقوم بزيادة كمية السكر الذي يفرزه الكبد في الدم. وتؤدي زيادة كمية السكر إلى تعبئة طاقة الفرد لمواجهة حالة الإنفعال فتزول آثارها بسرعة.
(ط) الإنفعال ورسام الدماغ الكهربائي: يختلف شكل الرسام الكهربائي للدماغ بإختلاف حالة الفرد من النوم إلى اليقظة ، وبإختلاف السن. ويؤدي الإنفعال إلى إبطاء موجات ألفا وظهور موجات بطيئة من نوع الدلتا. والتي تشاهد أحيانا في بعض الأمراض العقلية، وفي حالات الأطفاء صغار السن0
2- التعبيرات الجسمية الخارجية :
تعتبر التعبيرات الجسمية أو البدنية الخارجية من الوسائل التي نستدل من خلالها علي إنفعالات ومشاعر الأفراد ، وعلي الرغم من أن هناك بعض التعبيرات الإنفعالية يمكن إخفاؤها إلا أن البعض الآخر يصعب إخفاؤه لعدم قدرة الشخص علي التحكم في جهازه العصبي السمبتاوي. وتعتمد قدرة الشخص علي التحكم في تعبيراته غير اللفظية علي درجة صحته النفسية والجسمية. فقد تبين من خلال البحث الذي أجراه كل من أكمان وآخرون Ekman, et al. عن التعبيرات الإنفعالية للمرضي العقليين. تبين أن هؤلاء المرضي أقل تحكماً في تعبيرات أيديهم وأرجلهم منهم في تحكمهم لتعبيرات وجوههم. وقد أفترضا تفسيرا لهذا هو أن المناطق الجسمية لديهم أقل خضوعاً للضبط من غيرها. وأن تعبيراتهم عن مشاعرهم وأفكارهم تتسرب لديهم من بعض المناطق الأقل ضبطاً أو تحكماً 0
نتحدث فيما يلي عن التعبيرات الخارجية للإنفعال- وذلك علي النحو التالي:
( أ ) ملامح الوجه :
يعد الوجه أهم منطقة لإصدار تعبيرات غير لفظية. ورغم أن تعبيرات الوجه تعتمد علي أساس فطري لدي الإنسان إلا أنها تتشكل وفقاً للثقافات المختلفة. وقلما تستخدم تعبيرات الوجه في الحيوانات الأدني مرتبة من القردة العليا التي تعيش في جماعات.
ويتعلم الإنسان كيف يتحكم في تعبيرات وجهة أو كيف يعبر عن نفسه من خلال تعبيرات وجهه. ورغم أننا نستطيع بقدر من التدريب أو الألفة بالشخص أن ندرك معني تعبيرات وجهة التي يقصد إلي إرسالها إلينا، أو تصدر عنه دون قصد منه. ورغم أن عدداً كبيراً من الدراسات التجريبية التي تناولت العوامل التي تزيد من دقة التحكم والسيطرة علي التعبيرات الوجهية إستخدمت صوراً فوتوغرافية أو شرائط سينمائية تعرض تعبيرات إنفعالية مفتعلة أو تم تمثلها خصيصاً لإجراء الدراسة – إلا أن بعض هذه الدراسات (e.g. Davitz, 1964) أمكن أن يلقي الضوءعلي العوامل التي تزيد من دقة الحكم علي التعبيرات الإنفعالية كما يعبر عنها من خلال عرض فيلم سينمائي أو شريط صوتي يعرض لتعبير الوجه، أو تعبير الوجه + الصوت، أو الصوت وحده. وتبين من نتائج هذه الدراسة أن أكبر مستوي من الدقة في التعرف علي الإنفعال يرتبط بعرض الصورة + الصوت. ويليه عرض التعبيرات الوجهية، وفي النهاية الصوت وحده.
كما كشفت بعض الدراسات أن هناك إختلافا بين الإنفعالات من حيث دقة التعرف علي كل منها. ومن هذه الدراسات الدراسة التي قام بها كل من ليفيت ودافيتر (Levitt & Davitz) سنة 1964. والتي أوضحت تفوق التعبير عن الخوف من خلال الصوت. كما تبين أن الوجه وحده يجيد نقل التعبير عن الفرح والغضب. كما أن كل من الوجه + الصوت معاً ينقلان الشعور بالمفاجأة أفضل من كل تعبير علي حدة 0
وقد إتضح من خلال التحليل الإحصائي للتجمعات وجود سبع فئات للتعبيرات الإنفعالية هي:
السعادة، والمفاجأة، والخوف ، والحزن ، والغضب ، والقرف (أو الإشمئزاز) والإهتمام.
وعندما طلب أوسجود وزملاؤه. Osgood, et al. ، من المبحوثين أن يرتبوا الصور علي أساس مقاييس للتقدير 0 وأمكن بعد تحليل هذه التقديرات إستخلاص الأبعاد الثلاثة التالية:
( أ ) سار – في مقابل مكدر.
(ب) حدة الإنفعال – في مقابل التحكم في الإنفعال.
(جـ) الإهتمام – في مقابل – عدم الإهتمام.
(ب) التعبير بنظرة العين:
أوضحت نتائج الدراسات التجريبية أن إشارات العيون يمكن أن تعبر عن إنفعالات الأفراد وإتجاهاتهم نحو الآخرين. فالأشخاص ينظرون مدة أطول إلى من يحبون أو يفضلون أثناء الحديث معهم وتميزت الإناث باطلة تبادل النظر أكثر مع بعضهم البعض أكثر مما يفعل الذكور. وتميز الذكور بأنهم أقل نظراً أثناء الإستماع لن لا يفضلون.
ويلعب حجم إتساع العين دوراً هاماً في إرسال الإشارات بالعين إلى الآخرين. لهذا تحاول السيدات توسيعه بالبلادونا لزيادة جاذبيتهن. كما تبين إتساع إنسان العين لدي الذكور عندما عرض عليهم صور إناث جميلات. وكذلك إتساع إنسان العين لدي الإناث عندما عرض عليهم صور الذكور من الراشدين 0
(5) النظريات المفسرة لإنفعالات:
ونعرض لها علي النحو الآتي:
1- النظريات الفسيولوجية:
( أ ) نظرية جيمس – لانج James –Lange
نشر عالم الفسيولوجي الدنماركي "كارل جورج لانج C.G. Lange " ، (1834 – 1950) عام 1885 نظريته في الإنفعالات، تتمثل في أن الإنفعالات تحدث نتيجة لشعور الشخص بالتغير في الأوعية الدموية 0
وكان وليم جيمس (1842-1900) الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي قد توصل مستقلاً إلي نظرية مشابهة، ونشر عام 1890 في كتابه ( مبادئ علم النفس) نظريته في الإنفعال – واضعاً في حسبانه إسهام لانج. وقد عرفت النظرية فيما بعد بإسم نظرية ( جيمس – لانج) في الإنفعال.
ولم تكن نظرية لانج شديدة الإتساع إذ كانت تؤكد فقط علي تغير الأوعية الدموية علي حين إهتم وليم جيمس بكل أنواع التغيرات الحشوية 0إلا أنهما يتفقان علي أن الإنفعالات تكون نتيجة شعور الشخص بالتغيرات في الأوعية أو الأحشاء الداخلية. فالإحساس الحشوي الجسمي يسبق الإحساس الإنفعالي (فمثلا نحن نري شيئاً مخيفاً فنرتعش ثم نشعر بالخوف). وعلي العكس من الفكرة الشائعة- وقتئذ- التي تذهب إلى أن الإنفعال يترتب عليه السلوك – أكد وليم جيمس أن السلوك هو الذي يولد الإنفعال، ويلخص مضمون النظرية بقوله: "إننا نخاف لأننا نجري".
وهذا فيما يري "هيلجارد وإتكتسون" هو الذي أعطي هذه النظرية شيئاً من القبول والمعقولية.
وعلى الرغم من أهمية هذه النظرية – فإن هناك بعض التجارب التي تقيم الدليل علي أنها نظرية قاصرة. فلو صحت لكان تصنع حركات الغضب كفيلا بأحداث الشعور بالغضب. كما تبين أن الشعور الإنفعالي لا يحدث إذا هيجنا الغدد والأحشاء بطريقة تجريبية. فالإضطرابات الفسيولوجية الحشوية ليست وحدها المسئولة عن الشعور بالإنفعالات.
ونتيجة لهذه الإنتقادات التي وجهت إلي نظرية جيمس – لانج في تفسير الإنفعالات تقدم عالم الفسيولوجي الأمريكي "ولتر كانون W.B. Canon" (1871-1945).
بنظريته التي نعرض لها علي النحو الآتي:
(ب) النظرية الثلاموسية أو المهادية:
وهي النظرية التي قدمها كانون لتفسير الإنفعالات. ومضمونها أن المشاعر الإنفعالية هي نتيجة تنبيه الثلاموس أو المهاد. أما التعبيرات السلوكية للإنفعال فهي من وظائف الهيبوثلاموس أو مهاد المخ 0
وتفترض هذه النظرية أن الإحساسات المختلفة من الجسم تصل إلى كل من القشرة المخية والهيبوثلاموس من خلال مسارات الإحساس الصاعدة. حيث يصدر نوعان من السيالات العصبية: أحدهما لقشرة المخ للشعور بالإنفعال، والثاني للهيبوثلاموس ويختص بالسلوك الإنفعالي ومظاهره. وتشير هذه النظرية إلى أن الشعور الإنفعالي والسلوك الإنفعالي يصدران في نفس الوقت ، وليس كما كان يظن سابقاً واحدة تلي الأخري.
ويؤخذ علي هذه النظرية أنها مجرد إفتراضات ولا يوجد برهان علمي أو ثبات يبين أن الشعور بالإنفعال يصدر من المهاد وأن المهاد لا يخدم إلا الشعور بالحساسية الأولية.
2-النظرية المعرفية :
تفتقد النظريات الفسيولوجية إلى مظهر هام من مظاهر الخبرة الإنفعالية. فالإحساس بالسعادة أو اليأس من شئ معين مصحوب بخبرات ومعارف عن هذا الشئ، وطبقاً لهذه الوجهة من النظر فإن الإنفعال يعد نتيجة التفاعل بين الإستثارة الداخلية, والعمليات المعرفية 0
وقد ساعدت سلسلة التجارب الحديثة علي سد الفجوة أو الثغرة في النظريات الفسيولوجية المفسرة للإنفعال. فالتعبير الإنفعالي يمكن أن يحدث في غياب أي مشاعر إنفعالية، أو دون وجود دليل واضح يؤكدها. ومن هنا برزت أهمية تفسيرنا في ضوء الخبرات والمعارف التي توجد لدي الفرد عن موضوع الإنفعال فعملية تقدير الفرد للموقف الخارجي في ضوء خبراته ومعارفه هي عملية معرفية تؤثر في الإنفعال.
1- المدخلال القادمة إلى المخ من البيئة الخارجية إلى الأعضاء الداخلية للجسم. وذلك عن طريق الجهاز العصبي السمبتاوي.
2- إدراك الموقف الذي يوجد فيه الفرد – من خلال مخزون المعلومات المتوافر لديه، وذلك بهدف تفسير هذا الموقف.
3- يتفاعل هذا التفسير أو الإدراك القائم علي كل من العوامل المعرفية والتنبيهات الخارجية مع العوامل الفسيولوجية لتحديد الحالة الإنفعالية في شكلها النهائي 0
وقد قام شاختر Schachter بدراسة يهدف منها إلي بيان أن الحالات الإنفعالية دالة أو نتيجة للتفاعل بين العوامل المعرفية والإستثارة الفسيولوجية. مفترضاً أنه إذا تم حقن أحد الأشخاص بعقار معين دون معرفته بهذا العقار، فإنه سيكون تحت ضغط لفهم مشاعره الجسمية وقد إتبع الباحث في تجربته الإجراءات التالية:
تم إعطاء عقار مؤثر علي الحالة الإنفعالية لثلاث مجموعات من المفحوصين.
الأولي: أخبرهم الباحث بوضوح عن الآثار الفسيولوجية والأعراض المترتبة علي هذا العقار.
الثانية: لم يخبرهم الباحث بالأعراض المتوقعة.
الثالثة: أمدهم الباحث بمعلومات خاطئة عن العقار.
كما أضاف الباحث مجموعة رابعة من الأفراد تم إعطاؤهم عقاراً وهمياً (لا يحدث أي إستثارة إنفعالية) وكان من نتائج هذه التجربة ما يأتي:
1- أن أفراد المجموعة الأولي (الذين حقنوا بالعقار المؤثر، وأخبروا بالمعلومات الصحيحة عن العقار) وأفراد المجموعة الرابعة (الضابطة) الذين أخذوا عقاراً وهمياً – لم تتأثر حالتهم الإنفعالية بسلوك الممثل.
2- أن أفراد المجموعة الثانية ( الذين حقنوا بالعقار المؤثر ، ولم يخبرهم الباحث بأية معلومات عنه) ، وأفراد المجموعة الثالثة ( الذين تم إمدادهم بمعلومات خاطئة عن العقار) – تأثرت حالتهم الإنفعالية بسلوك المؤثر . وتكشف لنا هذه التجربة عن دور المعارف والمعلومات في تغيير الحالة الإنفعالية للفرد.
3- النظريات السلوكية:
ينشأ الإنفعال من وجهة نظر بعض المنظرين السلوكيين نتيجة الصراع المستثارلدي الكائن الحي. والذي يؤدي به للقيام بإستجابات غير متسقة. كما يفسر البعض الآخر الإنفعالات في ضوء إضطراب السلوك. ويؤخذ علي هذه النظريات – فيما يري ميلفن ماركس – أن هناك صعوبات في تحديد التعريفات الإجرائية الدقيقة لمعني الصراع بإعتباره أساساً للإنفعالات 0
وقد تعامل واطسون J.B. Waston مع الإنفعال علي انه نمط وراثي من الإستجابة، وتتضمن تغيرات جسمية في جسم الكائن ككل، وخاصة في الأنظمة الحشوية والغددية. وقد عالج واطسون الإنفعالات بنفس الطريقة التي تعامل بها مع الإستجابات غير الشرطية التي تحدث بشكل متسق لمنبهات معينة. ويلاحظ أن واطسون لم يهتم بالتحليل الفسيولوجي للإنفعال، أو بدور الجهاز العصبي.
أما تولمان E.C. Tolman فيتعامل مع الإنفعال علي أنه إستجابة لتنبيه معين. فالإنفعال لا يمكن تحديده بواسطة المنبهات فقط ، أو الإستجابات فقط ولكن في ضوء العلاقة بينهما. وقد إهتم تولمان بآثار التعلم علي الإنفعالات ، سواء لدي الحيوانات، أو الأطفال، أو الراشدين أما سكينر B.F. Skinner ، فقد تعامل في البداية مع الإنفعالات علي أنها ليست نوعاً أولياً من الإستجابة ولكنها نوع من القوة يمكن مقارنتها أو مضاهاتها بمظاهر الحوافز0
ثم تغيرت معالجة إسكينر للإنفعالات بعد ذلك، حيث إعتبرها حالة إفتراضية تمثل إستعداداً أو تهيؤا للفعل أو الإستجابة بشكل معين. ويري أن الإنفعال عبارة عن "زملة من النشاط أو الإستثارة يصاحبها تغيرات في الأحشاء والعضلات.
أما ميلنسون R. Millenson الذي يعتبر أحد المنظرين السلوكين المحدثين فيقدم نموذجاً في الإنفعالات مؤداه: أن التغيرات الإنفعالية تحدث من خلال عملية التشريط الكلاسيكي، فهو يري:
(أ‌) أن بعض الإنفعالات تختلف فقط من حيث الشدة.
(ب‌) أن بعضها يعتبر أساسياً وبعضها الآخر يعتبر ثانوياً وتندرج تحتها.
ويري ميلنسون أن هناك ثلاثة أبعاد لوصف جميع الإنفعالات تختلف من حيث الشدة:
البعد الأول: يتضمن الفزع والقلق ، والتهيب الذي يؤدي إلى تيسير حدوث السلوك الأدائي 0
البعد الثاني: السعادة، وتدعم السلوك الأدائي.
البعد الثالث: الغضب ، وييسر بعض أنواع السلوك الأدائي حيث يؤدي إلى زيادة إحتمال حدوث الهجوم والتدمير أو التخريب.
4- نظرية التحليل النفسي:
يعتمد المحللون النفسيون للإنفعالات علي بعض المفاهيم مثل القلق، والعدوان، فعلي الرغم من أن فرويد S. Freud قد إهتم في كتاباته بالقلق والعمليات اللاشعورية إلا أنه أهمل الإنفعالات، وإعتبرها عملية إستجابة. ففي مقالة سنة 1915 عن اللاشعور كتب يقول: هناك ثقة بأن الإنفعالات تدخل ضمن الشعور أو الوعى وفي مقابل ذلك نجد أن بعض المحللين النفسيين الممارسين للعلاج قد تحدثوا عن الحب اللاشعوري والغضب اللاشعوري… إلخ.
ويلخص دافيد رابابورت D. Rapaport وجهة نظر التحليل النفسي للوجدان في الآتي:
1- أن عملية اللاشعور تحدث فيما بين إدراك المنبه الذي يدور حول الإنفعالات، وبين التغيرات السطحية الخارجية أو التغيرات الحشوية الداخلية.
2- أن التغير اللاإرادي الخارجي، والشعور الإنفعالي عمليتان منبثقتان من نفس مصدر الحافز المعبئ للطاقة.
3- أن كل الإنفعالات تختلط معاً ويتم التعبير عنها في أنواع من الصراعات.
6- إرتقاء الإنفعالات:
إن السلوك الإنفعالي كأي سلوك إنساني ينمو ويرتقي بإرتقاء الفرد. فحينما ينمو الطفل تبدأ حالة التهيج العام في التميز وتأخذ صوراً مختلفة. فإستجابة الوليد في البداية تكون تهيجاً عاماً. وفي الشهور الثلاثة الأولي من عمره تظهر مجموعتان من المشاعر:
الأولي: المرح والسرور عند إنخفاض التوتر والإحساس باللذة.
الثانية: الأسي والضيق في حالات الحرمان من إشباع حاجة معينة.
وفي حوالي الشهر السادس يتميز إنفعال الضيق إلى ثلاثة إنفعالات مختلفة هي: الخوف، والغضب، والإشمئزاز.
وفيما بعد الشهر السادس يبدأ إنفعال السرور أيضاً في التميز. فيظهر إنفعالان جديدان هما الزهر والحب. كما يتمايز الحب إلى حب موجه للكبار وحب موجه للصغار.
ويشير هذا التمايز الذي يطرأ علي التهيج العام للطفل إلى نشوء حالات وجدانية تختلف بإختلاف دوافعه 0
وتقدم "بريدجز" K.M.B. Bridges مخططاً لإرتقاء الإنفعالات علي النحو الآتي:
أن الطفل يولد فقط بإستثارة غير مميزة أو غير محددة , وخلال الشهور الثلاثة الأولي من عمره تتحدد هذه الإستثارة إلى مظاهر إيجابية ومظاهر سلبية. ويتجه هذا التمايز والتحديد نحو المزيد من الوضوح في نهاية السنة الثانية من العمر. وعلي الرغم من دقة المخطط الذي قدمته الباحثة لإرتقاء الإنفعالات – إلا أنها أقامته علي أساس الملاحظات أو المشاهدات وليس علي أساس تجريبي. وتتمثل أهميته في أنه قدم التصور المبدئي أو الأولي للمزيد من الدراسات فيما بعد. والتي أكدت وجود علاقة وثيقة بين العمر وقدره الفرد علي تنظيم إنفعالاته .
العوامل المؤثرة في إرتقاء الإنفعالات:
يؤثر كل من النضج والتعلم في إرتقاء الإنفعالات وتمايزها وزيادة تعقيدها أو تركيبها. غير أن حدوث نمو الإنفعالات علي نسق واحد تقريباً عند الإطفاء في أثناء الشهور الأولي من حياتهم يوحي بأن النضج هو العامل الأساسي المؤثرة في هذه الفترة المبكرة من العمر. وكلما تقدم الطفل في العمر كان أثر التعلم أكثر وضوحاً.
النضج: ويقصد به النمو الذي يحدث بدون تأثير التعلم. ويحدث نتيجة للعوامل الوراثية وحدها. ويظهر أثر النضج واضحاً في تهيئة البناء العضلي والغدي والعصبي اللازم لظهور بعض الإنفعالات. فالأطفال عادة لا يبتسمون ولا يضحكون في الشهرين الأولين لأن الحركات العضلية التي يمكن من خلالها القيام بذلك لم تنضج بعد.
التعلم: ويظهر دوره واضحاً في إكتساب الأطفال للعديد من التعبيرات الإنفعالية فالتعبير عن إنفعال الغضب لدي الأطفال يتمثل في الإفصاح عن الطعام أو مغادرة المنزل وكل هذه الأفعال يتعلمها هؤلاء الأطفال من البيئة التي يعيشون فيها. ويعد إختلاف التعبيرات الإنفعالية من مجتمع لآخر دليلاً علي وجود آثار التعلم في تشكيل الإستجابة الإنفعالية 0 فبعض المجتمعات يعبر عن الدهشة برفع الحاجب وفتح العينين. بينما يعبر الصينيون مثلا عن الدهشة بإخراج ألسنتهم. ويري إدوارد (Edwards, 1968) أن تعلم الطفل لإستجابة الإنفعالية يتم من خلال ثلاثة أساليب.
( أ ) المحاكاة : وتقوم بدور كبير في إكتساب الأطفال للإستجابة الإنفعالية ويبدأ الطفل في محاكاة الآخرين في حوالي سن السنتين. فهو يقتدي بوجود نماذج من البيئة التي يعيش فيها (سواء أفراد أسرته، أو أقاربه، أو الجيران).
(ب) التشريط : ويبدأ بأن يربطالكائن بين منبه محايد ومنبه آخر سبق أن إستثار إستجابة إنفعالية لديه. كما تبين أن الخوف الذي يتعلمه الفرد من منبه معين يمتد إلى غيره من المنبهان التي تتشابه معه.؟ وذلك في ضوء مبدأ التعميم 0
(جـ) الفهم : ويعني إدراك المواقف التي يحتمل أن تثير إستجابة إنفعالية لدي الفرد. فالخوف من تعاطي مخدر معين يتضمن فهما لأضراره وما يمكن أن يحدثه من مخاطر أو أضرار.
(7) –مستوي التنشيط الإنفعالي أو الأستثارة الإنفعالية:
أحد الملامح الهامة للإنفعال أنه يؤثر في السلوك، وقد قدمت التفسيرات المختلفة لتفسير هذا التأثير.
التفسير الأول: في ضوء نظرية الإنفعال كنوع من التعبئة للطاقة في مواجهة الطوارئ ومؤداه أن إستجابات الجسم المصاحبة للإنفعالات تصد الفرد وتهيئه لمواجهة المواقف المفاجئة سواء بالمواجهة أو الهروب.
التفسير الثاني: في ضوء نظرية التنشيط للإنفعال وتربط هذه النظرية بين إستجابات الجسم المصاحبة للإنفعال وبين مستوي النشاط والإستثارة الداخلية. حيث يعتبر مستوي الإستثارة من العوامل المسئولة عن وجود فروق في سلوك وأداء الأفراد.
التفسير الثالث: ويقوم علي مفهوم تعبئة الطاقة وهو مفهوم مكافئ لمفهوم مستوي الإستثارة 0
وقد كشفت نتائج الدراسات عن وجود علاقة بين التوتر العضلي اللاإرادة (الناتج عن الإستثارة الفسيولوجية) وبين الأداء النفسي – الحركي 0 حيث تبين أن الأداء النفسي – الحركي يزيد حتي مستوي معتدل من التوتر ثم يهبط هذا المستوي بعد ذلك الحد.
أ- مستوي الإستثارة وعلاقته بالتعلم والذاكرة:
تبين أن المستوي العالي من الإستثارة يرتبط بضعف أو فقر الإحتفاظ قصير المدي وقوة أو تحسن الإحتفاظ طويل المدي 0
أما المستوي المنخفض من الإستثارة فيرتبط بقوة الإحتفاظ قصير المدي، وقوة الإحتفاظ طويل المدي. كما تبين أن دور مستوي الإستثارة في تحديد مستوي التعلم أو الأداء يرتبط بمفهوم التدعيم. حيث أوضح برلين D.E. Berlyne أن الزيادة في مستوي الإستثارة ترتبط بالتدعيمات الإيجابية بينما يرتبط النقصان في مستوي الإستثارة بالعقاب السلبي 0
ب- مستوي الإستثارة والأداء الإبداعي:
ويتسق مع ذلك ما كشفت عنه بعض الدراسات المصرية التي تناولت العلاقة بين الإبداع والتوتر النفسي. فقد كشفت الدراسة التي أجراها "ع.م. السيد" ، أن هناك علاقة منحنية بين الإبداع والتوتر النفسي. وفكلما زاد التوتر زاد الإبداع.. ولكن إلى حد معين. فإذا زاد التوتر عن هذا الحد أخذت القدرة الإبداعية في الإنخفاض، فالتوتر المنخفض كقوة دافعة منخفضة لا يؤدي إلى ظهور الإبداع. وإذا زادت هذه القوة الدافعة زاد ذلك من القدرة علي الإبداع حتي درجة معينة تتدهور بعدها القدرة الإبداعية بإزدياد التوتر أكثر من ذلك. وبوجه عام أوضحت هذه الدراسة أن الدرجة المعتدلة من التوتر هي الأكثر إرتباطاً بالإبداع 0
كما أوضحت نتائج دراسة "س.الملا" أن التوتر يرتبط إرتباطاً واضحاً بالقدرات الإبداعية في منطقة معينة من هذه السمة، وهي المنطقة الوسطي. فالتوتر يمكن أن يساعدعلي نمو وإثراء القدرات الإبداعية ولكن حتي نقطة معينة. فإذا زاد التوتر عن هذه النقطة أو عن هذا الحد الأمثل، وكذلك إذا قل أصبح معوقاً للقدرة 0
ويتضح مما سبق أن الإنفعالات في حالتها المعتدلة تمثل أهمية كبيرة بالنسبة للفرد، فتساعده علي تحقيق الكثير من الفوائد. أما في حالة تزايد شدة الإنفعالات فإنها تمثل خطورة بالنسبة للفرد. فكما أن للإنفعالات فوائدها، لها أيضاً مضارها. وهذا ما نتحدث عنه فيما بعد.
وتتوقف درجة ونوع العلاقة بين مستوي الإستثارة والأداء علي عدة عوامل منها:
( أ ) الظاهرة أو الوظيفة موضع القياس.
(ب) الطريقة أو الأسلوب المستخدم في قياس مستوي الإستثارة (كضربات القلب، أو رسم المخ، أو نشاط العضلات… إلخ).
وبوجه عام يمثل المستوي المتوسط أو المعتدل من الإستثارة الإنفعالية أفضل المستويات التي يكون الفرد خلالها علي درجة ملائمة من اليقظة والتنبيه للقيام بأعماله ونشاطاته ويوضح الشكل التالي علاقة مستوي الإستثارة الإنفعالية وفاعلية أو كفاءة الأداء.
جـ- فوائد الإنفعالات:
تحقق الدرجات المعتدلة من الإنفعالات العديد من الفوائد بالنسبة للفرد ومنها ما يأتي:
1- تزيد الشحنة الوجدانية المصاحبة للإنفعال من تحمل الفرد وتدفعه إلى مواصلة العمل وتحقيق أهدافه.
2- للإنفعال قيمة إجتماعية. فالتعبيرات المصاحبة للإنفعال – كما سبق أن أوضحنا ذات قيمة تعبيرية تربط بين الأفراد وتزيد من فهمهم لبعضهم البعض.
3- تعتبر الإنفعالات مصدراً من مصادرالسرور. فكل فرد يحتاج إلى درجة معينة منها إذا زادت أثرت علي سلوكه وتفكيره. وإذا قلت إصابته بالملل.
4- تهيئ الإنفعالات الفرد للمقاومة من خلال تنبيه الجهاز العصبي اللارادي.
(ب) أما مضار الإنفعالات فمنها ما يأتي:
1- يؤثر الإنفعال علي تفكير الفرد فيمنعه من الإستمرار. كما هو الحال في حالة الغضب أو يجعل التفكير بطيئاً كما هو الحال في حالات الحزن والإكتئاب.
2- يقلل الإنفعال من قدرة الشخص علي النقد وإصدار الأحكام الصحيحة.
3- كما يؤثر أيضاً علي الذاكرة فيما يتصل بالأحداف التي تتم أثناء فترة الإنفعال.
4- في حالة حدوث الإنفعالات بشكل مستمر ودائم، يترتب عليه العديد من المتغيرات الفسيولوجية، مما يؤدي إلى حدوث تغيرات عضوية في الأنسجة وينشأ في هذه الحالة ما يسمي بالأمراض النفسية – الجسمية أو السيكوسوماتية. ومنا قرحة المعدة وإرتفاع ضغط الدم 0
والسؤال الذي يستحق الإجابة عليه هو: كيف يمكن التغلب والسيطرة علي الإنفعالات والتقليل من أضرها. وهذا ما نتناوله في الفقرة التالية:
د- التحكم في الإنفعالات أو السيطرة عليها:
هناك بعض القواعد أو المبادئ المقترحة في هذا الصدد، والتي يمكن من خلالها التحكم والسيطرة في الإنفعالات ومنها ما يأتي:
1- التعبير عن الطاقة الإنفعالية في الأعمال المفيدة. حيث يولد الإنفعال طاقة زائدة في الجسم تساعد الفرد علي القيام ببعض الأعمال العنيفة. ومن الممكن أن يتدرب الفرد علي القيام ببعض الأعمال الأخري المفيدة لكي يتخلص من هذه الطاقة.
2- تقديم المعلومات والمعارف عن المنبهات المثيرة للإنفعال. حيث يساعد ذلك علي إنقاص شدة الإنفعال وبالتالي التغلب علي الإضطراب الذي يحدث للأنشطة المتصلة به. فالطفل الذي يخاف من القطط مثلا يمكن مساعدته علي التخلص من ذلك عن طريق تزويده ببعض المعلومات التي تقلل من هذه الحالة لديه.
3- محاولة البحث عن إستجابات تتعارض مع الإنفعال. فإذا شعر الفرد نحو شخص ما بشئ من الكراهية لأسباب معينة عليه أن يبحث عن أسباب أخري إيجابية يمكن أن تثير إعجابه بهذا الشخص وتغير إتجاهه نحوه.
4- عدم تركيز الإنتباه علي الأشياء والمواقف المثيرة للإنفعالات. فإذا لم يستطع الفرد التحكم في إنفعالاته عن طريق البحث عن الجوانب الإيجابية أو السارة في الشئ مصدر الإنفعال يمكنه أن يغير إهتمامه عن هذا الشئ إلى الأشياء والموضوعات التي تساعده علي الهدوء والتخلص من إنفعالاته وتوتراته.
5- الإسترخاء: يحدث الإنفعال عادة حالة عامة من التوتر في عضلات الجسم وفي مثل هذه الحالات يحسن القيام بشئ من الإسترخاء العام لتهدئة الإنفعال وتناقصه تدريجياً.
6- عدم الحسم وإصدار الأحكام في الموضوعات والأمور المهمة أثناء الإنفعال. ففترة الإنفعال تمثل حالة من عدم التوازن لذلك يفشل الفرد في رؤية الأمور بشكلها الصحيح. وبالتالي تكون أحكامه غير صحيحة 0
وبهذا نكون قد عرضنا في هذا الفصل لتعريف الإنفعالات وأبعادها، وأنواعها والنظريات المفسرة لها، ومظاهرها، وكيف ترتقي وتتغير من عمر لآخر. ثم تحدثنا بعد ذلك عن الإستثارة الإنفعالية وعلاقتها بكفاءة الأداء، وفوائد ومضار الإنفعالات وكيف يمكن التحكم والسيطرة عليها.

.................................................. ................





المراجــــــــــــع :
1- جابر عبد الحميد جابر( 1986 ) : مدخل لدراسة السلوك الأنسانى , ط4 , القاهرة , دار النهضة العربية 0
2- شاكر عبد الحميد سليمان وآخرون ( 1990 ) : علم النفس العام , ط3 , القاهرة , دار غريب للنشر والتوزيع 0
3- عثمان نجاتي ( 1983 ) : علم النفس في حياتنا اليومية , الكويت , دار القلم 0
4- على السلمي ( 1985 ) : السلوك الأنسانى في الإدارة , القاهرة , مكتبة غريب بالفجالة 0
5- محمد شفيق ( 2003 ) : الأنسان والمجتمع ," مقدمة فى علم النفس الإجتماعى " , الإسكندرية , المكتب الجامعي الحديث 0
6- مصطفى سويف ( 1983 ) : علم النفس الأجتماعى , القاهرة , مكتبة الأنجلو المصرية 0

__________________
wahid-m
wahidkamel غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
 
 
قديم 01-29-2005, 10:28 AM   #2
محمد مصطفى محمو
Registered User









محمد مصطفى محمو غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتاب اكثر من قيم شكرا لك

محمد مصطفى محمود

محمد مصطفى محمو غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
 
 
قديم 10-24-2005, 12:20 PM   #3
wattad mohamad
Registered User








wattad mohamad غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة wahidkamel 
   الفصل الأول
علم النفس: مجالاته وطرق البحث فيه
ما هو علم النفس:
لقد إهتم الإنسان بذاته كثيراً، وحاول جاهداً أن يعرف نفسه، وأن يجد إجابات عن أسئلة كثيرة تتعلق بسلوكه. لماذا سلك علي هذا النحو أو ذاك؟ وكيف أكتسب هذه العادة أو تلك؟ كما أتجه إلى تقدير إمكانيات شخصيته وخصائصها ومقارنتها بما يجد في شخصيات الآخرين. ولكثير من أناس آراؤهم الخاصة وتفسيراتهم لدوافع الأفراد للعمل أو الراحة، للحب أو للكره للتفكير أو التخيل وهم يتلمسون الأسباب التي تفسر اختلاف الأفراد في هذه النواحي وغيرها.
وعلم النفس يهتم بهذه المسائل. ولأنة يتخذ المنهج العلمي سبيلاً إلي دراستها. ويمكن تعريفه بأنه العلم الذي يدرس جوانب نشاط الإنسان وهو لا يعيش في فراغ وإنما يعيش في بيئة من الناس والأشياء. ويسعى لإشباع حاجاته العضوية والنفسية، وفي خلال سعيه تعترضه العوائق المادية والاجتماعية، ويحاول دوما أن يوفق بين حاجاته ومتطلبات الواقع. وسيتضح معني هذا التعريف من خلال معالجتنا لموضوعين هما: مجالات علم النفس، وطرق البحث فيه.
مجالات علم النفس
من الطبيعي لعلم يدرس جوانب نشاط الإنسان في تفاعله مع البيئة وتكيفه، أن يتفرع إلى مجالات معينة بعضها يهتم بالكشف عن الوقائع والمبادئ التي تحكم السلوك الإنساني، والبعض الآخر يهتم بتطبيق هذه الوقائع والمبادئ علي مشكلات الإنسان ويطلق علي الأولي مجالات علم النفس النظري، وعلي الثانية مجالات علم النفس التطبيقي.
ومن أهم مجالات علم النفس النظري:
( أ ) علم النفس العام: ويشتمل علي المبادئ الأساسية لعلم النفس كله أي أنه أساس كل الفروع الأخرى وهو يعني بصفة خاصة بالعمليات التي يقوم بها الفرد السوي في بيئته، والتي يشترك الناس فيها جميعاً كالإدراك، والتعلم، والتفكير، والتذكر، والانفعال… وغير ذلك من هذه العمليات.
(ب) علم نفس النمو: ويعني بدراسة عمليات النمو ومراحله ويشمل فترات الطفولة والمراهقة والرشد والشيخوخة.
(جـ) علم النفس الاجتماعي: يدرس أنواع التفاعل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات. ولا شك أن للعلاقات المتبادلة بين الأفراد تؤثر في تفكيرهم وانفعالاتهم وعاداتهم. ويتخذ التفاعل الاجتماعي ثلاث صور: بين فرد وآخر، بين فرد وجماعة، بين جماعة وجماعة، ومن الظاهرات التي يدرسها علم النفس الاجتماعي ظاهرة القيادة، والرأي العام، والدعاية… الخ.
( د ) علم النفس المرضي: يتناول دراسة السلوك الشاذ أي الذي ينحرف انحرافا عما هو شائع أو متوقع، أو ذلك الذي لا يتفق مع المعايير الاجتماعية وقد تكون انحرافات بسيطة لا تتفق مع المعايير الاجتماعية. وقد تكون انحرافات شديدة كالأعمال الخطرة أو الجنونية أو حالات العجز، وبعبارة أخري فإنه يدرس الأمراض النفسية والعقلية، وضعف العقل، والإجرام، باحثاً عن أسبابها وكيفية نشأتها.
ومن أهم المجالات التطبيقية لعلم النفس:
( أ ) علم النفس العلاجي: ويهدف إلى تشخيص الإضطرابات النفسية وعلاجها، وعالم انفس الإكلينيكي يتعاون مع الطبيب الجسمي، ومع الباحث الاجتماعي ليمكن الأفراد المضطربين نفسياً من تحقيق التوافق مع بيئتهم.
(ب) علم النفس الصناعي: يهدف إلى رفع مستوي الكفاية الإنتاجية للعامل وللجماعات العامة، وذلك عن طريق الاختيار والتوجيه المهني والتدريب الصناعي. ودراسة ظروف العمل المادية والإنسانية بقصد التعرف علي تأثيرها في العامل حتى يمكن معالجة مشكلات التعب والملل والوقاية من الحوادث. وتحقيق الرضا النفسي للعامل.
(جـ) علم النفس التربوي: يبحث علم النفس التربوي في مجال التعليم والدوافع وفي الموضوعات الأخرى ذات العلاقة بالعمليةالتعليمية. ويمكن تعريفه بأنه الدراسة المنظمة للنمو التربوي. ونحن نحاول في هذه الدراسة أن نتعرف علي طبيعة النمو التربوي وملامحه الأساسية، وأن نفهم القوي التي تؤثر فيه.
والنمو التعليمي مصطلح شامل يتناول مجالا واسعاً عريضاً. ويمكن القول بصفة عامة أنه يشمل النمو في جميع النواحي التي تهتم بها المدرسة – فإذا اهتمت المدرسة أساساً بالقراءة والكتابة والحساب فإن النمو التعليمي يعني النمو والتغير في هذه الموضوعات. أما إذا اهتمت المدرسة بالصحة الجسمية، والشخصية، والاتجاهات، والذكاء، والعلاقات الاجتماعية، فإن النمو التربوي يشتمل علي النمو في كل هذه السمات برمتها.
دراسة السلوك
يختلف علماء النفس في زاوية دراستهم للسلوك. فبينما نجد علماء نفس المثير والاستجابة يهتمون في دراسة السلوك بمجموعة الاستجابات التي تصدر عن الفرد وما يرتبط بها من مثيرات. نجد من ناحية أخري أصحاب النظرية الديناميكية ينظرون إلى السلوك علي أنه مجرد مصدر للدلالة علي دوافع الفرد وميكانزماته. فهم يركزون علي ما يعتمل داخل الشخص ولو أنهم لا يجدون محيصاً من اللجوء إلى السلوك الظاهر كمصدر أساسي لبيانات البحث وهم يستخدمون في دراسة هذا السلوك الملاحظة والتجربة والطريقة الإكلينيكية والقياس.
الملاحظــة الطبيعية:
من طرق البحث التي يفضلها علماء النفس ما يسمى الملاحظة الطبيعية, اى ملاحظة الإنسان في محيطة الطبيعي اليومي المعتاد, ويعنى هذا بالنسبة للأطفال مثلا ملاحظتهم في المنزل أو في المدرسة أو الحديقة العامة أو فناء الملعب, ثم تسجيل ما يحدث, ويصنف رايت Wright, 1960 طرق الملاحظة الطبيعية إلى نوعين:
احدهما يسمية الملاحظة المفتوحة وهى التي يجريها الباحث دون أن يكون لدية فرض معين يسعى لاختبارة, وكل ما يهدف إلية هو الحصول على فهم أفضل لمجموعة من الظواهر النفسية التي تستحق مزيدا من البحث اللاحق, أما النوع الثاني فيسمية رايت الملاحظة المقيدة وهى تلك التي يسعى فيها الباحث إلى اختبار فرض معين, وبالتالي يقرر مقدما ماذا يلاحظ ومتى 0
طرق الملاحظة المفتوحة:
دراسة الفرد: وتشمل مجموعة من الطرق منها المقابلة الشخصية ودراسة الحالة وتسجيل اليوميات والسيرة الذاتية 0 وفى هذة الطرق يسجل الباحث المعلومات عن كل فرد من الأفراد موضوع الدراسة بهدف إعداد وصف مفصل لة دون أن تكون لدية خطة ثابتة تبين اى المعلومات لة أهمية اكبر من غيرة, وقد يلجأ الفاحص إلى تسجيل هذة المعلومات في يومياتة في صورة سجلات قصصية, وقد يطلب من المفحوص أن يروى عن فترة معينة من حياتة في موقف تفاعل مباشر بينة وبين الفاحص ( المقابلة الشخصية ) وقد تمتد هذة الطريقة لتصبح سجلا للفرد أو الحالة يستخدم فية الباحث مصادر عديدة للمعلومات مثل ظروف المفحوص الأسرية, والوضع الاقتصادي والاجتماعي, ودرجة التعليم ونوع المهنة وسجلة الصحي وبعض التقارير الذاتية عن الأحداث الهامة في حياة الفرد, وادائة في الاختبارات النفسية, وكثير من المعلومات التي تتطلبها دراسة الحالة تتطلب إجراء مقابلات شخصية مع الفرد, وعادة ما تتسم هذة المقابلات بأنها غير مقننة اى تختلف الأسئلة التي تطرح فيها من فرد لآخر 0
وتعد من قبيل دراسة الحالة وتسجيل اليوميات سير الأطفال التي كتبها الآباء من الفلاسفة والأدباء والعلماء عن أبنائهم, والتراجم التي كتبت عن بعض العباقرة والمبدعين, والسير الذاتية التي كتبوها عن أنفسهم, وعلى الرغم من إن هذة الطريقة, فيها ثراء المعرفة وخصوبة المعلومات وحيوية الوصف إلا إن فيها مجموعة من النقائص نذكر منة:
1- تعتبر هذة الطريقة من جانب الفاحص مصدرا ذاتيا وغير منظم للمعلومات, أما من جانب المفحوص فإن إلى جانب الطابع الذاتي لتقاريرة قد تعوز المعلومات التي يسجلها الدقة اللازمة, وخاصة حين يكون علية استدعاء أحداث هامة وقعت لة منذ سنوات طويلة0
2- المعلومات التي نحصل عليها بهذة الطريقة من فردين أو أكثر قد لا تكون قابلة للمقارنة مباشرة, وخاصة إذا كانت الأسئلة التي توجة إلى كل منهما مختلفة 0
3- النتائج التي نستخلصها من خبرات أفراد بذواتهم تمت دراستهم بهذة الطريقة قد تستعصي على التعميم, اى قد لا تصدق على معظم الناس 0
4- التحيزات النظرية القبلية للباحث قد تؤثر في الأسئلة التي يطرحها والتفسيرات التي يستخلصها 0
الوصف على سبيل المثال: في هذة الطريقة يحاول الباحث أن يسجل بإسهاب وتفصيل كل ما يحدث في وقت معين على نحو يجعلة اقرب إلى آلة التسجيل, ولعل هذا ما دفع الباحثين الذين يستخدمون هذة الطريقة إلى الاستعانة بالتكنولوجيا المتقدمة في هذا الصدد, فباستخدام آلات التصوير وكاميرات الفيديو, وأجهزة التسجيل السمعي يمكن للباحث أن يصل إلى التسجيل الدقيق الكامل لما يحدث, وهذة الطريقة في الملاحظة المفتوحة أكثر دقة وموضوعية ونظاما من الطريقة السابقة, إلا أن المشكلة الجوهرية هنا هي إننا بطريقة وصف العينة نحصل على معلومات كثيرة للغاية إذا إستمر التسجيل لفترة طويلة, مثلا لقد تطلب تسجيل كل ما يفعلة طفل عمرة 8 سنوات في يوم واحد أن يصدر في كتاب ضخم مؤلف في 425 صفحة 0
طرق الملاحظة المقيدة:
تعتمد هذة الطريقة على استراتيجية اختيار بعض جوانب السلوك فقط لتسجيلها, وبالطبع فإن هذا التقييد يفقد الملاحظة خصوبة التفاصيل التي تتوافر بالطرق السابقة, إلا إن ما تفقدة في جانب الخصوبة تكسبة في جانب الدقة والضبط, ولعل أعظم جوانب الكسب إن الباحث يستطيع أن يختبر بسهولة بعض فروضة العلمية بإستخدام البيانات التي يحصل عليها بهذة الطريقة 0 وهو ما يعجز عنة تماما إذا استخدم الأوصاف القصصية التي يحصل عليها بالطرق الحرة السابقة 0
عينة السلوك: وفى هذة الطريقة يكون على الباحث أن يسجل أنماطا معينة من السلوك في كل مرة يصدر فيها عن المفحوص, كأن يسجل مرات الصراخ التي تصدر عن مجموعة من الأطفال سن ما قبل المدرسة, أو مرات العدوان بين أطفال المرحلة الابتدائية, وقد يسجل الباحث معلومات وصفية إضافية أيضا, ففي السلوك العدواني قد يلاحظ الباحث أيضا عدد الأطفال المشاركين في العدوان وجنس الطفل, ومن يبدأ العدوان, ومن يستمر فية إلى النهاية, وما إذا كانت نهاية العدوانية تلقائية أم تتطلب تدخل الكبار, وهكذا, ويحتاج هذا إلى وقت طويل بالطبع, وتزداد مشكلة الوقت حدة إذا كان على الباحث أن يلاحظ عدة مفحوصين في وقت واحد, فمثلا إذا كان الباحث مهتما بالسلوك العدواني الذي يصدر عن ستة أطفال خلال فترة لعب طولها 60 دقيقة فان علية أن يلاحظ كل طفل منهم بكل دقة لخمس فترات طول كل منها دقيقتان طوال الزمن المخصص للملاحظة, ويسجل كل ما يصدر عن الطفل مما يمكن أن ينتمي إلى السلوك العدواني 0
وقد يسهل علية الأمر إذا لجأ إلى التسجيل الشخصي المباشر, أن يستخدم نوعا من الحكم والتقدير لسلوكهم الذي يلاحظة, وتفيدة في هذا الصدد مقاييس التقدير التي تتضمن نوعا من الحكم على مقدار حدوث السلوك موضع البحث ومن ذلك أن يحكم على السلوك العدواني للطفل بأنة:
يحدث دائما – يحدث كثيرا – يحدث قليلا – نادرا ما يحدث- لا يحدث على الإطلاق 0 وعلية أن يحدد بدقة معنى ( دائما – كثيرا- قليلا – نادرا – لا يحدث ) حتى لا ينشأ غموض في فهم معانيها, وخاصة إذا كان من الضروري وجود ملاحظ آخر لنفس السلوك يسجل تقديراتة مستقلا تحقيقا لموضوعية الملاحظة 0
عينة الوقت: في هذة الطريقة يتركز اهتمام الباحث بمدى حدوث أنماط معينة من السلوك في فترات معينة يخصصها للملاحظة ويتم تحديد أوقاتها مقدما, والمنطق الرئيسي وراء هذة الطريقة إن الإنسان يستمر في إصدار نفس السلوك لفترات طويلة نسبيا من الزمن, وعلى هذا يمكننا الحصول على وصف صحيح لهذا السلوك وحكم صحيح علية إذا لاحظناة بشكل متقطع في بعد الزمن, وتختلف الفترات الزمنية التي يختارها الباحثون لهذا الغرض ابتداء من ثوان قليلة لملاحظة بعض أنواع السلوك, إلى دقائق أو ساعات عديدة لبعض الأنواع الأخرى, وفى جميع الأحوال يجب أن يكون المدى الزمني للملاحظة واحدا تبعا لخطة معدة مقدما, وخلال هذة الفترات يسجل الباحث عدد مرات السلوك موضع الاهتمام, ومن أمثلة ذلك, أن يختار الباحث حصة في أول النهار وحصة في آخرة مرتين في الأسبوع على مدار العام الدراسي لبحث بعض جوانب سلوك تلميذ المدرسة الابتدائية وإذا عدنا لمثال السلوك العدواني قد يقرر الباحث ملاحظة سلوك العدوان عند الأطفال خلال الدقائق العشر الأولى من كل ساعة من أربع ساعات متصلة خلال مرحلة 0
ومن مزايا هذة الطريقة أنها تسمح بالمقارنة المباشرة بين المفحوصين مادام الوقت الذي تجرى فية الملاحظة والزمن الذي تستغرقة واحدا 0
وحدات السلوك: في هذة الطريقة يلاحظ الباحث خلال فترة زمنية معينة وحدات معينة من السلوك وليس عينة سلوك أو عينة وقت, ومعنى ذلك أن تتم ملاحظة أحدى جزئيات السلوك بدلا من ملاحظتة ككتلة مركبة غير متجانسة, وتبدأ وحدة السلوك في الحدوث في اى وقت يطرأ فية اى تغير على استجابات المفحوص وما قد يصاحبة من تغير في بيئتة, فمثلا إذا لاحظنا إن الطفل وهو يلعب برمال الشاطىء تحول فجأة إلى وضع كمية من الرمل في شعر طفل آخر فإننا نسجل في هذة الحالة حدوث ذلك, باعتبارة وحدة سلوك تختلف عما كان يحدث من قبل حين كان الطفلان يتبادلان الابتسام مثلا فأصبحا يتبادلان الهجوم, ويسجل الباحث ما طرأ على بيئة الطفلين من تغير في هاتين الحالتين حين كان الطفل الأول يمسك في المرة الأولى كرة يلعب بها وحدة, فجاء أبوة وأخذها منة ليعطيها للطفل الثاني الذي كان يلح في طلبها, وهكذا يكون على الباحث في كل مرة أن يسجل حدوث وحدة السلوك على أنها تغير في استجابات الطفل وفى بيئتة, وحين تنتهي فترة الملاحظة يقوم الباحث بفحص وحدات السلوك التي تم تجميعها ثم تحليلها, ويتطلب ذلك بالطبع تصنيفها في فئات 0
تعليق عام على طرق الملاحظة الطبيعية:
من مشكلات طرق الملاحظة الطبيعية إن الملاحظ قد يتجاوز حدود مهمتة أيضا إذا تدخل في عملية التسجيل التي يقوم عليها الوصف الدقيق للظواهر وحولها إلى مستوى التفسير, ولذلك فان كثيرا من تقارير الملاحظة لا يعتد بها إذا تضمنت الكثير من أراء الباحث وطرقة في فهم الأحداث بدلا من أن يتضمن وصفا دقيقا للإحداث ذاتها, وإحدى طرق زيادة الدقة في هذا الصدد تحديد أنواع الأنشطة التي تعد أمثلة للسلوك موضوع الملاحظة, وتكون هذة الأنشطة تعريفا إجرائيا لهذا السلوك 0
وتتضمن المشكلة السابقة قضية الموضوعية في الملاحظة, فإذا لم تكن ملاحظتنا إلا محض تفسيرتنا وتأويلاتنا وفهمنا للإحداث فبالطبع لن يحدث بيننا الاتفاق المستقل في الوصف, لأنها سمحت بان تلعب جوانبنا الذاتية دورا في ملاحظتنا, ومن الشروط التي يجب أن نتحقق منة في طريق الملاحظة شرط الثبات, وهو هنا ثبات الملاحظين, ويتطلب ذلك أن يقوم بملاحظة نفس الأفراد في نفس السلوك موضع البحث أكثر من ملاحظ واحد على أن يكونوا مستقلين تماما بعضهم عن بعض, ثم تتم المقارنة بين الملاحظين, فإذا كان بينهم قدر من الاتفاق المستقل فيما يسجلون أمكننا الحكم على الملاحظة بالدقة والثبات, وألا كانت نتائج الملاحظة موضع شك, وبالطبع فان هذا الثبات يزداد في طرق الملاحظة المقيدة عنة في طرق الملاحظة المفتوحة 0
وتحتاج طرق الملاحظة الطبيعية إلى التدريب على رؤية أو سماع ما يجب رؤيتة أو سماعة وتسجيلة, وتدلنا خبرة رجال القضاء إن شهادة شهود العيان في كثير من الحالات تكون غير دقيقة, لأنهم بالطبع غير مدربين على الملاحظة, وما لم يتدرب الملاحظ تدريبا جيدا على الملاحظة فان تقاريرة لن تتجاوز حدود الوصف الذاتي المحض, وهى بهذا تكون عديمة الجدوى في أغراض البحث العلمي, وفى كثير من مشروعات البحوث يتم تدريب الملاحظين قبل البدء في الدراسة الميدانية حتى يصلوا في دقة الملاحظة إلى درجة الاتفاق شبة الكامل بينهم ( بنسبة اتفاق لا تقل عن 90 % ) 0
ومن المشكلات الأخرى في طرق الملاحظة الطبيعية إن محض وجود ملاحظ غير مألوف بين المفحوصين يؤثر في سلوكهم ويؤدى إلى اختفاء التلقائية والطبيعية في اللعب والعمل أو غير ذلك من المواقف موضع الملاحظة, وقد بذلت جهود كثيرة للتغلب على هذة المشكلة, ومن ذلك تزويد معامل علم النفس بالغرف التي تسمح حيطانها الزجاجية بالرؤية من جانب واحد ( هو في العادة الجانب الذي يوجد فية الفاحص ), وفى هذة الحالة يمكن لفاحص أن يكون خارج الموقف ويلاحظ سلوك الشخص وهو يتم بتلقائية, ومنها أيضا إستخدام آلات التصوير بالفيديو أو السينما, وآلات التسجيل السمعي بشرط أن توضع في أماكن خفية لا ينتبة إليها المفحوصين, أو توضع في أماكن مرئية لهم على أن تظل في مكانها لفترة طويلة نسبيا من الزمن قبل إستخدامها حتى يتعود على وجودها المفحوصين, وقد يلجأ بعض الباحثين للتغلب على هذة المشكلة إلى الإندماج مع المفحوصين في محيطهم الطبيعي قبل الإجراء الفعلي بحيث يصبح وجودهم جزءاً من البيئة الأجتماعية للبحث, وهذة الطريقة تسمى الملاحظة بالمشاركة 0
وبالطبع كلما أجريت الملاحظة في ظروف مقننة ومضبوطة زودتنا بمعلومات أكثر قابلية للتعميم, فمثلاً عند دراسة نمو القدرة على القبض على الأشياء ومعالجتها قد يتطلب الأمر ملاحظات دقيقة وتفصيلية للأطفال من مختلف الأعمار, كل منهم يقوم بمعالجة نفس الشيء في موقف مقنن أو موحد, وحتى نوضح ذلك فقد نختبر أختباراً فرديا 40 طفلاً كل عشرة منهم في مجموعة عمرية معينة ولتكن 20 أسبوعاً, 30 أسبوعاً, 40 أسبوعاً, 50 أسبوعاً, بينما هم جالسون جلسة معتدلة في مقعد مرتفع, ثم نضع مكعبا على لوح خشبي أمام كل طفل, وفى هذة الحالة يمكننا أن نلاحظ ونسجل بالتفصيل جهود الطفل للقبض على المكعب الخشبي ومعالجتة 0
وبالطبع فإن التصوير السينمائي لإستجابات الأطفال يعطى تسجيلاً موضوعيا وكاملاً ويمكننا أن نحللة بدقة ونعود إلية إذا أختلفنا في ملاحظة أساليب الطفل في القبض على الأشياء ( مثلا إستخدام الذراع أو الرسخ أو اليد أو الأصابع ), وتعطينا المقارنة بين سجلات الأطفال من مختلف الأعمار أساسا لوصف إتجاهات النمو في القدرة على معالجة الأشياء 0
وأخيراً فإن الملاحظة الطبيعية فيها كل خصائص التعقد والتركيب لمواقف الحياة الطبيعية التي تحرر منها قدر الأمكان المواقف المعملية, إلا أن هذا ليس عيبا في الطريقة وإنما هو أحد حدودها, فالواقع أننا في حاجة إلى البحوث التي تعتمد على وصف دراسة السلوك الأنسانى في سياقة الطبيعي والمعتاد والتي قد تقودنا إلى بحوث أخرى تعتمد على طرق أخرى تستند في جوهرها على منطق التنبؤ والتوجية والتحكم في هذا السلوك 0
الطريقة التجريبية:
الطريقة التجريبية أساس التقدم العلمي في مجالات المعرفة البشرية لأنها تنتهي إلى الكشف عن أسباب الظواهر والعوامل المؤثرة فيها, ولذا تعد هذة الطريقة, الطريقة الرئيسية في أبحاث العلوم الطبيعية, وتقترب العلوم الإنسانية من دقة وموضوعية تلك العلوم بمقدار إستخدامها لتلك الطريقة في أبحاثها المختلفة 0
وهى تحقق كل الأهداف الثلاثة الأساسية للبحث العلمي وهى: التنبؤ, والفهم, والتحكم 0 ولا تكاد ترقى أغلب الطرق الأخرى إلى ما ترقى إلية التجربة, لأن تلك الطرق غالبا ما تنتهي عند هدف الفهم ولا ترقى إلى هدف التحكم 0
المتغير المستقل والمتغير التابع:
المتغير المستقل: هو العامل الذي يظهر أو يختفي أو يتغير تبعا لظهور أو اختفاء أو تغير المتغير الذي يتحكم فية الباحث ويعالحة تجريبيا فيظهرة أو يخفية أو يزيدة أو ينقصة في محاولتة لتحديد علاقتة بظاهرة تلاحظ, وغالبا ما يرمز لة بالرمز " م " أي المتغير المثير أو متغير الاستثارة 0
المتغير التابع: ويرمز لة بالرمز " س " أي الاستجابة أو متغير الاستجابة والباحث لا يتحكم فيما يحدث للمتغير التابع, وما علية إلا أن يسجل ما يحدث لهذا المتغير نتيجة لتحكمة هو في المتغير المستقل, وذلك لأن ما يحدث للمتغير التابع هو في الحقيقة نتيجة لما حدث أو يحدث للمتغير المستقل 0
الجماعة التجريبية والجماعة الضابطة: الجماعة التجريبية هي الجماعة التي يتعرض أفرادها للمتغير المستقل, والجماعة الضابطة هي الجماعة التي يناظر أفرادها أفرا د الجماعة التجريبية ولا يتعرضون للمتغير المستقل 0
فإذا كان الهدف مثلا هو قياس " أثر وجود الجماعة على إنتاج الفرد " فإن الجماعة التجريبية في هذة الحالة يمكن أن تكون من مجموعة من الأفراد بحيث يعمل كل فرد من أفرادها في مواجهة جماعة من الناس وتصبح المتغيرات التابعة في الجماعة التجريبية أنتاج الأفراد في الأعمال التي يقومون بها 0
وتتكون الجماعة الضابطة من مجموعة من الأفراد, بحيث يناظر أفرادها الجماعة التجريبية ويعمل كل فرد من أفرادها بمعزل عن جماعة المواجهة التي يتعرض لها أفراد الجماعة التجريبية, وبذلك لا يتعرض أفراد مثل هذة الجماعة للمتغير المستقل, وتصبح المتغيرات التابعة أيضا هي أنتاج أفراد الجماعة الضابطة أو استجاباتهم 0
التصميم التجريبي: يدل التصميم التجريبي في معناة العام على خطة التجربة التي تشتمل على اختيار الأفراد, وترتيب الإجراءات, ونوع المعالجة التجريبية, وطريقة تسجيل البيانات, مع الإشارة إلى الأسلوب الأحصائى الذي سيتبع في تحليل النتائج 0
القياس البعدى للجماعتين:
يقاس أثر المتغير المستقل بمقارنة متوسط استجابات الجماعة التجريبية بعد تعرضها للمتغير المستقل بمتوسط استجابات الجماعة الضابطة التي لم تتعرض للمتغير المستقل, وذلك باعتبار أن تلك الأستجابات هي المتغيرات التابعة, ثم يحسب فرق المتوسطين والدلالة الإحصائية لهذا الفرق, فإذا كان للفرق دلالة إحصائية فإن ذلك يدل على أثر المتغير المستقل, وإذا لم يكن للفرق دلالة فإن ذلك يدل على انعدام أثر المتغير المستقل 0



الجماعة القياس القبلي المتغير المستقل القياس البعدى الفرق
التجريبية لا نعم نعم ( ص2 ) ص2- ص2 "
الضابطة لا لا نعم ( ص2 " )
يتضح من الجدول السابق إن الرمز ص2 يدل على نتيجة القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ص2 " على نتيجة القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة الضابطة 0
القياس القبلي – البعدى للجماعتين:
تقاس المتغيرات التابعة في الجماعتين التجريبية والضابطة قبل بدء التجربة وبعد انتهائها, أي قبل تعرض الجماعة التجريبية للمتغير المستقل وبعد تعرضها ثم تقاس الفروق وتحسب الدلالة 0


الجماعة القياس القبلي المتغير المستقل القياس البعدى الفرق
التجريبية نعم ( ص1 ) نعم نعم ( ص2 ) ق=ص2-ص1
الضابطة نعم ( ص1 ") لا نعم ( ص2 " ) ق=ص2 "-ص1 "
ويدل الرمز ص1 على نتيجة القياس القبلي للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ص1 " على نتيجة القياس القبلي للمتغير التابع في الجماعة الضابطة, ويدل الرمز ص2 على نتيجة القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ص2 " على نتيجة القياس للجماعة الضابطة, ويدل الرمز ق على فرق القياس القبلي من القياس البعدى للمتغير التابع في الجماعة التجريبية, ويدل الرمز ق" على فرق القياس القبلي من القياس البعدى للمتغير في الجماعة الضابطة 0
وعلى الباحث بعد ذلك أن يقارن ق, ق" أو يقارن ص2, ص2 " ليستدل على أثر المتغير المستقل على المتغير التابع 0
القياس القبلي – البعدى لجماعة واحدة:
ومن القياس القبلي – البعدى ما يصبح على جماعة واحدة فقط, هي الجماعة التجريبية, ويحل كل فرد محل الجماعة الضابطة, أي أن الفرد يصبح هو نفسة جماعتة الضابطة فتقاس استجابتة في المتغير التابع قبل تعرضة للمتغير المستقل ثم تقاس استجابتة بعد ذلك في المتغير التابع بعد تعرضة للمتغير المستقل, ويحسب الفرق بين الاستجابتين على أنة أثر المتغير المستقل 0

الجماعة القياس القبلي المتغير المستقل القياس البعدى الفرق
التجريبية نعم ( ص1 ) نعم نعم ( ص2 ) ق=ص2- ص1
وعلى الرغم من إن المنهج التجريبي هو أقوى المناهج في اختبار العلاقات السببية والتي تقود إلى تفسيرات مقنعة فإن فية بعض المشكلات التي نلخصها فيما يلي:
1- مجرد وجود المفحوص ضمن إجراء تجريبي قد يؤثر في سلوكة ويجعلة يفتقد التلقائية والطبيعية التي تميز طرق الملاحظة المباشرة وإذا حدث ذلك فإن نتائج التجربة لن تصدق على أحداث الحياة الواقعية 0
2- البيئة ( المعملية ) المضبوطة المقننة التي عادة ما تجرى فيها البحوث التجريبية هي أيضا بيئة اصطناعية للغاية ومن المتوقع للمفحوصين أن يسلكوا على نحو مختلف في مواقف الحياة الفعلية, ولهذا يجب ألا تنتقل نتائج بحوث المعمل إلى الميدان انتقالا مباشرا, وأنما على الباحث أن يمر بخطوات عديدة في سبيل ذلك 0 وأحدى طرق التغلب على هذة المشكلة تصميم تجارب تبدو طبيعية للمفحوصين ويمكن جعل الموقف التجريبي أكثر طبيعية للأطفال, مثلا, بأن تجرى التجربة في موقف معتاد كالبيت أو المدرسة, كما أن الأطفال قد يسلكون على نحو أكثر طبيعية إذا قام والداهم أو معلموهم بدور المجربين بدلا من وجود شخص غريب لا يعرفونة بشرط تدريب هؤلاء على شروط التجربة وإجراءاتها, كما يمكن عرض الموقف التجريبي على نحو يتفق مع ميول الأطفال كأن تعرض أسئلة اختبار الذكاء أو الابتكار عليهم على أنها نوع من الألعاب أو الألغاز بدلا من القول على أنها أسئلة في اختبار, كما يمكن للباحث أجراء تجربة ميدانية في البيئة الطبيعية بالفعل على نحو يجعل المفحوصين لا يشعرون بأنهم موضع تجربة, وهذا الأسلوب يجمع بين مزايا الملاحظة الطبيعية والضبط الأكثر إحكاما في الموقف التجريبي 0
3- التوزيع العشوائي للمفحوصين على مجموعات المعالجة يحدث في بعضهم استجابات سلبية إزاء الموقف التجريبي, وخاصة إذا كان على المفحوص أن يعمل مع مجموعة لا يحب الانتساب إليها, ومعنى ذلك أن الباحث التجريبي علية أن يتعامل مع مفحوصية على أنها بشر, وإذا نشأت مثل هذة المشكلات علية أن يواجهها ويحلها في الحال لا أن يتجاهلها, لأن مثل هذة الاتجاهات السلبية لدى بعض المفحوصين قد يهدد صدق نتائج البحث 0
4- الأجهزة والأدوات والمواد التي تستخدم في الموقف التجريبي وخاصة داخل المعمل قد تؤدى بالمفحوص إلى الاعتقاد بأن علية أن يسلك على نحو غير عادى, ومن ذلك مثلا, أن يطلب منة حفظ مقاطع عديمة المعنى, وهو ما لا يفعلة عادة في حياتة اليومية 0
5- توقعات المجرب قد تؤثر في نتائج التجربة, فالباحث الذي يعتقد بشدة في صحة فرضة فأنة قد يلجأ ولو عن غير قصد إلى تهيئة الشروط التي تدعم هذا الفرض, ولعل هذا يفسر لنا كثرة الفروض التي تتحقق في بحوثنا العربية بينما نسبة كثيرة منها لم يتحقق في البحوث التي أجريت في بيئات أخرى, بل لعل هذا يفسر لنا ما نلاحظة على بعض الباحثين الذين يشعرون بالضيق والقلق حين لا تتحقق فروضهم, وهذا خطأ فاحش في فهم طبيعة البحث العلمي, لقد صارت الفروض عند بعض الباحثين جزءا من نظامهم العقيدى لا قضايا تقبل الصحة والخطأ على أساس الأدلة والشواهد والموضوعية, وللتغلب على هذة المشكلة يقترح علماء مناهج البحث استخدام أسلوب إجراء التجارب بطريقة " معماة " على الفاحصين, وفى هذة الحالة لا يعلم الفاحصون ولا المفحوصون أي معالجة يشاركون فيها إلا بعد انتهاء التجربة 0
وبالرغم من هذة المشكلات, تبقى للمنهج التجريبي قيمتة العظمى في تزويدنا بأدق فهم لعلاقات السبب – النتيجة, في دراسة السلوك الأنسانى 0
الطريقة الإكلينيكية:
تسمي هذه الطريقة أحياناً دراسة تاريخ الحالة وهي تستخدم بعض أساليب القياس بالإضافة إلى الملاحظة الطبيعية للتوصل إلى مجموعة من البيانات والمعلومات عن الفرد. ويمكن أن نحصل علي هذه المعلومات بتوجيه مجموعة من الأسئلة للفرد نفسه، وقد تضيف إلى ذلك دراسة بعض إنتاجه (يومياته مثلاً). وقد نستعين بما يقوله عنه آخرون علي صلة به. ويدخل في ذلك الملاحظات الشخصية للباحث.
ويري بعض علماء النفس أن هذه الطريقة لجمع البيانات ليست علمية لوجود قدر كبير من الذاتية فيها ولعدم الوثوق بكثير من المواد التي تجمعها وبسبب الإهتمام بالسلوك الذي يتميز به الفرد وليس بالتعميمات التي تصدق علي جميع الأفراد. وسلوك الفرد قد يكون حالة خاصة لا تتكرر. وموقف هذه المجموعة من العلماء يلتزم بنظرة صارمة للمنهج العلمي. علي أن عدداً من علماء النفس قد قدموا لنا معلومات مفيدة تتصل بالتنبؤ بالسلوك عن طريق دراسة تاريخ الحالة ومن خلال الإهتمام بالشواهد الإكلينيكية وخاصة في مجال الإضطرابات السلوكية.
ويستطيع الإكلينيكي عن طريق التدريب أن يقدم تقارير دقيقة جداً عن الحالات التي يدرسها وأن تحتوي هذه التقارير علي تشخيص لهذه الحالات . وأن تفيد في تخطيط العلاج النفسي وتنفيذه. وقد تتيح له مهارته في المقابلة الشخصية أن يتحكم بدرجة كبيرة في المتغيرات التي تؤثر في السلوك الذي يلاحظه. ويتضح أحياناً أن الدور الثنائي الذي يقوم به الإكلينيكي كملاحظ ومعالج، عقبة تحول دون التركيز علي الملاحظة وحدها والإكلينيكي كمشارك نشط في علاقة علاجية قد يضحي في حالات كثيرة ببعض موضوعيته، ومن ثم يعرض نفسه لأخطاء علمية. وكثيراً ما تمخضت الملاحظات الإكلينيكية عن فروض تحدث تفكير العلماء، وحفزتهم علي وضعها موضع التحقيق في مواقف أكثر دقة.
طريقة القيـــاس
تتطلب طريقة القياس النفسي فرض موقف معياري مثير علي كل فرد من أفراد عينة البحث، وينصرف الإهتمام الأساسي إلى أنماط الإستجابات لهذا الموقف وإلي الفروق بينها. والهدف المألوف لهذا الإجراء هو مقارنة بين تكرار مختلف الإستجابات أكثر من كونه تحليلاً لنمط معين منها.
ومن الإستخدامات المعروفة لهذه الطريقة ما نجده في الإمتحانات المدرسية سواء أكانت في صورة إختيار من متعدد، أو أسئلة الصواب والخطأ ، أو أسئلة التكملة أو في صورة مقال، ويمكن تصنيف ما يحصل عليه الفرد مع درجات وردها إلي أنماط سلوكية. وهناك صورة أخري وشائعة لهذه الطريقة وهي إستخدام الإستفتاءات في الدراسة المسحية كما يحدث في قياس الرأي العام نحو مسألة معينة كالإختلاط بين الجنسين في التعليم ويمكن إستخدام أسئلة مفتوحة النهايات تكفل جمع بيانات ومواد خصبة يمكن تحليلها بعد جمعها.
ويشيع إستخدام طريقة الإختبارات حينما نحتاج إلى تقدير سريع للسلوك. ولقد وضعت إختبارات نفسية لقياس الذكاء والإستعدادات العقلية الخاصة والميول والشخصية ومستوي الكفاية في مجالات معينة. وهذه الإختبارات مقاييس ذات كفاية تساعدنا علي التنبؤ بأنماط سلوكية عامة ومعقدة تتطلب فترات زمنية طويلة لتنميتها.
وتستخدم هذه الطريقة أيضاً في الدراسات السيكولوجية للعلاقات الإجتماعية كما في مقاييس الإتجاهات النفسية. ويكشف هذا الأسلوب عن سلوك إجتماعي هام يصلح للدراسة وبغيرهذا الأسلوب قد يصبح السلوك مستمراً بعيد المنال.
إن الطريقة الإختبارية تحدد السلوك لأنها تعرض علي الأفراد مثيرات ومواقف أختارها الباحث وهي بهذا المعني تحدد مدي السلوك الذي يحتمل أن يصدره الفرد. والإختبار يقتصد الوقت ويكشف عن أنماط سلوكية ذات أهمية كبيرة في علم النفس. غير أن التدخل في الموقف الإختباري من قبل الباحث ودرجة الضبط التي يستخدمها تؤدي إلى قدر من عدم التلقائية في السلوك مما يحد من قابلية النتائج للتعميم، فطريقته في إلقاء السؤال، أو إختياره لمكان معين يجري فيه الإختبار تشكل إستجابات المفحوصين وتجعلها غير طبيعية ومن أمثلة هذا التأثر ما يمكن أن يظهر حين يسأل رجل الدين عينة من الأفراد في جلسة علنية عن مدي مواظبتهم علي الشعائر الدينية.
تمييز السلوك ووصفة :

يمكن النظر إلي السلوك بإعتباره حركات الكائن الحي التي يمكن ملاحظاتها وقياسها وهذا يشتمل علي الحركات الخارجية والحركات الداخلية وآثارها والإفرازات الغدية وتأثيرها.
وتشتمل الحركات الخارجية علي أفعال مثل فتح الباب وقذف الكرة والقفز وطلب التعليمات والتوجيهات وكتابة حل لمسألة حسابية ولسنا في حاجة إلى أدوات خاصة لملاحظة هذه الأنماط السلوكية الظاهرة. غير أننا في الظروف العادية لا نستطيع ملاحظة دقات القلب. ولا تقلصات المعدة. غير أن هذه الحركات يمكن متابعتها وقياسها بدقة وعلي الرغم من أن معظم الإفرازات الغدية لا يمكن ملاحظتها علي نحو مباشر، إلا أننا نستطيع أن نلاحظ آثارها كاللعاب والعرق. وفضلاً عن ذلك ، فإننا لا نستبعد ما يخبره الفرد من مشاعر وأفكار طالما أنه يمكن التعبير عنها لفظياً بتعبيرات سلوكية أخري، وبالتالي فإن هذه التعبيرات هي مصادر بياناتنا عن المشاعر والأفكار.
وفهمنا للوقائع السلوكية يتزايد بمقدار قدرتنا علي ( أ ) تمييز السلوك ووصفه (ب) ومعرفة الظروف التي يحدث فيها السلوك. وفهم السلوك يقتضي أن نميزه، ونلاحظه ونصفه علي نحو دقيق.
تمييز السلوك:
تتضمن اللغة التي تتجاوز بها وتتفاقم قدراً من التفسيرات السلوكية أكبر مما تتضمن من الوصف الواضح لأفعال ظاهرة معينة. ذلك أننا نميل إلى تلخيص أنماط سلوكية كثيرة مختلفة، وإصدار الأحكام عليها مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تصورات خاطئة عن الناس.
وهذا التمييز بين الأفعال القابلة للملاحظة (العناصر السلوكية) والتجريدات الملخصة (تفسيرات السلوكيات) من الأعمال الهامة التي نريد لك أن تقدر علي القيام به ولنبدأ بالمقارنة بين العبارتين الواردتين في كل بند من البنود الآتية:
1- ( أ ) فوزي يستمتع بالحساب.
(ب) فوزي يستغرق في حل مسائل الحساب فترة أطول عن جميع زملائه في الصف بمقدار عشرة دقائق.
2- ( أ ) وجيه يعتقد أنه نابليون.
(ب) وجيه يضع يده في جيب معطفه.
3- ( أ ) فريدة فتاة سيئة الطبع.
(ب) فريدة تضرب من يصغرها من البنات مرة خلال الفسحة كل يوم من أيام الدراسة.
واضح أن العبارات 1- ( أ )، 2 – ( أ )، 3 – ( أ )، لا تحدد عناصر سلوكية معينة. وإنما تشتمل علي تلخيص للسلوك أو تفسير له. فنحن حين نقرر أن فرد ( أ ) يستمتع بواقعة معينة أو حدث معين فإننا نستنتج. وهذا الإستنتاج يستند إلى ما رأيناه أو سمعناه مما يدل علي أنه يخبر حالة إنفعالية سارة ولكننا لا نستطيع أن نلاحظ علي نحو مباشر هذه الحالة الإنفعالية. وكل ما نستطيع ملاحظته بالتأكيد هو المظاهر الخارجية لتلك الحالة، فنستطيع مثلاً أن نلاحظ ما تعبر عنه العبارة ( 1- ب) وبالمثل لا نستطيع أن نلاحظ علي نحو مباشر إعتقاد وجيه بأنه نابليون ولكننا نستطيع أن نستنتج هذا التفكير أو الإعتقاد عن طريقة سلوكه. وواضح أن ( 3- أ ) حكم وتفسير وليس وصفاً لسلوك فسوء الطبع له تعريفات ومعاني كثيرة ويمكن أن يصدق علي سلوكيات كثيرة. وما لم يترجم هذا إلى وقائع سلوكية معينة فإننا لا نستطيع تعديله.
وصف السلوك:
تستطيع الآن أن تميز بين العناصر السلوكية وغير السلوكية وتستطيع أن تعيد كتابة تفسيرات السلوك أو ملخصاته وتترجمها إلى عناصر سلوكية معينة. والتمرين الآتي يتطلب وصفاً لسلوك أحد الأطفال كما تلاحظه في سياق البيئة أو الموقف. وعلينا علي أية حال أن نناقش بعض التوجيهات قبل أن تقوم بهذا العمل.
عند كتابة أوصاف لفظية لسلوك ملاحظة: نستطيع إستخدام مستويات مختلفة من حيث التفصيل والإجمال. وبينما نهتم بتسجيل السلوك كسلوك فإننا لسنا في حاجة إلى خفضه إلى المستوي الفسيولوجي. وعلينا أن ننظر إلى المقارنات التالية:
1- ( أ ) يمسك الطعام، يضعه في الفم، يفرز اللعاب، يمضغ، يبتلع.
(ب) يأكل غذاءه، أو يأكل الحلوى.
2- ( أ ) ثني المرفق، تعديل العضلة الباسطة للأصابع، تثبيت بصري.
(ب) تحية العلم.
3- ( أ ) يحرك شفتيه، ولسانه وأحباله الصوتية وذراعيه وساقيه وحجابه الحاجز.
(ب) يلقي حديثاً علي زملائه بالفصل.
وجميع الأمثلة التي نجدها في ( أ ) تتضمن أنساقاً دون مستوي الشخص كنسق ، وهي أنشطة تابعة ليست موجهة لتحقيق العمل. وفضلاً عن ذلك فإن أنشطة كحركات الأحبال الصوتية، وإفراز اللعاب قد لا تظهر للملاحظ.
وأنشطة مثل يأكل غداءه، أو يلقي حديثاً تعتبر أصغر وحدات للسلوك، ولكنها عيانية وتبلغ من الدقة أو الصغر حدا يجعلها مرضية لمتطلبات التقدير والملاحظة التي عليك أن تقوم بها. وعلي سبيل المثال إذا عرفنا السلوك العدواني لتلميذ في الصف الثالث الابتدائي ووصفناه علي النحو التالي: رفع يده اليمني وحركها علي شكل قوس. فإن هذه الصياغة لا تنقل إلينا المعني المقصود وقد يختلف حول تفسير هذا السلوك الجزئي، ذلك أن أعضاء الجسم التي تستخدم في العدوان يمكن أن تستخدم في العطف. وهذا المثال يؤكد علي أهمية فكره هي أننا لا نستطيع أن نميز العناصر السلوكية المختلفة علي نحو يعتمد عليه ما لم نعرف السياق الذي تحدث فيه.
ومن التمييزات التي نود أن تقوم بها عند وصفك للسلوك ، التمييز بين كيف حدث هذا السلوك أو ذاك، ولماذا حدث ؟ وعليك أن تدرس ما يلي:
1-محمد كسر سن القلم. وهو يعض بأسنانه علي شفته اسفلي، ويضغط علي القلم أثناء الكتابة.
2- تدل الشواهد علي أن كسر سن القلم العابر إظهار لعدوان مكبوت لأن المعلم قد وبخه قبل الكتاب مباشرة.
أي هاتين العبارتين وصف الطريقة التي كسر بها محمد سن القلم؟ (كيف كسر سن القلم) وأيهما يحاول تفسير سلوكه هذا ؟ (لماذا كسر سن القلم؟) المثال الأول يحاول أن يصف الطريقة، والمثال الثاني يحاول تفسير الكسر والكشف عن أسبابه. وعند كتابة الأوصاف السلوكية من المفيد وصف الطريقة التي حدث بها هذا السلوك علي نحو مفصل. وينبغي أن تتجنب التفسيرات التي تستند إلى نظرية إفتراضية من نظريات الشخصية. ذلك أن تفسير السلوك لا يعتبر وصفاً له بل قد يعوق التفسير توضيح ما يفعله الطفل وقد يعرض الأوصاف للتحيز. وليس المطلوب منه التنظير. وإنما المطلوب تسجيل السلوك كما تراه، وأن تحاول أن تفهم كيف يفعل الطفل ما يقوم به.
وينبغي أن نسلم بأن محاولة وصف كيفية حدوث السلوك قد تؤدي إلى بعض الإستنتاجات، ولكنك إن حددت نفسك وقصرتها علي وصف طريقة العمل أو الأداء: فإنك سوف تنتهي إلى التوصل إلى تسجيل صادق وموثوق به. وفي أفضل الأحوال، فإن وصف طريقة حدوث السلوك يزودنا بصورة جيدة عن السلوك في سياقة. لاحظ أن وصف السلوك التالي قد تم عند مستويين:
1- سامي نقل إجابة من زميله الجالس علي يساره أثناء الإختبار.
2- سامي، وشفتاه ترتجفان، وحاجباه مقطبان، وجانباً فمه ملتويان إلي أسفل. حرك عينيه إلى اليسار وقد إنحني قليلاً إلي الإمام، وقد لمح بعينيه المحدقتين النصف مغمضتين ورقة إختبار زميله الجالس إلى يساره ومع إرتعاشه يده اليمني أدار عينيه إلى ورقته وكتب الإجابة.
الوصف الأول يحدد واقعة سلوكية بأسلوب شامل. إنه يركز علي وصف السلوك ويتجنب التفسير ولذلك فهو وصف مناسب. ولكنه وصف قاصر لأنه لا يوضح كيف قام سامي بالغش والنقل من جاره. ولكن الوصف الثاني يزود بالبيانات لا بعض التفسيرات. ومثل هذا الوصف سوف يميز هذا الطفل عن آخر قام بنفس السلوك، الأمر الذي لا يتيحه لنا الوصف الأول.
وفيما يلي وصف لسلوك طفل آخر نقل عن جار في الإمتحان.
حسن وعلي وجهه إبتسام عريضة، حدق في المعلم حتي أثار إنتباهه وقام من مقعده وطلب بصوت مسموع من جاره الأيسر أن يقرب ورقة إجابته بحيث يستطيع أن يراها وقال له "لا أعرف حل المسألة رقم 3"، ثم نظر إلى أسفل ورقة إجابة جاره حيث توجد إجابة المسألة، وجلس في مقعدة مرة أخري وكتب الحل في ورقة إجابته ثم قال للمعلم " أشكرك".
لقد غش كل من سامي وحسن من زميلها الجالس علي يسارهما خلال الإختيار ولكننا نتوصل إلى معلومات قيمة من الوصف المطول لأننا وصفنا طريقة حدوث السلوك وسوف تفيدنا هذه البيانات في وضع إستراتيجيات التدخل والضبط. وواضح أن لدي كل منهما قيماً مختلفة عن المدرس، وعلي هذا الأساس لا بد أن تكون عملية تعديل سلوك كل منهما مختلفة ( أي إنقاص الغش ومعالجة علاقة المدرس بكل من سامي وحسن) 0
ومن المزايا الهامة للمدخل السلوكي، أنه يركز أساساً علي أداء الفرد للعمل الذي كلف به. وقد نتوصل من خلال تقويمنا لمجموعات كبيرة من الأطفال أو التلاميذ إلى معايير، ولكنها لا تزودنا بالشئ الكثير عما يثير سلوكاً معيناً لدي طفل فرد، أو عما يحمله علي الإستمرار في هذا السلوك ولتقدير السلوك غرض إيديوجرافي Idiographic والمقطع الأول من هذا المصطلح هو idio بمعني ما يملكه فرد، ما هو شخصي ومتميز فالأغراض الإيديوجرافية إذن تتجه إلى تشخيص الحالات الفردية وتحديد خصائصها، ولا تتجه إلى وصف الإتجاهات الأساسية في الجماعات (وهو عرض معياري أو ناموي normative). وما لم يكن وصفنا أفرادي ومتميز ومحدد، فقد لا تتلاءم خططنا التعليمية مهما كانت صورتها مع ما يحتاجه طفل معين، وبالتالي قد تنكب الطريق السديد.
وكتابة الأوصاف السلوكية بهذه الصورة التي نقترحها ليست عملاً سهلاً، ولكنها عمل ضروري إذا أردنا التوصل إلى تقديرات تساعدنا في عملنا مساعدة حقيقية. وهذا النوع من الكتابة يزيد من في ملاحظة السلوك ويعدك للأنواع المألوفة من تقدير السلوك. وإليك بعض التوجيهات التي تساعدك في وصف السلوك:
1- ركز علي سلوك الطفل الذي تلاحظه وعلي الموقف الذي يوجد فيه ولا تسجل أي وقائع خارج المجال السلوكي للطفل. غير أنه إذا تحدث طفل آخر مع الطفل الذي تلاحظ سلوكه، فعليك تسجيل هذا التفاعل. وفضلاً عن ذلك فإن من المفيد أن تصف المواقف التي تتوقع عادة أن تثير سلوك الطفل. علي سبيل المثال "إستمر آدم في عمل واجبه المدرسي في الحساب، بعد أن ترك المعلم حجرة الدراسة، وقد كان للتلاميذ يجرون حوله في الحجرة، ينبغي أن تكتسب في التقرير عن الضوضاء وتصف الموقف علي الرغم من أن آدم فيما يبدو لم يتأثر بهذا الجري وما يحدثه من ضوضاء. وهكذا فأنت تسجل في التقرير ما يعمله الطفل وما يعمله الآخرون، مما يتوقع أن يكون له تأثير علي سلوك الطفل.
2- صف أسلوب الطفل أو طريقته في السلوك وطريقة أولئك الذين يتفاعلون معه. وإفترض أن كل شئ يقوم به الشخص قد يتم بطريقة أو بأخري ذلك أن طرائق أداء الأعمال والأنشطة تتنوع وتتغاير. فإذا كان طفل ما يقرأ كتاباً فعليك أن تصف طريقته في القراءة أو كيف يقرأ "يحمل القراءة، يجد متعة فيها، وإذا رفع طفل يده. فصف كيف فعل ذلك. وقد يكون من المستحيل أن تري جميع الأنماط السلوكية التي يقوم بها الطفل، أو أن نصف بدقة الطريقة التي إنغمس بها الطفل في ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فلتسجله، فهذا أفضل من عدم تسجيل شئ علي الإطلاق، ولا يحدث سلوك الأطفال جميعاً بطريقة غير عادية ودرامية، وليس كل ما يفعله الطفل، يقوم به في إختيال، أو ببطء، أو يضيق. فكثيراً ما تكون السلوكيات عادية مألوفة وشائعة، وفي هذه الحالات لا بد أن تسجل الوصف الذي يصدق في التعبير عنها.
3- سجل كل شئ يعمله الطفل. كلما كان ذلك ممكناً. وجميع أنواع السلوك تثير الإهتمام. والسلوك العادي جداً يمكن أن يكون كالسلوك النادر.
4- صف الوقائع السلوكية في تسلسلها. وينبغي أن تجعل السلات سلوكية متصلة ومستمرة. ولا تترك سلوكاً غير مكتمل فإذا وقف العمل، فنتأكد أنك سجلت جلوسه مرة أخري. وإذا رفع يده لكي تجرب إلى دورة المياه فصف نزول يده قبل أن يترك مقعده (مالم يكن سبباً إلى دورة المياه رافعاً يده- وينبغي أن تسجل ما لوحظ بدقة).
5- أكتب أوصاف السلوك بطريقة إيجابية فمن الأفضل أن تكتب التلميذ أجاب عن سؤال المدرس بصوت منخفض، بدلاً من أن تكتب التلميذ لم يرفع صوته عالياً عندما أجاب عن سؤال المدرس.
6- حاول ألا تكتب وتعبر عن أكثر من عنصر سلوكي واحد في المرة الواحدة، إلا إذا كنت تصف عناصر سلوكية متميزة وقصيره متتابعة ( أنظر النقطة رقم 7) وينبغي علي أية حال، أن تحتوي معظمها علي وصف كامل للعنصر السلوكي، وكيف تم أداؤه والموقف الذي حدث فيه، ولا تزيد عن ذلك شيئاً.
7- سجل الزمن الذي تحدث فيه وحدات السلوك ولا تكتب ملاحظات في وحدات زمنية مصطنعة. دع السلوك نفسه يضع الحدود علي سبيل المثال لا تفعل ما يأتي:
9.12 توفيق بدأ في عمل واجب الحساب.
9.13 توفيق ما يزال يعمل في واجب الحساب.
والأفضل أن تكتب علي النحو التالي:
9.12 كلف المعلم توفيق بحل تمارين في الحساب فكثر قليلاً ولكنه بدأ في قراءة التعليمات في أول الصفحة.
9.15 وضع توفيق قلمه علي درجة محدثاً صوتاً. وأغلق كراسة الواجب ورفع يده مخاطباً المعلم دون أن ينادي المعلم إسمه، لقد أتممت الواجب، وهذا الوصف يدلنا علي أن توفيق أنهي واجب لحساب في ثلاثة دقائق وهذه المعلومة مسلة في الزمن المبين لوحدات السلوك. ولم يكن تسجيل الزمن مصطنعاً ولا تعسفياً.
8- لا تقدم تفسيرات للسلوك عندما يكون المطلوب هو الوصف فقط. وإستخدم لغة سهلة ولا تنظر. أما إذا كان المطلوب الوصف والتفسير: فليكن ذلك في جزئين منفصلين في التقرير الذي تكتبه.
إستمارة وصف السلوك
إسم الملاحظ: م. عبدالخالق.
الطفل المستهدف: ف عبدالرحمن.
الموقف الذي حدثت فيه الملاحظة: حصة الجغرافيا في الصف الأول الإعدادي وقد ناقش المدرس الواجب وهو جغرافية مصر.
الوصــف:
كتب المعلم الواجب علي السبورة: رسم خريطة مصروبيان معالم المناطق الجغرافية الهامة علي الخريطة. أزاح ف عبدالرحمن مقعدة إلى الخلف وأعلن بصوت مرتفع أنه لن يعمل هذا الواجب ويحتمل أن هذا العمل لأنه لا يجيد رسم الخرائط. وبعد أن ألتفت إليه زملاؤه في الصف بدأ في رسم الخريطة. ولقد قام بالرسم لمدة ست دقائق وقد توقف مرة واحدة عن العمل لسعاله. وبعد الإنتهاء من رسم الخريطة، بدأ يتحدث إلى جاره، وهو تلميذ خجول يدعي محمد. ثم علق متعجباً بصوت مرتفع أن جاسم لا يعرف العمل الذي يقوم به. وفي نفس الوقت تقريباً وقف ليمضي إلى مبراة للأقلام ليبري قلمه. ولكنه تعثر لأن مجدي إعترض سيره. توجه إليه بضربة أخطأته فضربه علي رأسه. تراجع ف. وابتسم وقال أعرف إسمك وسأبلغ المعلم. إنحني مجدي بعيداً عن مقعده وطوح يده نحوف.. الذي عاد مسرعاً إلى مقعده وسط ضحك زملائه المجاورين له طلب المعلم من الصف الهدوء للأنتهاء من رسم الخريطة.
لقد إلتزم محمد عبدالخالق بالتعليمات من عدة وجوة:
1- أن الوصف يركز علي العناصر السلوكية التي حدثت في الموقف الذي يلاحظه. فهو لم يصف علي سبيل المثال ما يجري من أنشطة في ملعب المدرسة وكان يمكن رؤيته من خلال نافذة الفصل.
2- وقد سجل العناصر السلوكية في التتابع والتسلسل الذي حدثت فيه.
3- وقد سجل العناصر السلوكية وعبر عنها بطريقة موجبة.
4- وسجل سلوكاً واحداً في كل جملة في معظم الحالات.
ولكن هذا الوصف أبتعد عن هذه التعليمات في النواحي التالية:
1- ينبغي أن يسجل الزمن الذي حدثت فيه هذه الوقائع السلوكية. صحيح أنه ذكر أن رسم خريطة مصرقد إستغرق ست دقائق بالنسبة لهذا التلميذ ولكن ماذا عن الأنشطة الأخري؟ إن الصيغة التي إقترحناها تتطلب رصد الزمن وتحديده عند بداية كل فقرة قصيرة.
2- هناك عدة مواضع : هذا الرد كان يمكن لمزيد في الوصف أن يوضح الصورة توضيحاً أكبر. علي المثال لقد قرر الملاحظ أن هذا التلميذ بدأ في رسم الخريطة. وقد يكون من المفيد أن نعرف طريقة رسمه أو مدخل هذا العمل، ثم إن هذا الوصف يحتوي علي إحتكاك بين التلميذ وآخر. والإلتفات إلى تفاصيل أكثر عن هذه الواقعة يوضح طبيعة هذا التبادل للضربات أو هذا الإحتكاك.
3- حين يجري حديث أو حوار لا بد من تسجيل هذه الإستجابات حرفياً. مثلاً هذا التلميذ ف. عبدالرحمن أعلن بصوت مرتفع أنه لن يرسم الخريطة ماذا قال بالضبط؟ أيضاً بعد تحدث هذا التلميذ مع جاره ماذا قالا؟ لاحظ أن الملاحظ سجل حرفيا ما قاله ف. عبدالرحمن إلى مجدي، أنا أعرف إسمك وسأبلغه للمعلم.
4- والآن نأتي إلى نقطة هامة. إن جزءاً من هذا الوصف بمضي إلى ما هو أبعد من الملاحظة المباشرة ويتضمن تفسيراً شخصياً من قبل الملاحظ. وأول مثال لذلك: "يحتمل أن هذا العمل ممل لأنه لا يجيد رسم الخرائط. وهذه الملاحظة التفسيرية ينبغي إستبعادها من وصف السلوك إن هذه الملاحظة هي رأي للملاحظ عن شعور الطفل. وتأملات عما سبب ذلك الشعور، والنقطة التي نريد التأكيد عليها الإلزام بما نري ونسمع حين نصف. ويخطئ الملاحظ مرة أخري حين يقرر أن جارف. عبدالرحمن تلميذ خجول، ما معني خجول هنا هل تعني هذه الكلمة أنه لا يتحدث إلا نادراً إلى زملائه في الصف ؟ إن المطلوب هو تحديد الوقائع السلوكية فقط. ما بقي التقرير فيتجنب التفسير ويركز علي نحو مباشر علي ما لوحظ.
التمرين الثالـــث:
لعلك الآن مستعد لكتابة وصف سلوكي. وهذا النوع من الكتابة يمكن أن يكون مجهداً. وهدفنا أن ننمي قدرتك علي التركيز علي عناصر السلوك العقلي ولا تتطرق إلى التفسيرات. وعليك أن تلاحظ سلوكا لأحد الأطفال يستغرق خمس دقائق وأن تحدد الموقف الذي حدث فيه هذا السلوك.
سجل ملاحظات تفصيلية أثناء الملاحظة ولن تستطيع أن تقدم تقريراً مقبولاً عن السلوك في تتابعه الصحيح مالم تسجل ملاحظاتك. أكتب وصف السلوك بعد إنتهاء فترة الملاحظة مباشرة. تأكد من الدقة ومن الترتيب. أعد كتابة هذه المسودة فقد يساعدك هذا علي تذكر التفاصيل الجديدة التي قد تتعرض للنسيان في كتابة المسودة. وأكتب الوصف السلوكي في الصيغة التي سبق أن أثبتناها وهي:
إسم الملاحظ أو المسجل:
الطفل المستهدف:
الموقف الذي حدثت فيه الملاحظة:
مدة الملاحظة:
الوصف:
تمرين:
دقــــة الملاحظــــة
المفهوم الذي يقوم عليه التمرين:
أن هذا التمرين يتيح لنا المجال لمناقشة دقة الأفراد في ملاحظة الوقائع للسلوكية وخصائص البيئة ومدي ثباتهم في هذا المجال:
المواد المطلوبة: جهاز تسجيل يسهل حمله، والقدرة علي التخيل وظروف جوية مناسبة.
التعليمات: إشرح للطلاب أنك سوف تختبر قدرتهم علي الملاحظة، أي مهاراتهم كملاحظين، وأنك ستطلب من زميل لك أو من أحد الطلاب أن يقود طلاب الفصل في جولة حول الكلية أو الجامعة لمدة خمس عشرة دقيقة. وبين للطلاب أنه لا توجد خطة مسبقة لأحداث غير عادية، وأن عليهم خلال الجولة أن يلاحظوا الأنشطة العادية والظروف والملابسات التي سوف يمرون بها. وأنه يطرح عليهم بعد الجولة بعض الأسئلة عن ملاحظاتهم .
وبينما يقوم زميلك أو أحد طلاب الفصل بقيادة الطلاب خلال هذه الجولة في الحرم الجامعي، عليك أن تتبعهم علي بعد مسافة قصيرة مسافة تمكنك من ملاحظة طلاب الصف والظروف البيئية التي يمرون بها، وتتيح لك في نفس الوقت أن تتحدث في هدوء إلى المسجل دون أن يسمعك طلاب الصف.. ومع المضي قدماً في هذه الجولة سجل ما يقرب من خمسين سؤالا منبثق من ملاحظاتك لما تمر به المجموعة من وقائع وما يلاحظون من أشياء. ( وتستطيع إن أردت أن تحدد الطريق الذي يتبعه هؤلاء الطلاب مسبقاً، وأن تمر بنفس المسار قبل الجولة بمفردك لتتدرب علي وضع الأسئلة ). وعليك أن تسجل بعد كل سؤال جوابه. وينبغي أن تتناول الأسئلة وقائع وأشياء حقيقية يمكن التثبت منها بطريقة موضوعية.
وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح هذا النوع من الأسئلة:
ما عدد الطائرات التي عبرت المجال الجوي ونحن نسير في ملاعب الكلية؟
ما نوع النشاط الذي كانت تقوم به أول مجموعة من الطلاب مررناً بها أثناء الجولة؟
أين كان طلاب الفصل عندما أحدثت سيارة النقل صوتاً مزعجاً؟
ما لون السيارة التي مرت علي طلاب الفصل عند مدخل موقف للسيارات بالكلية؟
وعليك أن تتجنب الأسئلة التي تستدعي إجابات تتضمن تعبيراً عن الرأي من قبيل هل كان الجو رائعاً؟ هل شعرت بأن الجو دافئ؟
وبعد العودة إلى حجرة الدراسة، أدر المسجل لسماع السؤال الأول، وقبل أن يستمع الطلاب للإجابة الصحيحة عنه. واطلب من الطلاب إن يكتبوا إجاباتهم ويسجلوها علي الورق. ثم أسمعهم الجواب الصحيح. وسجل علي السبورة عدد الإجابات الصحيحة وعدد الإجابات الخاطئة.
المناقشة: وسوف يفسح التنوع في إستجابات الطلاب المجال لمناقشة الموضوعات الآتية:
( أ ) ثبات ملاحظات الطلاب.
(ب) مصداقية شهادة الشهود في ساحة القضاء.
(جـ) فوائد وضع خطة محددة لجميع الملاحظات وذلك بتحديد البيانات والمعلومات التي نستهدف جمعها.
( د ) إثبات تكرارات الإجابة الصحيحة والإجابات الخاطئة للطلاب ومقارنة إجابات المدرس بإجابات الطلاب لتحديد مدي دقة الفئة الأخيرة ينبغي أن يبرز بوضوح أهمية تحديد البيانات التي يراد جمعها قبل الشروع في الملاحظة.

تطويـــــر السلـــــوك
مسئولية المعلم عن تربية تلميذ من تلاميذه في حجرة الدراسة غنية عن البيان. ولكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه هنا هو: ما معني المسئولية في هذا المجال:
يفسر بعض علماء النفس المسئولية هنا بقولهم أن المعلم مسئول عن التغيرات السلوكية التي ينبغي أن تتحقق في الصف المدرسي. وعلي سبيل المثال، تعليم التلميذ القراءة يدخل في تربيته. والقراءة سلوك، وإذا تعلم التلميذ القراءة فقد تغير سلوكه. ومن المتوقع أن يستخدم المعلم أكثر الطرق فاعلية في تحقيق هذا التغير السلوكي. ولا سبيل إلى ذلك إلا بإبراز أهمية مبادئ تطويع السلوك والعناية بها. ويستطيع المعلم أن يطوع التغيرات في سلوك تلاميذه بإستخدام أساليب التعزيز بعناية.
والهدف العام لهذه الوحدة هو أن تتعرف علي المبادئ الأساسية لتطويع السلوك وتوجيهه ، وأن تتيح لك الفرصة لتطبيقها وإستخدامها في مواقف فعلية ولكي تقدر علي تشكيل السلوك وتوجيهه لا بد من أن تلم إلماماً معقولاً بنظرية التعزيز reinforcement theory وسوف تزودك هذه الوحدة التعليمية بـأفكار أساسية عن التعزيز وسوف تتيح لك الفرصة لنقوم ببعض التطبيقات لهذه الأفكار.
ما الفرق بين الإستجابات وفئاتها:
يقوم المعلم بتقويم أداء التلميذ ليقرر هل ينقل إلى صف أعلي أم يبقي عاماً دراسياً آخر في صفه؟ ويقوم المشرف بتقويم أداء موظف ليري هل من الصواب ترقيته إلى وظيفة أعلي أم لا؟ ويقوم الطبيب بتقويم سلوك المريض ليقرر وجوب إستمرار علاجه في المستشفي أو وجوب تركه لها في لحظة معينة… إلخ ولكي تقوم أداء شخص ينبغي أن نلتفت إلى إستجاباته وأنماط سلوكه.
وينغمس الناس في إستجابات منوعة كثيرة ومتميزة بحيث يصعب تنظيمها ومن هنا فإننا نبحث عن فئات تندرج فيها 0 ما أهمية التمييز بين الإستجابات وفئاتها؟
أن التدريب السابق يؤدي بنا إلى نتيجة تتصل بملاحظة الإستجابات وهي:
- عندما تتحدث عن فئات الإستجابات فإن حديثنا لا يبلغ درجة كافية من حيث الدقة، وبالتالي فإننا لا ننقل إلى الآخرين معلومات دقيقة دقة كبيرة وذلك لأن البيئة الواحدة تشتمل علي عناصر سلوكية متباينة، ويمكن أن يتحقق التفاهم بيننا بفاعلية أكبر إذا تحدثنا عن إستجابات مميزة.
وعلي سبيل المثال يحال الأطفال في المدارس الحديثة إلى الأخصائي النفسي لأنهم فيما يبدو مضطربون إنفعالياً، وفي كثير من الحالات لا يزود الأخصائي النفسي بأكثر من هذا. وقد يمضي الأخصائي النفسي ويتمادي في الخطأ ويفترض علمه بهذه الصفة، مضطرب إنفعاليا، ولو أنه كان أميناً مع نفسه لأعترف بأن المعلومات المتوافرة لديه بناء علي هذه الإحالة هي أن سلوك الطفل منحرف إنحرافاً يكفي لجذب إنتباه المدرس والإستحواذ علي إهتمامه. وهو يعرف من خبرته المهنية أن فئة الإضطراب الإنفعالي، تشتمل علي عناصر سلوكية مختلفة كثيرة وأنه يندر أن نجد جميع هذه العناصر في سلوك طفل معين وينبغي أن يكون واضحاً أن نمط الإضطراب الإنفعالي لا يمكن أن يكون متسقاً وواحداً من طفل إلي آخر، وأننا نستخدم الإضطراب الإنفعالي ولا نشير إلى نفس المجموعة من العناصر السلوكية مع إختلاف الحالات.
وإذا أردنا أن نلخص النقطة الأساسية في هذا المجال، فإننا نقول أن من المهم تحديد الإستجابات المتميزة في فئة سلوكية معينة حتي نضمن تفاهماً صحيحاً ودقيقاً بين المعنيين بتشكيل سلوك التلميذ، فإذا قلنا أن تلميذا معيناً سيبقي في الصف الخامس لأنه لا يصلح تلميذاً في الصف السادس فإننا نعني أن هذا الطفل لم يتقن أياً من المهارات التي تدرس عادة في الصف الخامس. ولكي نتكلم بلغة أدق قد نقول أن الطفل ضعيف في الرياضيات بحيث لا يستطيع أن ينتقل إلى صف أعلي. وأن الصعوبة الأساسية التي يواجهها في الرياضيات هي ضعفه في الكسور. أن هذا التخصيص يحدد هدف العمل العلاجي. ويركز عليه. ويترتب علي ذلك أننا لن نضيع الوقت في تدريب التلميذ علي مهارات سبق له أن أتقنها ويمكن أن ترقي بالطفل إلى المستوي المناسب في الرياضيات.
وصف السلوك:
كيف نصف السلوك الذي نلاحظه؟ يحتوي القاموس علي كلمات كثيرة يمكن إستخدامها لوصف الأفراد في سهولة ويسر. ويمكن أن نصف إنساناً بأنه غني، أمين ، ذكي، ولكن هذه الكلمات لا تحمل إلى الآخرين معلومات دقيقة عن هؤلاء الأفراد حتي في أحاديثنا اليومية. وهذا الإستخدام للمفردات اللغوية لا يختلف عن وصفنا للطفل بأنه مضطرب إنفعالياً.
وقد بينا فيما سبق أن هناك بديلاً أفضل وهو أن تستخدم كلمات أكثر تحديداً كان نحدد دخل الفرد السنوي بدلا من وصفه بالغني، أو نسبة ذكائه بدلاً من وصفه بالذكاء، أو نبين درجاته المدرسية بدلاً من وصفه بأن لديه ميلا أكاديمياً قوياً.
وإستخدام كلمة ذكاء بطبيعة الحال له مزاياه لأنه يرتبط إرتباطاً ذا معني بالأداء الإناني المعقد ولأنه يرتبط بالنجاح في مواقف كثيرة منوعة غير أن المصطلح نسبة الذكاء أكثر تحديداً ودقة. وهذا التمييز يظهر الفرق بين إتجاهين في تناول السلوك. أحدهما يعتمد علي التفسير الشخصي للملاحظ وعلي حكمه ومن المعروف أن المقاييس الذاتية للثورة والذكاء تتأثر تأثراً كبيراً بتفسير الملاحظ بينما يجد أن الألفاظ الموضوعية مثل الدخل السنوي ونسبة الذكاء لها معاني مقننة لا تتأثر تأثراً كبيراً بحالة الملاحظ المزاجية المؤقتة وقد يسأل سائل عن ضرورة الحاجة للتقنين. والحق أن السبب الرئيسي للتقنين هو أن ييسر التفاهم ويضمن أن تكون الإعادة دقيقة حين تظهر الرغبة في ذلك. وتتعرض الملاحظة التي تتأثر بالتحيز الشخصي لنفس النوع من التفسير الذاتي من قبل المستقبل في عملية الإتصال أما إذا إستخدمنا وحدات قياس مقننة فإن المتحدث والسامع يتوصلان إلى مدرك واحد. وعلي هذا فإن الحاجة إلى تكرار الخبرة تقتضي أن تتحرر الألفاظ التي نستخدمها في الملاحظة من التفسيرات الشخصية والأحكام الذاتية. وأن تستخدم بدلاً من ذلك أنماط وصفية كمية لأن هذه الأخيرة أكثر ملاءمة من الألفاظ التفسيرية.
وثمة تحذير أخير ينبغي أن تشير إليه وهو أن الناس كثيراً ما يقنعون بإستخدام التعميمات الذاتية عند تلخيصهم لملاحظاتهم، إستناداً إلى توافر قدر طيب من الثبات بين الملاحظين. وهذه مغالطة معروفة. وهناك تفسيران لهذا الإتفاق العام بين الملاحظات الذاتية، التفسير الأول: أن التعميمات قد تكون غامضة فلا يظهر التناقض بينها، أي أنها تشتمل علي عناصر سلوكية كثيرة، والتفسير الثاني: أن مقاييس الثبات هذه لا تستند بالدرجة الكافية إلى الأساس الفيزيقي للملاحظة، ولكنها تعكس إتفاقا إجتماعياً قد يستند برمته علي التفسيرات الذاتية المشتركة.
ولتوضح النقطة السابقة تقول أن مفهومك للغني قد طرأت عليه تغييرات كثيرة ولنقل أنها سبعة من حيث العدد فمصروفك اليومي في بداية المرحلة الإبتدائية يختلف عن نهايتها، وفي بداية المرحلة الإعدادية يختلف عن نهايتها. وفي بداية المرحلة الثانوية يختلف عن نهايتها وفي بداية المرحلة الجامعية يختلف عن نهايتها أي أن الغني له ثمان تعريفات مختلفة وفي كل نقطة كان بينك وبين الآخرين قدر من الإتفاق فيما يتصل بتفسيرك الذاتي للثروة ولكنك كنت مختلفاً عن الآخرين الذين يتمسكون بأحد التعريفات السبعة الأخري.
ما المقصود بمعدل الإستجابات:
لقد لاحظنا أن الإستجابات إذا وصفت بتغييرات كمية فإن ذلك يساعد علي زيادة الدقة في التفاهم بين الناس. وجدير بنا أن نقرر بادئ ذي بدء أمرين لا ثالث لهما، الأمر الأول أي فرد تصدر عنه عناصر سلوكية متنوعة تنوعاً كبيراً: والأمر الثاني أن جميع هذه العناصر لا تحدث بنفس التواتر أو للتكرار.
إننا نقول أن جميع العناصر السلوكية تحدث، لكنها تختلف من حيث إحتمال حدوثها فلكل منها إحتمالاته المحددة، وإذا لاحظنا الحصيلة السلوكية لكل فرد فإننا ندرك أن بعض العناصر تحدث بتكرار أكبر من البعض الآخر، أي أن بعضها أكثر إحتمالا في حدوثه من البعض الآخر، وعلي سبيل المثال، في ظل الظروف العادية في الصف الدراسي، يكون إحتمال حديث التلميذ إلى المعلم أعلي من إحتمال دفعه لزميله الذي يجاوره.
ومهما يكن من شئ، فنحن لا نستطيع أن نعمم ما يجري في هذا الموقف علي المواقف الأخري، فنقول أنه في كل مرة تجلس جماعة من الناس أمام شخص أو أشخاص فإن من الضروري أن يتحدثوا إلى هذا الشخص، ذلك لأن هذا السلوك ليس مناسباً علي الإطلاق عند مشاهدة مجموعة من الناس لمسرحية، أو عند ما يدعون لسماع محاضرة ( لاحظ أننا عندما نتحدث عن معدل الإستجابة فإننا نهتم بتكرارها).
ما المقصود بمعدل الإستجابة ؟
يحدث كثيراً أننا لا نلتفت إلى قطاعات كبيرة من حصيلة الفرد السلوكية وذلك لأنها تحدث بطريقة روتينية أي بمعدلات مناسبة، ولكننا نلتفت إليها إذا كانت معدلاتها غير مناسبة سواء أكان ذلك بالزيادة أو النقصان. وسوف نطلق علي الإستجابات ذات المعدل العالي تزيدا في السلوك وعلي الإستجابات ذات المعدل المنخفض قصوراً في السلوك. ويظهر ذلك في المواقف التي نسميها شاذة أو مرغوب فيها أو مشكلة.. إلخ ونحن في هذه الحالة نحاول أن ندخل علي سلوك الفرد تغييراً وتعديلاً في هذه المواقف.
متي يعتبر السلوك تزيداً أو قصوراً وكيف يمكن تحديد ذلك؟
من نافلة القول أن نقرر صعوبة تحديد معايير عامة تحدد لنا المستويات الملائمة لسلوك معين. فنظامنا الإجتماعي وثقافتنا قد أكدت لنا حقيقة هي: أن بعض الفئات السلوكية أكثر تواتراً وحدوثاً عند قطاع معين من السكان دون آخر وحتي بالنسبة لقطاع معين من السكان. لا يمكن أن نفترض معايير عددية لعناصر سلوكية منتقاه ونعتبرها مرغوباً فيها، والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو:
كيف نضفي بعض النظام علي هذا المجال المفسح العريض؟
إن تواتر سلوك معين بالنسبة لشخص ما مرهون في العادة بما يحيط به من أشخاص في بيئته التي يعيش فيها. أي أن معدل تكرار إستجاباته يتحدد نتيجة تأثير من يحيطون به لأنهم يسيطرون علي نتائج هذا السلوك أي أن لكل عنصر سلوكي نتيجة يبرمجها شخص أو أشخاص في بيئة الفرد. وهذه النتائج تؤثر في معدل إحتمال حدوث عناصر سلوكية معينة. وهكذا فإن برمجة نتائج السلوك أو الإستجابة بعناية تحقق التغير المرغوب فيه أي تحدد تكرار السلوك المقصود (target behavior ) وهذه البرمجة مثار إهتمامنا في الأجزاء التالية 0
ما هي الخطوات الأساسية التي ينبغي أن نتبعها لتغير معدلات السلوك؟
نحن الآن نتقدم نحو الجزء الهام في تشكيل السلوك أي تيغير معدله وهناك ثلاث خطوات أساسية في أي برنامج لتعديل السلوك وهي:
1- تحليل الموقف لتحديد السلوك الذي ينبغي تغييره.
2- تحديد النتائج التي تؤدي إلى إستمرار السلوك الحالي أي تحافظ عليه.
3- إكتشاف النتائج التي يمكن معالجتها حتي تغير معدل السلوك.
تتطلب الخطوة الأولي تحديد الخط القاعدي أو المعدل القاعدي لتكرار وقائع سلوك معين في ظل الظروف البيئية المألوفة، أي قبل أن تغير أي نتائج لهذا السلوك وعلينا أن نلاحظ هذا الخط القاعدي عدة أيام حتي تعرف علي نظام معين. والهدف من تحديد المعدل القاعدي هو تحديد نقطة البداية التي نستطيع أن نقارن علي أساسها ونتبين ما طرأ من تعديل علي السلوك وذلك بعد البدء في برنامج تعديله فعلاً.
ولتوضيح ذلك نقول: شخص يريد أن ينقص عدد السجائر التي يدخنها. في هذه الحالة لا بد أن نحدد هذا العدد. وقد نسأله عن مقدار ما يدخن منها فيقول ما بين "علبة وعلبتين" يومياً. وهذه إجابة غير دقيقة بالقدر الكافي لأن العدد هنا يتراوح ما بين 20 سيجارة وأربعين وفرق كبير بين الحد الأدني والحد الأعلي. وقد يبذل هذا الشخص مجهودلمنع التدخين ويدخن علبة واحدة يومياً لمدة ثلاثة أيام. ولكن مثل هذا السلوك لا يدل علي أنه قد تقدم تقدماً ملحوظاً لأنه قد أخطأ في تقديره لمعدل سلوكه. وهذا النقص في التقدم نحو الهدف قد يكون مثبطاً لهمته. ويكون سبباً كافياً لوقف الشخص عن تنفيذ برنامج للإقلاع عن التدخين.
ومن ناحية أخري، إذا قام هذا اشخص بإحصاء دقيق. أي بتحديد الخط القاعدي خلال فترة من ثلاثة أيام إلى خمس، فإنه سوف يعرف المعدل الدقيق لتدخينه. إفترض أن المتوسط هو 35 سيجارة في اليوم، فإذا أنقصها إلى 20 كان ذلك علامة علي التقدم في برنامج تعديل سلوكه لها أهميتها.
كيف تتوصل إلى النتائج التي تؤدي إلى إستمرار السلوك الحالي وتحافظ عليه؟
حينما نلاحظ الخط القاعدي لسلوك معين أو عندما نسجله، ينبغي علينا علي وجه الخصوص أن نفطن إلى الوقائع التي تصاحب السلوك حتي تتوصل إلى النتائج التي تؤدي إلي إستمراره. وهذه الخطوة عمل صعب في بعض الحالات. لأن هذه النتائج قد تكون غامضة أحياناً، ولأنها قد تنبثق من مصادر غير متوقعة وواضح أنه ينبغي أن ندقق في ملاحظة سلوك الفرد وسلوك من يحيطون به.
وسوف نتبين أن النتائج التي تؤدي إلى إستمرار السلوك غير المرغوب فيه لا تخضع للملاحظة في سهولة، وهذا يؤدي إلى غرابة السلوك الذي نلاحظه ويعرضنا للحيرة بالنسبة له. ومما يسهم في هذه المشكلة أننا نلاحظ الموقف وندركه من منظورنا الشخصي، وإذا لم ندرك شيئاً من ملامح البيئة مما يجعل النتيجة مرغوباً فيها، فإنه قد يتعذر علينا فهم أسباب بقاء سلوك معين عند شخص أو آخر. وهذا يؤكد الحاجة إلى الموضوعية في ملاحظاتنا.
وفيما يلي نورد بعض الأسئلة التي علينا أن نجيب عنها حتي نستطيع القيام بملاحظة موضوعية وتحقيق الهدف الذي تصبو إليه:
1- ما هي إستجابات المحيطين بالفرد عندما يصدر عنه هذا السلوك؟
2- ما هي إستجاباتنا في هذه الحالات؟
3- ما هي الظروف السائدة في بيئة الشخص وقت قيامه بهذا السلوك؟
4- كيف تغيرت هذه الظروف بعد حدوث السلوك؟
والهدف من هذه الأسئلة هو البحث عن إتساق بين الإجابات عنها عندما تتكرر الواقعة السلوكية وليس علي أساس حدوثها مرة واحدة.
ما المقصود بمعالجة النتائج؟
نستطيع الآن أن نعود إلى النقطة الأخيرة، أي نكتشف طريقة معالجة النتائج لكي تغير معدل السلوك. إننا نحاول هنا أن نعيد بناء الوقائع بطريقة تؤدي إلى تعديل معدل السلوك المرغوب فيه بحيث يزداد, وإلي تعديل معدل السلوك المرغوب عنه بحيث ينقص، وهذا يستلزم تغيير النتائج البيئية بطريقة أو أخري بإستخدام التعزيز الإيجابي أو السلبي . والسؤال الهام هنا الذي علينا أن نطرحه هو.
ماذا أستطيع عمله أو ترتيبه لكي يملك الآخرون أو يعملوا بحيث تصدر الإجابة المقبولة من الشخص الذي نلاحظة؟
ما هي العلاقة بين إرتفاع معدل السلوك والتعزيز الإيجابي؟
بعد ملاحظة الخط القاعدي للسلوك المقصود وتحديده، قد يكون هدفنا هو زيادة هذا المعدل أي زيادة تكرار ذلك السلوك بحيث يتعدي المعدل القاعدي. والتعزيز الإيجابي هو الذي يؤدي إلى زيادة إحتمال حدوث نفس السلوك مرة أخري. وعلي سبيل المثال ، إذا قابلنا شخصاً لأول مرة وكان التفاعل معه ساراً، فإننا سوف نبحث عن مصاحبة ذلك الشخص في المستقبل . وهنا نجد أن التفاعل الساريين شخصين يعزز سلوك اللقاء بينهما، مما يحملهما علي قضاء الوقت معاً.
متي نستخدم التعزيز الإيجابي؟
هناك ظروف عديدة مختلفة يكون إستخدام التعزيز الإيجابي فيها ملائماً بدرجة أكبر، وهدف هذا التعزيز في كل موقف واحد لا يتغير، وهو زيادة معدل السلوك، وإن إختلفت نقطة البداية في ذلك الموقف. وإذا كان السلوك الحادث في الموقف الأول مقبولاً من حيث مستواه، فإننا نحاول توفير الملابسات أو الظروف التي تضمن إستمرار هذا المعدل المرغوب فيه، وقد يؤدي هذا إلى زيادته. ومن أمثلة ذلك التلميذ الذي يستذكر دروسه بدرجة تكفي لحصوله علي تقدير متوسط. ولكنك تريد المحافظة علي هذا المستوي. ومن هنا يصبح هدفك الرئيسي هو توضيح الظروف التي يترتب عليها السلوك حتي نضمن إستمرار السلوك نتيجة لهذا التوضيح، فإن هذا موقف مقبول جداً ومرغوب فيه.
وثمة مناسبة أخري تتطلب إستخدام التعزيز الإيجابي، وهي حين يكون من المرغوب فيه زيادة معدل السلوك الموجود. في مثل هذه المواقف يتوافر تعزيز إيجابي عارض له تأثيره. ولكن هذا التأثير ليس فعالاً بالدرجة الكافية بسبب عدة عوامل. أولها: أن المعزز الذي يستخدم للحافظة علي السلوك وضمان إستمراره قد لا يكون أكثر المعززات فاعلية بالنسبة لهذا الشخص. وهناك عامل آخر وهو أن التعزيز لا يتم بتواتر كاف، مما يؤدي إلى المحافظة علي السلوك عند معدل منخفض والعامل الثالث : أن لا يكون التعزيز بالحجم أو بالمقدار الكافي.
ويمكن تلخيص جميع هذه النقاط الثلاث في قولنا أن نتيجة السلوك العامة ليست بالقوة الكافية بالنسبة للشخص بحيث ينغمس في السلوك بتواتر أكبر. وإذا توافر بديل للسلوك فمن المحتمل أن يلجأ الشخص إلى هذا السلوك البديل.
والموقف الثالث الذي يتطلب إستخدام التعزيز الإيجابي هو ذلك الذي يصبح من المرغوب فيه أن ننشئ سلوكاً جديداً في حصيلة الشخص ويكون المعدل القاعدي للسلوك المستهدف في هذه الحالة صقراً. وعلي أية حال حين ننشئ سلوكاً جديداً، فإن إنتظارنا لحدوث السلوك في شكله النهائي قبل أن نستخدم التعزيز عمل مؤلم ، لأنه طالما أن هذه العناصر السلوكية لم تحدث حتي الوقت الراهن فليس هناك سبب يحمل علي الإعتقاد بأن الشخص سيقوم تلقائياً بهذا السلوك المعين.
كيف يرتبط تطويع السلوك الجديد بالموقف الذي يطوع فيه؟
تطويع السلوك في الأساس إجراء يتم فيه تعزيز الإستجابات التي تقترب من الإستجاب المرغوب فيها. ومع تقدم هذه العملية، تتحدد المطالب التي تؤدي إلى الحصول علي التعزيز حتي يتم الوصول إلى السلوك المستهدف في النهاية.
إن الأساس العقلاني الذي يستند إليه تشكيل السلوك وتطويعه هو أن الإستجابات ليست جديدة كلية. أي أنه يتوافر لدي التلميذ كثير من أجزاء السلوك المستهدف ومكوناته، أي أنها موجودة في حوزته أو حصيلته. وأن الهدف من تطويع السلوك هو إعادة تنظيم المكونات المختلفة ووضعها في السياق المناسب وعلي سبيل المثال قبل أن يري معظم الناس الآلة الكاتبة لأول مرة فإن لديهم القدرة الكاملة علي أداء الحركات الجسمية التي تتطلبها الكتابة عليها، وعملية التعليم أو تطويع السلوك بالنسبة لهذا الموقف هي ببساطة بناء الوقائع السلوكية وترتيبها في تسلسلها المناسب بحيث تؤلف مهارة الكتابة علي الآلة الكاتبة. ومتي تشكل السلوك بهذه الطريقة ، فإننا نحافظ علي إستمراره مع مضي الزمن بواسطة التعزيز الإيجابي.
ما هي معاينة التعزيز؟
ثمة مناسبات يبقي فيها السلوك عند معدله الأدني لأننا لم نستخدم أكثر المعززات فاعلية بالنسبة للتلميذ، ولو أننا قمنا بقدر ضئيل من التخطيط، فإنه يمكن السيطرة علي هذا الموقف، ويتوقف السبيل إلى ذلك بإكتشاف المعززات الفعالة بالنسبة لهذا التلميذ، ويمكن الحصول علي معلومات عن هذه المعززات بسؤال الشخص عنها. وعلي آية حال، فثمة إجابة هامة يمكن أن نحصل عليها بملاحظة التلميذ والتعرف علي المعززات التي تؤثر بإنتظام في هذا المجال، ويعرف هذا الإجراء بإختيار عينة من التعزيز.
ما هو الترتيب الهرمي للتعزيز؟
أما وقد عرفنا المعززات الفعالة بالنسبة لتلميذ معين، فإنه ينبغي وضعها في نظام معين من حيث التفضيل والأولوية. وواضح أنه لا يمكن أن تكون قيمتها واحدة من وجهة نظره، وعلي سبيل المثال هل يقدر الأطفال في سن السادسة ثناء المعلم عليهم تقديراً عالياً ومساوياً لتقديرهم للحلوي أو للعب؟ ومتي عرفنا التفاوت بين المعززات من حيث قيمتها، فإن علينا أن نبدأ بأكثرها فاعلية وقد نلاحظ بمضي الزمن تراخياً وقصوراً في الإستجابة ولعل ذلك يرجع إلى أن الشخص قد تشبع بالمعزز المستخدم. وإذا حدث هذا التشيع فإنه من المناسب جداً إستخدام المعزز التالي من حيث الأفضلية للمحافظة علي معدل الإستجابة المرغوب فيها. وهناك طريقة أخري يمكن إستخدامها وهي مزج المعززات الثلاث أو الأربع المفضلة من بداية التدريب. وبهذه الطريق نقلل من إحتمال التشيع إزاء أي من هذه المعززات.
هل الإجراءات السلوكية "ميكانيكية" و "مصطنعة"؟
من الإنتقادات الشائعة التي توجه لإستخدام الإجراءات السلوكية في حجرة الدراسة أنها ميكانيكية وغير طبيعية والحق أن هذا النقد له ما يبرره في بعض الحالات فمن الممكن أن تبدو المواقف السلوكية مصطنعة بدرجة ملحوظة غير أن هذا أمر غير مرغوب فيه وينبغي تجنبه والنقطة الأساسية هنا هي أن هناك وقائع أو مثيرات في النشاط الصفي يمكن إستخدامها كمعززات وبرمجتها وتطبيقها علي نحو مناسب، وعلينا أن نستخدم هذه المثيرات، وهي في حالتها الراهنة تحافظ علي إستمرار بعض أنواع السلوك، ونستطيع أن نجعلها مشروطة بالسلوك السليم. وفضلاً عن ذلك ولكي تتجنب الإصطناع فإن علينا أن نراعي الوضع القائم وخصائصه لأن من شأن هذه المراعاة تقديم معززات جديدة، وتجنب مشكلات الإدارة التسلطية.
كيف يمكن خفض معدل السلوك بواسطة الإنطفاء؟
في حالات معينة نجد أن معدل سلوك ما مرتفعاً بشكل غير مناسب، وهناك عدة طرق يمكن إستخدامها لخفض معدل هذه الأنماط السلوكية الزائدة عن الحد ومنها متسع التعزيز الإيجابي الذي يحافظ حالياً علي إستمرار السلوك وتعرف هذه العملية بالإنطفاء، وقد سبق أن بينا أن التعزيز الإيجابي وسيلة لإنشاء السلوك. ويؤدي إستبعاده إلى إنقاص تواتر السلوك أو تكراره، ولو تصورنا التعزيز الإيجابي أجراً تمنحه للشخص مقابل الإستجابة التي يصدرها فإن إستبعاده يؤدي إلى إنقاص الإستجابة.
وهناك عدة عوامل تؤثر في الفترة الزمنية التي يستغرقها الإنطفاء، ومنها مقدار التعزيز الإيجابي الذي تلقاه الشخص علي سلوكه. وإذا كان الشخص قد حافظ علي نمط سلوكي عدداً من السنوات، فإن الإنطفاء يحدث ببطء لأن السلوك قد ترسخ بقوة وثبات.
وكذلك إذا إنغمس الشخص في هذه الإستجابة لفترة طويلة من الزمن ، فإن من المحتمل جداً أنه لم يلق تعزيزاً عليها في كل مرة ، ولما كان الإنطفاء هو فترة من عدم التعزيز فقد يستغرق الفرد بعض الوقت ليميز بين أمرين هما: فترة الإنطفاء وفترة عدم التعزيز.
ولهذا فإذا أريد إستخدام الإنطفاء بفاعلية فمن الضروري أن نبعد جميع المعززات الممكنة لسلوك معين عن الموقف علي نحو مسبق، وإذا حدث تراخ في هذه العملية وعزز الشخص الإستجابة عرضاً خلال الإنطفاء فإن السلوك سوف يستمر فترة أطول.
ما المقصود بالعقاب؟
وهناك إجراء آخر يستخدم لخفض معدل السلوك وهو العقاب. والعقاب مثير منفر يستخدم عقب حدوث السلوك ، والحكمة في إستخدام العقاب تكمن في أن الشخص لن يستمر في أداء الإستجابة إذا كان هذا الحدث غير المرغوب فيه هو النتيجة الوحيدة المترتبة عليه، ومن أشكال العقاب. العقاب المادي كالصدمة الكهربية والصفعة. ومنها ما ليس مادياً كالتوبيخ اللفظي وينبغي أن نتذكر شيئاً هاماً عن العقاب وهو أن يتحدد من حيث تأثيره في السلوك ولا يمكن تعريف المثيرات المعاقبة تعريفاً عاماً. ذلك لأنه مهما إختلف إدراك الشخص للمثير. فلا يمكن تعريفه بإعتباره مثيراً معاقباً مالم يقمع سلوكاً معيناً.
وكثيراً ما يستخدم العقاب في تلك المواقف التي يصبح من الضروري إنهاء الإستجابة علي نحو سريع، وهذه العملية أسرع من عملية الإنطفاء.
وثمة نقطة نهائية علينا أن نلتفت إليها حين نستخدم عقاباً لقمع السلوك وهي التوصية بتعزيز سلوك بديل تعزيزاً موجباً في نفس الوقت الذي يحدث فيه العقاب وهذا يؤدي إلى إحلال البديل المرغوب فيه في الفراغ السلوكي الذي كانت تشغله الإستجابة المعاقبة.
أذكر بعض الوقائع السلوكية غير المناسبة مما يمكن معالجته بالإنطفاء
1-………………………………………………………………
2- ………………………………………………………………
3- ………………………………………………………………
4- ………………………………………………………………
أذكر بعض الوقائع السلوكية التي تتطلب إستخدام العقاب
1-………………………………………………………………
2- ………………………………………………………………
3- ………………………………………………………………
4- ………………………………………………………………
ولكي نكمل الجانب الخبراتي من هذه الوحدة، من الضروري أن نعرف عدداً منوعاً من المصطلحات الخاصة بتعديل السلوك.
ما المعزز الإيجابي؟ Apositive Reinforcer
لقد ناقشنا هذا المفهوم من قبل والمعزز الإيجابي هو نتيجة من نتائج السلوك تؤدي إلى زيادة إحتمال تكراره.
ما التعزيز السلبي؟ Negative Reinforcement
إنه إختفاء مثير منفر كنتيجة للإستجابة، ومن الضروري أن يزداد تواتر أو تكرار الإستجابة التي إستبعدت المثير المنفر. لكي تقرر أن التعزيز السلبي قد حدث. ومن أمثلة التعزيز السلبي: موقف نجد فيه أن الطفل ( أ ) يجري مبتعداً عن الطفل (ب)، لأن الأخير يقرصه، فإذا كان القرص مثيراً منفراً، والجري بعيداً يزداد من حيث التكرار أو التواتر حين يوجد المثير المنفر، فإن الجري بعيداً إستجابة تتعزز سلبياً.
ما المعزز الشرطي؟ A conditioned Reinforcer
أن المعزز الشرطي مثير حيادي يكتسب خصائص المعزز من خلال عملية إقترانه به.
ما الإنطفاء: Extinction
إنة عملية تناقص تكرار إستجابة عند سحب جميع المعززات الممكنة لتلك الإستجابة.
ما العقاب؟ Punishment
إن العقاب مثيرمنفر يستخدم عقب حدوث السلوك مما يؤدي إلى نقص في تكراره.
ما المقصود بتطويع السلوك ؟ Shaping
تطويع السلوك أو تشكليله هو تعزيز الإستجابات التي تقترب من الإستجابة النهائية المرغوبة.
ما المقصود بالخط القاعدي؟ Baseline
لقد ناقشنا هذا من قبل عند الحديث عما يتطلبه تغيير معدلات السلوك من خطوات. والخط القاعدي، أو المعدل القاعدي هو حدوث سلوك معين بتكرار معين في ظل ظروف بيئية عادية، أي قبل أن تغير أي نتائج للسلوك.
ما المقصود بشرط التعزيز ؟ Reinforcement contingency
إنه الحالة أو الشرط المطلوب حدوثه لكي يحدث التعزيز أو العقاب وعلي سبيل المثال قد يتلقي طفل ثناء إذا إلتقط لعبة. فالتعزيز بالثناء مشروط بحدوث سلوك معين وهو التقاط اللعب.
والآن لتنتقل إلى التطبيق والتمرين العملي:
الخبـــرة:
إن الهدف الرئيسي لهذه الخبرة أن يلم الطالب بظاهرة شائعة في مجال التعلم وأن يتعرف علي متغيراتها. وتتطلب هذه الخبرة لكي تكون واقعية تماماً أناسا حقيقين وحجرات دراسة ومعلمين وتلاميذ . ولكننا لن نستطيع ذلك هنا وسوف نستخدم إستراتيجية مختلفة، ويرجع ذلك إلى أن تطويع السلوك أو تشكيله يتطلب أن يكون الطالب في مركز السلطة والمسئولية وأن من حقه أن يغير سلوك شخص آخر ولا يستطيع أن يعطي هذا الحق لكل طالب ومن هنا فإننا لا نستطيع أن نقترح علي الطالب أن يعود إلى البيئة المدرسية أو الأسرية ويبدأ في تغيير سلوك من حوله من الناس.
ولكننا نستطيع أن نستخدم أسلوباً وجد فيه كثير من أصحاب نظريات التعليم التطبيقية فائدة ونجحاً، وهذا الأسلوب هو أسلوب التمثيل.
وإذا كان الطالب لا يستطيع أن يمارس تشكيل السلوك في مواقف حقيقية فإنه قد يلجأ إلى موقف له خصائص الموقف الحقيقي أي أنه يمثل الواقع وذلك لأننا نسلم بأن الطالب لا يستطيع أن يقوم بتشكيل السلوك في حجرة دراسة حقيقية ومن هنا فليمارس ذلك في حجرة دراسة مصطنعة في مثل هذه الحجرة يلعب التلاميذ أدواراً معينة أي يمثلون هذه الأدوار. ويتم ذلك بوصف التلاميذ وتحديد خصائصهم كتابة، وعلي الطالب أن يحاول تشكيل سلوك هؤلاء التلاميذ من الوصف المكتوب عنهم. وسوف نصف لك أحد فصول في المدرسة ( أ ) ونتحدث عن تلميذ في هذا الفصل ولنسمه جابر وعليك أن تضع إستراتيجية لتشكيل السلوك تصلح لهذا التلميذ.
ما هي إمكانيات هذه المدرسة؟
هذه مدرسة لتعليم المعوقين من التلاميذ وقد تم تشخيص تلاميذها وإتضح أن لديهم نواحي قصور ونقصاً في المستوي الأساسي للمهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والرياضيات. والمواد التعليمية لهذه المهارات متوافرة في حجرات صغيرة مجاورة لحجرة الأنشطة الرئيسية . وقد فحصت هذه المواد وإتضح أنها مناسبة للتلاميذ الذين يلحقون بهذه المدرسة.
إلتحق زيد بهذه المدرسة وهو لا يستطيع أن يقرأ ولا أن يكتب حتي حروف الهجاء ولا يستطيع أن يعد. وقد قضي حوالي 60% من كل حصة عند النقطة س ، و 40% عند النقطة ص ولا يوجد عند هاتين النقطتين مكاتب ولا مقاعد ، وهو يتحرك من النقطة س إلى النقطة ص وبالعكس مرة واحد كل عشر دقائق. وواضح أن معدل إستجابته في الرياضيات والقراءة والكتابة صفر (أي أنه ينبغي أن يدخل حجرة من الحجرات الثلاث المجاورة لحجرة الأنشطة الرئيسية ليتعرض لهذه المواد).
وقد صممت المواد الموجودة في حجرات المهارات الأساسية بحيث يصدر التلميذ إستجابات بسيطة وصغيرة ويمكن للمعلم أن يلاحظ هذه الإستجابات ويعززها.
وسوف تستخدم قطع صغيرة من الحلوي كمعززات لزيد، لأن الثناء عليه وتشجيع المعلم وإهتمامه به ثبت عدم صلاحيته كمعزرات في الماضي. ويبدو أن زيد يتجاهل المعلم في جميع الأوقات، وأنه لا يستمع لتوجيهاته. وهو بالتأكيد لا يتبعها.

أهداف الخبرة:
علي الطالب أن يقوم بالأعمال الآتية:
1- وصف عملية تشكيل السلوك التي سوف يستخدمها لكي يجتذب زيد من حجرة الأنشطة الرئيسية إلى حجرة المهارات الأساسية.
2- وصف عملية تشكيل السلوك التي سوف يستخدمها لزيادة معدل إستجابة زيد لمواد المهارات الأساسية.
3- وصف عملية تشكيل السلوك التي سوف يستخدمها ليجتذب زيد من حجرة من حجرات المهارات الأساسية إلى حجرة أخري والتي سوف تحفزه علي العمل.
4- وصف الخطوات التي تؤدي إلى أن يتحول المعلم ليصبح مصدراً لتوزيع المعززات الشرطية.
5- بعد أن تنتهي من الأعمال السابق ضع من عندك مواداً إفتراضية تبين معدلات إستجابة زيد للأنشطة المختلفة وضعها في رسم بياني.
إجراءات تكفل تحقيق أهداف الخبرة:
1- حدد التقاربات السلوكية الفردية لتشكيل سلوك زيد وتطويعه لينتقل من حجرة الأنشطة الرئيسية إلى حجرة المهارات الأساسية وضعها في قائمة. ثم حدد المعززات التي سوف تستخدمها وأوقات إستخدامها.
2- حدد التقاربات الضرورية لإحداث زيادة في معدل الإستجابة إزاء المواد التعليمية وضعها في قائمة. ثم حدد المعززات التي سوف نستخدمها وأوقات إستخدامها.
3- حدد التقاربات التي سوف تعززها لكي تجتذب زيد من حجرة من حجرات المهارات الأساسية إلى حجرة أخري وضعها في قائمة. ثم حدد المعززات المستخدم ومتي تستخدم.
4- حدد المعززات الشرطية التي تريد أن تنشئها وحدد الخطوات التي تتبعها وضعها في قائمة.
5- نسق بين مراحل تطويع السلوك التي سبق ذكرها في (1)، (2)، (3)، (4) ثم جهز بعض البيانات الإفتراضية لتضعها في الرسم البياني.
6- جهز وصفاً مكتوباً للأفعال التي تمت في 1، 2، 3، 4، فيما سبق.
7- راجع كتابة تقرير هذه الوحدة.

.................................................. ......






الفصل الثانى
التعلم :
(1) أهمية التعلم في حياة الفرد – وفي تشكيل سلوكه.. وفي تكوين شخصيته:
إذا تأملنا حياة الفرد، نجد أن التعلم يشكل مكاناً هاماً فيها علي نحو مستمر عبر مراحل العمر المختلفة. فالطفل يولد مزوداً بعدد قليل من الأفعال المنعكسة كالمص والبلع أثناء الرضاعة، والبكاء، وحركات اليدين والقدمين، وعمليات الإخراج. وهذه الأفعال فطرية موروثة وليست مكتسبة. ولكن لا يلبث الطفل أن يتعلم كثيراً من الحركات وأنواع السلوك البسيط منه والمركب عبر مراحل عمره التالية. فيتعلم اللغة والعادات والميول والإتجاهات والمهارات، والفنون والحرف والعلوم المختلفة. وهو يتعلم كل ذلك من والديه وأقاربه وزملائه ومدرسيه. وهو لا يتعلم فقط الأشياء الصحيحة أو المرغوب فيها، ولكنه قد يتعلم أيضاً العادات السيئة التي يرفضها المجتمع. بل أن كل ما يتعلمه لا يكون بالضرورة إرادياً، فقد يتعلم الطفل من سلوك المدرس جوانب مختلفة، قد لا يشعر بها الطفل ولا حتي المدرس نفسه في بعض الأحيان كما أنه يتعلم من كتبه ومن أقرانه الموجودين معه في حجرة الدراسة، بل أنه يتعلم حتي من التنظيم الفيزيقي للمدرسة.
وقد يتم المرء كثيراً من العادات والسمات والإتجاهات دون حيلة له في ذلك، فقد تكون الظروف الإجتماعية المحيطة ببعض الأفراد، سبباً في تعلمهم الكثير من الصفات غير المرغوبة.
كذلك لا تشتمل عملية التعلم بالضرورة علي فعل واضح، فنحن نتعلم بعض الإتجاهات والإنفعالات بالإضافة إلى تعلمنا المعلومات والمهارات.
نخلص من هذا كله إلي أن التعلم له خصائص متميزة تجعله يمارس دوراً رئيسياً وفعالاً في تشكيل سلوك الفرد وتكوين شخصيته، الأمر الذي يعكس أهمية دراسة طبيعة التعلم والوقوف علي المبادئ المفسرة له.
ونظراً لهذه الأهمية الكبري للتعلم في حياة الفرد، فقد عني علماء النفس عناية كبيرة بدراسة عملية التعلم دراسة علمية تجريبية. وأدت بحوثهم إلى إكتشاف أهم مبادئ التعلم. وجدير بالذكر أن عملية التعلم ليست بالعملية البسيطة التي يمكن الوقوف علي عناصرها المختلفة- بسهولة – ففي مواقف تتدخل عناصر متعددة ومتنوعة تكون محصلتها العديد من الخبرات التي سبق أن أشرنا إليها من معلومات ومهارات وإتجاهات.. إلخ.
وهنا تكمن مهمة عالم النفس، حيث يكون عليه تحليل هذا السلوك المعقد إلى عناصره الرئيسية حتي يتسني له تفسير عملية التعلم وإكتشاف أهم مبادئه أو قوانينه. ولكي يقوم بهذه المهمة، يحاول من خلال دراساته المعملية أن يتناول بعض المتغيرات المعينة بالتجريب، ويبقي علي بعضها الآخر ثابتاً، ويحاول أن يقيس التغيرات التي تطرأ علي السلوك موضع الدراسة. وبإختصار، يحاول الباحث في هذه الدراسة المعملية أن يقدم صورة نقية لمواقف تعلم معينة كما توجد في مجالات الحياة اليومية خارج المعمل. وهدفه من هذا هو دراسة العناصر الأساسية للتعلم اليومي من أجل مزيد من الفهم لما نعنيه بمفهوم التعلم. وهو في منهجه هذا يناظر ما يجري في مجالات أخري من العلم، حيث تحلل المواد الكيميائية المركبة إلى عناصرها الأساسية كما أنه يماثل منهج العالم الذي يدرس سرعة الجسم المتساقط، وإعتباره دالة لبعد المسافة التي سقط منها، بغض النظر عما إذا كان هذا الجسم هو جسم شخص، أو قنبلة هيدروجينية أو أي مادة أخري.
ولا شك أن هذه الدراسة العلمية المنظمة للتعلم، فضلا عن كونها المسلك الرئيسي لتفسير نشأة السلوك وتكوين الشخصية، فإنها تؤدي دوراً هاماً وخطيراً في كثير من الميادين التطبيقية الهامة. ففي ميدان التربية ، نجد الإهتمام موجهاً من قبل العاملين فيه نحو العملية التربوية، وهي العملية التي تقوم علي إكساب النشئ المعلومات، وتنمية المهارات لديهم، وتمثلهم المعايير والقيم. ولا شك أن إزدياد فهم القائمين ببحث هذه العملية التربوية، للتعلم وطبيعته يؤدي إلى رفع كفاءتها، وتجنب المخاطر والإنحرافات التي قد تتخلف عنها.
وفي ميدان الصناعة، يمكن الإستفادة من بحوث التعلم في مجال التدريب المهني للعمال، وإكسابهم مهارات العمل وعاداته السليمة، وخفض إصابات العمل الناتجة عن التعلم القاصر للمهارات. كما يمكن الإستفادة من بحوث التعلم الخاصة بأثر الحوافز علي معدل الأداء ودقته في رفع كفاءة العاملين وتقليل السلبيات.
أما في ميدان الإضطرابات النفسية والعصبية، فيمكن الإستفادة من نظريات التعلم ومفاهيمه في تفسير نشأة الكثير من الإضطرابات والعادات السلوكية اللاتوافقية. وبالتالي يؤدي هذا الفهم دوراً هاماً لمساعدة الفريق العلاجي، علي القيام بالتشخيص الأقرب إلى الدقة، وأيضاً في تفسير أسباب الكثير من الإضطرابات السلوكية. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخري فإن كثيراً من أساليب العلاج السلوكي تنظر إلى الإضطرابات السلوكية علي أنها عادات خاطئة إكتسبها الفرد في ظل ظروف معينة، ومن ثم فإن تغيير هذه العادات الخاطئة أو الأساليب السلوكية اللاتوافقية، وإحلال العادات الصحيحة أو الأساليب التوافقية محلها من خلال أساليب العلاج السلوكي، يعتمد إعتماداً كبيراً علي مبادئ وقوانين التعلم.
(2) تعريف التعلم:
علي الرغم من أننا لا نجد إجماعاً بين باحثي التعلم حول تعريف بعينه، فإننا نلمس إتفاقاً واضحاً بينهم – فيما أوردوه من تعريفات- علي ما ينبغي أن يضمن في التعلم من ظواهر أو ما يستبعد منه. ولكي نقف علي هذه الظواهر، نسوق أحد هذه التعريفات.
يعرف هيلجارد (Hilgard, 1977) التعلم بأنه "العملية التي بمقتضاها ينشأ أحد الأنشطة أو بتغير، من خلال الإستجابة لموقف مواجهة، بشرط ألا ترجع خصائص هذا التغير إلى عوامل فطرية، أو عوامل النضج، أو إلي حالات عارضة يتعرض لها الكائن الحي مثل التعب أو العقاقير أو المرض.. إلخ".
وأهم خصائص التعلم وفقاً لهذا التعريف، أنه يظهر في شكل تغير في السلوك أو نشأة سلوك جديد لم يكن موجوداً من قبل. والأمثلة علي ذلك كثيرة في مواقف التعلم المختلفة. فمثلاً تعلم ركوب الدراجة، وإكتساب مفردات اللغة وحفظ قصيدة من الشعر، كلها مظاهر لنشأة أنواع جديدة من السلوك لم تكن موجودة لدي المتعلم. وهناك أشكال أخري من السلوك يتعلمها الفرد، وإن كان هذا التعلم ليس شديد الوضوح ونعني بها الإتجاهات الإجتماعية نحو الأشياء أو الأفراد أو الأحداث، والميول والمثل العليا، والمهارات المتضمنة في التفاعل الإجتماعي. ومنها أيضاً أنواع من السلوك الذي يتعلمه الفرد دون أن يكون مفيداً له مثل العادات السيئة والمخاوف المرضية. هذه الأشكال يظهر فيها التعلم علي هيئة تغيرات تدريجية في سلوك الأفراد، لا تتسم عند حدوثها بالوضوح الشديد، كما هو الحال في الأمثلة الأخري التي سبق أن أشرنا إليها (تعلم مفردات اللغة، أو ركوب الدراجة).
أما الخاصية الثانية للتعلم فهي أنه يحدث من خلال الإستجابة لموقف معين، أي إستجابة المتعلم لموقف يمر به، وهذا الموقف يتضمن شيئاً أو شخصاً أو حدثاً معيناً، مما يمثل نوعاً من التنبيه الذي يستجيب له المتعلم تحت شروط معينة، فيحدث التعلم. فقد يتضمن موقف التعلم نموذجاً لأحد الأشخاص كمدرس الفصل، أو الأب أو أي شخص آخر فيكتسب منه بعض الخصال الشخصية أو العادات أو طرق التفكير، وقد يواجه الشخص مواقف يعتاد أن يخبر فيها الأشياء موضوعة في نظام معين وترتيب جذاب، فيكسبه هذا ميلا للنظام والترتيب، وربما يواجه أحداثاً معينة تكسبه إتجاهات عدائية أو تعصبية، أو إتجاهات تتسم بالتعاطف نحو الآخرين.
وإذا كانت الأمثلة السابقة كلها توضح لنا أن التعلم هو تغير في السلوك ، فإن هذا لا يعني أنه يشمل كل أنواع التغيرات التي تطرأ علي السلوك. فهناك أنواع أخري من التغيرات التي تنتمي لعوامل فطرية معينة، إذ أن هناك أشكالاً من السلوك تظهر لدي بعض الكائنات الحية بشكل فطري، ولا دخل للتعلم فيها. مثل إستجابة المص أو البلع لدي الطفل الرضيع، أو بناء الطيور لأعشاشها، أو إندفاع الفراش نحو شعلة مضيئة. ومثل الأفعال المنعكسة الطبيعية لدي الإنسان من قبيل رمشة العين أو ثني الركبة وتحريك الساق لأعلي عند الخبط علي الركبة. ومع هذا فبعض هذه الأشكال السلوكية الفطرية قد تتأثر بفرض التعلم التي يمر بها الكائن.
ومن ظواهر التغير الأخري التي تخرج عن مفهوم التعلم، التغيرات التي ترجع إلى عوامل النضج، فمثلاً الطائر الصغير يبدأ في الطيران عندما يصل إلى مرحلة معينة من النضج، والطفل يبدأ في الكلام، أو إتيان بعض الأداءات الحركية عندما يتم نضج مجموعة الأعصاب والعضلات المسئولة عن إصدار المهارات. كل هذه التغيرات لا دخل للتعلم فيها، ومع هذا فهناك أنواع من التغيرات ترجع إلى التفاعل الذي يتم بين التعلم والنضوج. فصحيح أن الطفل يبدأ في الكلام عند وصوله للنضج اللازم، إلا أن إرتقاء هذه المهارة يتوقف علي فرص التعلم والإكتساب التي تتاح له فيما بعد.
وثمة تغيرات أخري يمكن أن تطرأ علي السلوك، ولكنها ترجع إلى عوامل مؤقتة أو طارئة مثل تناول عقاقير معينة، أو التعرض للإجهاد أو التعب، أو الإصابة بمرض معين. مثل هذه التغيرات لا تدخل في إطار التعلم.
من كل ما سبق يتضح لنا أن ما يميز التعلم هو أنه تغيرات تطرأ أو تستجد علي السلوك، وأنه يحدث كإستجابة لموقف مواجهة. أما ما يخرج عن إطار التعلم، فهو التغيرات الناشئة عن عوامل النضوج والفطرة والوراثة أو الناتجة عن التعب أو المرض أو تناول العقاقير… إلخ.
(3) الدراسة السيكولوجية للتعلم:
نظراً لأن القابلية للتكيف للظروف المتغيرة، تعد من أهم خصائص السلوك الإنساني. ونظراً لما للتعلم من أهمية بالغة وشمولية تمتد إلى معظم المواقف وإلي معظم أنماط السلوك- (لاحظ أنك تعتمد في معظم ما تقوم به من تصرفات خلال كل يوم من أيام حياتنا علي ما سبق لك أن تعلمته، بل أن ما يحيط به من بيئة إجتماعية إنما يعتمد علي ما تعلمه الآخرون)- فقد تطلب الأمر دراسة التعلم بطرق متعددة. فمثلاً حاول البعض بحث أساليب إكتساب الأفراد للمهارات النوعية، وقام بعض خبراء التربية والتعلم بإختبار فعالية طرق التدريس لموضوعات معينة، ويسعى معلمو الألعاب الرياضية إلى التوصل إلى طرق للتدريب أكثر فعالية، مما حقق أرقاماً قياسية أثارت الدهشة في مختلف المسابقات والمباريات الرياضية.
علي أن علماء النفس يبحثون التعلم من منظور مختلف (عن الإهتمام بالمهارات النوعية من منطلقات عملية تطبيقية في مختلف المجالات)، إنهم يهتمون بعملية التعلم في ذاتها، ويسعون إلي إكتشاف مبادئها وقوانينها، وهذه القوانين تعد أساساً لأي برنامج فعال في التدريب أو التربية أو إكتساب الخبرة.
ويقوم الباحثون في مجال التعلم بدراسة التعلم في أبسط صورة، علي أساس الإعتقاد، فإن مبادئ التعلم تنطبق غالباً علي كل مواقف التعلم.
وقد بذلت جهود عديدة في مجال إكتشاف مبادئ التعلم وقوانينه ونتج عن هذا عدد من الإطارات النظرية التي حاولت تفسير التعلم. ومعظم هذه الإطارات النظرية يكمل بعضها البعض، لأن بعض عمليات التعلم التي لا تفسرها إحدي النظريات تحاول النظرية الأخري تفسيرها.
وسوف نعرض فيما يلي لثلاثة إطارات نظرية لتفسير التعلم، هي:
1- المنحي السلوكي الترابطي، الذي يقوم علي تفسير الإرتباط بين منبهات محددة، وإستجابات بعينها.
2- المنحي المعرفي :الذي يعطي إهتماماً كبيراً للعمليات المعرفية مثل الفهم والإستبصار، عند تفسير التعلم.
3- منحي التعلم الإجتماعي: الذي يفسر التعلم من خلال نموذجي اجتماعي أو من خلال المحاكاة، أو التعلم من خلال خبرة ، الذي يتم من خلال دعم ذاتي بدلا من الدعم الخارجي.
1- المنحي السلوكي:
(أ) نظرية الإرتباط الشرطي الكلاسيكي:
سجل بافلوف عالم الفسيولوجيا الروسي (1849-1936) ، في نهاية القرن التاسع عشر نتائج تجاربه في التشريط، التي أصبحت تعرف بإسم "التشريط الكلاسيكي أو تشريط بافلوف أو تشريط الإستجابة موقفاً تجريبياً صممه بافلوف وفيه كلب جائع، أخذ إلى حجرة معزولة الصوت، ووضع علي منضدة، مع ربطه رباطاً مريحاً يمنعه من التحرك، ثم قام بعمل فتحة في خد الكلب وأدخل أنبوبة في هذه الفتحة وأوصلها بإحدي الغدد اللعابية، بحيث إذا سال لعاب الكلب، سال اللعاب من هذه الغدة إلى الأنبوبة، حيث يتجمع في أنبوبة إختبار مدرجة، ومن ثم يمكن للمجرب أن يتحقق من أن لعاب الكلب قد سال، مع معرفة كمية هذا اللعاب.
الشكل رقم (1)
يوضع كلب بافلوف ، حيث تم توصيل أنبوبة بالغد اللعابية، لتجميع أي مقدار من اللعاب تفرزه هذه الغدة.
ويتم تسجيل عدد قطرات اللعاب علي أسطوانة دائرية.
ويقوم المجرب بمشاهدة الكلب من خلال مرآه تسمح بالرؤية في إتجاه واحد ( من المجرب فقط).
ويقدم الطعام للكلب من خلال تحكم من بعد، وذلك حتي لا يحدث أي تشتيت للكلب، بشئ أخر غير الطعام الذي يقدم له، وأي تنبيه آخر يري المجرب أن يتعرض الكلب له.
وقبل البدء في إجراءات التشريط ، ينبغي القيام ببعض الإختبار المبدئي. فأولا ينبغي أن يقدم تنبيه، مثل صدور صوت معين، أو نفخه صوتية مسموعة في ضوء مصباح ويلتفت الكلب عادة نحو هذا الصوت ، إلا أنه يسيل لعابه. فإذا مر علي مرأي منه بعض مسحوق اللحم – الذي كان قد إعتاد عليه ، فإن الكلب عندئذ سيسيل لعابه. ويعبر علماء النفس عن هذه العلاقة في الشكل رقم ( 1 )
تنبيه 1 ( صوت ) ← إستجابة (توجه)
تنبيه 2 ( طعام ) ← إستجابة (لعاب)
فالصوت يستثير إستجابة الإلتفات نحوه، إلا أنه لا يستثير اللعاب كما يفعل الطعام. أي أن "التنبيه 1" (الصوت¬) لا يرتبط بإستجابة اللعاب علي حين التنبيه " 2 " (الطعام) هو الذي يرتبط بإستجابة اللعاب. بعد ذلك يبدأ الجانب الرئيسي في إجراء التشريط الكلاسيكي : يبدأ الصوت، وبعد جزء من الثانية، يقدم الطعام للكلب، وبعد أن تتكرر المزاوجة بين ك من الصوت وتقديم الطعام عدداً من المرات يتراوح بين 10 ، 20 مرة، فإن مجرد صدور الصوت منفرداً ، سيستثير الإستجابة اللعابية.
فالصوت الذي كان يفتقد إلى قوة إستثارة الإستجابة اللعابية، يمكنه، بعد هذه المزاوجة بينه وبين الطعام، أن يستثيرها، لهذا يضاف في الشكل السابق خط متقطع بين الصوت والإستجابة اللعابية، لكي يعبر عن الترابط الجديد الذي تكون (أنظر الشكر رقم (2) التالي:
تنبيه (صوت) 1 إستجابة (التفات)
تنبيه ( طعام ) 1 إستجابة (لعاب)
وعندئذ يطلق مصطلح إستجابة غير شرطية علي الإستجابة اللعابية للطعام، لأنها تحدث قبل أن تبدأ إجراءات التشريط، ويطلق مصطلح تنبيه غير شرطي علي الطعام.
علي حين يطلق إسم التنبيه الشرطي في هذه الحالة علي الصوت الذي يرتبط إرتباطاً شرطياً ويطلق إسم الإستجابة الشرطية علي الإستجابة اللعابية التي يستثيرها التنبيه الشرطي (الصوت).
ويطلق إسم المحاولة علي كل مزاوجة بين التنبيه الشرطي والتنبيه غير الشرطي أي أن المحاولة عبارة عن التعرض لموقف التنبيه لمرة واحدة. تبدأ عندما يعرض كل من اصوت والطعام، وتنتهي عند إختفاء هذين التنبيهين. ويطلق إسم مرحلة الإكتساب للتشريط الكلاسيكي، علي الفترة التي يتعلم فيها (الكلب) الكائن الحي، الترابط الجديد بين التنبيه الشرطي والإستجابة الشرطية.
ويطلق علي عملي تقديم المنبه غير الشرطي الذي يعقب المنبه الشرطي، ويقوي ميل التنبيه الشرطي إلى إستثارة الإستجابة الشرطية إسم "الدعم" 0
ولقد أجري علماء النفس الكثير من تجارب الإرتباط الشرطي علي نسق تجارب بافلوف ، وإستخدموا فيها كائنات حية كثيرة غير الكلاب، كما أجروا كثيراً من التجارب أيضاً علي الإنسان، وقاموا بدراسة إستجابات شرطية أخري أكثر تعقيداً من إفراز اللعاب. ونذكر من هذه التجارب نموذجاً لإحداهما فيما يلي :
في إحدي الدراسات تم تعليم الفئران بطريقة الإرتباط الشرطي الكلاسيكي الإرجاع المرتبطة بالأنسولين والمعروف أن الأنسولين ، هرمون يعمل علي التحكم في مستوي السكر بالدم. وهو يستخدم عادة في علاج مرضي السكر. وتؤدي الجرعات الزائدة من الأنسولين إلى أرجاع فسيولوجية شديدة تعرف بصدمة الأنسولين وهي تكون مصحوبة بفقدان الوعي. وفي التجربة تم تعريض الفئران لضوء مبهر، وتم في نفس الوقت حقنهم بجرعة مفرطة من الأنسولين. وهنا عمل كل من الضوء المبهر وإبرة الحقن كمنبهات شرطية. أما الحقن بالأنسولين الذي يحدث الصدمة فكان يمثل المنبه غير الشرطي وبعد عدة مرات تصاحب المنبه الشرطي بالمنبه غير الشرطي، تم إبدال الأنسولين بمحلول ملحي ( والذي لا يحدث تأثيرات فسيولوجية) وقد لوحظ أن الفئران كشفت بعد حقنها بمحلول الملح عن صدمة تشبه إلي حد كبير الصدمة التي يحدثها لديهم الأنسولين. هنا نستطيع أن نقول أن أرجاع الصدمة أصبحت إستجابة متعلمة وفقاً لهذه التجربة 0
في هذه التجربة نلاحظ أن الإستجابة الشرطية لم تكن إستجابة واحدة يمكن قياسها بسهولة كما هو الحال بالنسبة للعاب في التجربة السابقة. ولكن الإستجابة كانت تتمثل في نمط معقد الإستجابات الفسيولوجية والعضلية، وهي التي تكون أرجاع صدمة الأنسولين.
وقد أشارت التجارب المعملية في التشريط الكلاسيكي علي كل من الإنسان والحيوان أن التعلم وفقاً لهذا النوع من التشريط ، يعطي نتائج أفضل عندما يحدث المنبه الشرطي سابقاً للمنبه غير الشرطي بفترة زمنية تقدر بنصف ثانية، أما لوزادت هذه الفترة الزمنية الفاصلة عن نصف ثانية، فإن التعلم يصبح أضعف بالتدريج ، بإزدياد طول الفترة الزمنية الفاصلة بين تقديم المنبهين – هذا وإن كانت هناك بعض الإستثناءات التي تعتمد علي طبيعة كل من المنبهين 0
والواقع أن كثيراً من عاداتنا تتكون بهذه الطريقة. فالخوف مثلاً يكون فطرياً في الطفل الرضيع. إلا أنه يكون محصوراً في أشياء محدودة مثل الصوت الشديد أو السقوط أو فقدان السند، وعن طريق التشريط يتعلم الطفل الخوف من أشياء أخري كثيرة لم تكن تثير خوفه من قبل. ففي تجربة أجراها عالم النفس الأمريكي واطسون Watson ، كان يقدم فيها إلى الطفل فأراً أبيضاً، فلم يخف الطفل منه، وهم بمد يده ليمر بها عليه، وفي نفس اللحظة التي مد بها الطفل يده نحو الفأر ، قرع المجرب قطعة من الحديد، فدوي صوت شديد، أنزعج منه الطفل، فرد يده في الحال بعيداً عن الفأر. وبتكرار تلك العملية عدة مرات، تعلم الطفل الخوف من الفأر، ولم يكن الطفل قبل حدوث التجربة يخاف منه. ولكن الإرتباط الذي حدث بين رؤية الفأر والخوف الذي أثاره الصوت الشديد المفاجئ، أضفي علي الفأر خاصية جديدة لم تكن لديه من قبل ، وهي القدرة علي إثارة الخوف، وبمثل هذه الطريقة ، يتعلم الطفل كثيراً من مخاوفه – إن أكثر مخاوف الكبار التي تبدو لبعض الناس أموراً لا مبرر لها إنما تكتسب بهذه الطريقة. ومن أمثلة ذلك الخوف من الوجود في الأماكن المرتفعة أو من البحر أو من الوجود في الأماكن المغلقة، أو من بعض الحيوانات الأليفة. وعلي هذا الأساس أيضاً يمكن تفسير ما نشعر به من مشاعر وإنفعالات مختلفة. فسماعنا لإحدي المقطوعات الموسيقية أو تأملنا للوحة فنية أو قراءتنا لقصيدة من الشعر مثلا من الممكن ألا يثير لدينا إنفعالات واضحة، إذا مررنا بإحدي هذه الخبرات في مواقف عادية. ولكن عندما تتصاحب هذه الخبرات بمتغيرات لها مكانة خاصة عند الفرد ، كأن ترتبط بمكان أو شخص أو حدث له تأثير إنفعالي معين، فإن هذه الموسيقي أو اللوحة أو القصيدة سوف تكتسب هي الأخري فيما بعد عندما يخبرها الفرد بمفردها خاصية إستثارة نفس الإستجابة الإنفعالية المرتبطة أصلاً بالمتغيرات ذات المكانة الخاصة في حياة الفرد.
المبادئ العامة للتشريط الكلاسيكي:
توصل بافلوف وتلاميذه من تجاربهم الشرطية إلى مجموعة من المبادئ العامة وقد وقفت هذه المبادئ كأبعاد أساسية لظاهرة التشريط الكلاسيكي، وفيما يلي توضيح لهذه المبادئ.
1-التكـــــرار:
إن تكرار المصاحبة بين المنبه الشرطي ، والمنبه غير الشرطي يؤدي إلى تقوية الإرتباط بين المنبه اشرطي والإستجابة الشرطية، فبتكرار المصاحبة بين صوت الجرس والطعام ، يقوي الإرتباط بين صوت الجرس وإفراز اللعاب. وبالرغم من أهمية التكرار في التشريط ، فإن من الممكن مع هذا أن يحدث التشريط من مرة واحدة فقط، فالطفل لا يحتاج عادة إلى الإحتراق من لهب الشمعة عدة مرات لكي يتعلم الإبتعاد عن النار.
2- الخمود التجريبي :
عندما يتوقف التدعيم أي يقوم المنبه اشرطي (الجرس) فقط غير مصحوب بالمنبه غير الشرطي (الطعام) فإن الإستجابة الشرطية تتضاءل تدريجياً وتختفي وقد سمي بافلوف هذه الظاهرة بالخمود التجريبي.
قدم بافلوف بيانات كشفت عنها تجاربة توضح أن مسار تكوين الفعل المنعكس الشرطي يأخذ شكل حرف (S) حيث إن معدل تكوين الفعل المنعكس الشرطي يبدأ بطيئاً في البداية حيث لا تكون هناك إستجابات شرطية علي الإطلاق في بداية التجربة ثم نلاحظ بعد هذه البداية البطيئة تزايداً سريعاً، يليه تناقص في معدل زيادة صدور الإستجابة الشرطية.
يتضح من هذا أن الإستجابة الشرطية لا تظل محتفظة بقوتها بإستمرار، بل هي عرضة للضعف والزوال إذا إمتنع التصاحب بين المنبه الشرطي ( الجرس) والمنبه غير الشرطي (الطعام)، فتقديم الطعام يعمل علي تدعيم الإستجابة الشرطية، وإنقطاع الطعام يؤدي إلى ضعفها ثم خمودها. ومن تجارب الخمود توصل بافلوف إلى أهمية الدعم 0
3- الدعم أو التعزيز :
لماذا يكتسب أحد الكائنات الحية إستجابة شرطية؟
لماذا تختفي الإستجابة الشرطية عندما يتكرر إختفاء المنبه غير الشرطي؟
للإجابة علي هذين السؤالين، يوجه علماء النفس إنتباهنا إلى مبدأ نظري أطلقوا عليه إسم "الدعم أو التعزيز" ، وهو يعني أن بعض الأحداث يمكن أن تقوي ميل التنبيه الشرطية ، وغياب هذه الأحداث- أي غياب الدعم – يضعف الميل. وهكذا فإن الدعم بنبغي أن يعتمد عليه علي التنبيه غير الشرطي 0
فالدعم إذن ضروري لتكوين الإستجابة الشرطية. ويقوم الطعام في تجربة بافلوف بدور المدعم. وقد إتضحت من هذه التجارب أهمية الدعم في عملية التعلم فالكائن الحي يمكن أن يتعلم إستجابات جديدة إذا دعمت هذه الإستجابات علي نحو ما.
4- العودة التلقائية :
إن الخمود لا يؤدي في الواقع إلى زوال الإستجابة الشرطية نهائياً، فعقب فترة من الراحة لا يتخللها أي تكرار لعملية التدعيم الشرطي (الطعام)، تعود الإستجابة الشرطية ( سيلان اللعاب) للظهور بمجرد ظهور المنبه الشرطي. وهذا ما يسمي بالعودة التلقائية. وهنا يمكن قياس قوة الإستجابة الشرطية أو قوة الإرتباط الشرطي كميا بإستخدام مجموعة من المؤشرات التجريبية تذكرها فيما يلي:
( أ ) سعة الإستجابة : مثل كمية اللعاب التي يفرزها الكلب رداً علي المنبه الشرطي، ومثل مدي الحركة العضلية… إلخ.
(ب) كمون الإستجابة : وهي سرعة صدور الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي أو هي الوقت الذي ينقضي بين عرض المنبه الشرطي، وصدور الإستجابة الشرطية.
(جـ)نسبة إحتمال صدور الإستجابة الشرطية: وهي النسبة المئوية للمحاولات التي تظهر فيها الإستجابة الشرطية. ومن المعروف أن الإستجابات الشرطية لا تصدر بالضرورة في كل مرة يقدم فيها المنبه الشرطي حتي تتكون الرابطة الشرطية.
( د ) مقاومة الإنطفاء التجريبي: والإنطفاء هنا يشار إليه بأنه تناقص في قوة الإستجابة ( كمية اللعاب) في ظل عدم التدعيم.
(هـ) عدد المحاولات اللازمة لحدوث الرابطة الشرطية: مثل عدد مرات التدعيم اللازمة قبل صدور الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي وحده.
5- التعميم :
تكشف تجارب بافلوف التي أجراها عن ظاهرة هامة هي التعميم، وهي تتحدد في ميل الإستجابة الشرطية التي تصدر رداً علي منبه معين، للصدور أيضاً علي منبهات أخري مماثلة، فإفراز اللعاب لصوت جرس ذي رنين معين يمكن أن يحدث أيضاً رداً علي صوت جرس آخر ذي رنين مختلف، وإذا إرتبط إنفعال الخوف عند طفل معين بالفأر، فإن بعض الحيوانات الأخري الشبيهة بالفأر مثل القطط والكلاب قد تثير خوف الطفل وكلما إزداد الشبه بين المنبه الجديد والمنبه الشرطي، كانت الإستجابة الشرطية للمنبه الجديد أقوي. وتسمي هذه الظاهرة بالتعميم. وعلي ضوء مبدأ التعميم يمكن تفسير كثير من إستجاباتنا للمواقف الجديدة علي أساس إستجاباتنا التي إكتسبناها من قبل لمواقف أخري مشابهة.
6- التمييز :
ينظر إلى ظاهرة التعميم علي أنها تمثل أحياناً صعوبة في التعلم الشرطي، حيث إن الإستجابة الشرطية تصدر رداً علي منبه شرطي معين، يمكن أن تصدر رداً علي منبهات أخري عارضة ليست بالضرورة متماثلة تماماً مع المنبه الأول. وعلي هذا فإن إستجابة شرطية لمنبه، قد لا يمكن أن تصدر أيضاً رداً علي منبه صوتي.
ومن ثم يبرز الدور المهم لمفهوم آخر هو التمييز، ويعني بالتمييز "العملية التي يمكن أن يتعلم الكائن من خلالها أن يصدر الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي وحده وليس لأي منبه آخر" وقد أوضح بافلوف أنه يمكن تحقيق ذلك عن طريق إستخدام طريقة التضاد، والتي يمكن علي أساسها تقديم المنبه غير الشرطي (التدعيم) بعد المنبه الشرطي فقط، بحيث لا يقدم بعد المنبهات الأخري المختلفة. الأمر الذي يمكن معه بعد فترة معينة – أن يتعلم الكائن التمييز بين المنبهات، وأن يصدر الإستجابة الشرطية رداً علي المنبه الشرطي فقط.
7- العلاقات الزمنية بين المنبهات الشرعية وغير الشرطية:
يحدث التشريط عادة، إذا جاء المنبه الشرطي قبل المنبه غير الشرطي بفترة زمنية قصيرة جداً ( في حدود الثانية) فإذا طالت الفترة الزمنية تدريجياً. ضعف التشريط تدريجياً حتي إذا ما زادت الفترة الزمنية بين المنبهين عن حد معين، إمتنع حدوث هذا التشريط . وقد أجريت تجاري عديدة للوقوف علي سرعة الإستجابة الشرطية في ظل التغيرات التي تدخل علي العلاقة الزمنية بين المنبهات الشرطية وغير الشرطية، وقد خرجت هذه التجارب بأشكال للإستجابة الشرطية نذكر منها النموذجين الآتيين:
1- الإستجابة الشرطية المتأنية : حيث يبدأ المنبه الشرطي في الظهور قبل المنبه غير الشرطي بفترة تتراوح بين جزء من الثانية وخمس ثوان، ويستمر هذا المنبه إلى أن يحدث المنبه الثاني. وفي ظل هذا تبدأ الإستجابة الشرطية في الظهور عقب بداية المنبه الشرطي مباشرة.
2- الإستجابة الشرطية المرجأة : حيث يبدأ المنبه الشرطي قبل المنبه غير الشرطي بفترة تتراوح بين خمس ثوان وعدة دقائق ، ويستمر إلي أن يحدث الأخير وعلي الرغم من بدء ظهور الإستجابة الشرطية قبل المنبه غير الشرطي، فإنها تعقب ظهور المنبه الشرطي بفترة إرجاء تتناسب وطول الفترة بين المنبهين – فكلما طالت الفترة بين المنبهين تأخر ظهور الإستجابة الشرطية.
أمثلة للتشريط الكلاسيكي :
يمكن أن يحدث التشريط الكلاسيكي في مواقف عديدة، ولمبحوثين مختلفين ( حيوانات وآدميين) وبأنواع من التنبيه الشرطي شديدة التنوع، ومن أكثر الإجراءات التي إستخدمت في تجارب التسريط بالولايات المتحدة الأمريكية الإستجابة المنعكسة لجفن العين والتي تتمثل في إغلاق العين ( وهي إستجابة غير شرطية) وذلك عند تعريض عين المبحوث لعصفة هواء (كتنبية غير شرطي). ويستخدم عادة ضوء ضعيف كتنبيه شرطي في هذه التجربة وتتم مزاوجة ظهور الضوء وحدوث عصفة الهواء بحيث إنه يعد تكرار هذه المزاوجة عدداً من المرات يصبح الضوء وحده قادراً علي أن يحدث غلق العين.
وقد إستخدام تشريط جفن العين بنجاح مع كل من الكلاب والقردة وعلي أعداد من طلاب الجامعات. وكانت خطوات التشريط متشابهة مع كل المبحوثين سواء أكانوا آدميين أم حيوانات.
ويتم قياس درجة إكتساب السلوك الشرطي عن طريق تقدير نسبة صدور الإستجابة الشرطية في المحاولات المتتابعة.
(ب) الإرتباط الشرطي الفعال (الأدائي أو الوسيلي)
لاحظنا أن نظرية بافلوف في الإرتباط الشرطي الكلاسيكي تري أن محور عملية التعلم هو الربط بين المنبه الشرطي والإستجابة الشرطية. فللمنبهات أهمية كبيرة في إستثارة الإستجابات ، بحيث نجد أن بعض علماء النفس رأوا أنه لا إستجابة بدون منبه. ولكن التجارب العملية العديدة أوضحت أن هناك الكثير من أشكال السلوك تصدر عن الكائن الحي دون أن تكون مرتبطة بمنبه محدود ، وذلك بالطبع إلي جانب السلوك الذي يصدر عن الكائنات الحية مرتبطاً بمنبهات محددة. فنحن نجد الكثير من مظاهر السلوك التلقائي أو العشوائي الذي يصدر عن الكائن نتيجة لحاجاته ودوافعه الداخلية. كما أن كثيراً من السلوك الإرادي يتم تعلمه في ظل وجود دوافع ومكافآت معينة.
وقد أعطي عالم النفس الأمريكي سكينر B.F. Skinner إهتماماً كبيراً لهذا النوع من التشريط الذي أطلق عليه إسم التشريط الفعال أو الإجرائي. ولكن ندرك التعلم عن طريق التشريط الفعال ، نحتاج أولاً أن نميز بين أسماه سكينر بالسلوك المنفعل (أو الإستجابي ) , والسلوك الفعال 0
فالسلوك المنفعل هو إستجابة مباشرة تصدر رداً علي منبه، كما هو الحال في الإستجابات غير الشرطية بالتشريط الكلاسيكي: ومن أمثلتها سيلان اللعاب كإستجابة لتناول الطعام، وإنقباض حدقة العين، كإستجابة لوقوع ضوء عليها.
أما السلوك الفعال، فهذا يصدر عن الكائن، لا كإستجابة لمنبهات خارجية محددة، بل يصدر عنه تلقائياً، ويهدف إلى الحصول علي مكافآت ونتائج معينة من البيئة مثال ذلك ما نلاحظه من إستجابات يمكن أن يقوم بها كلب يترك في حجرة بمفرده، فقد يدور سائراً في الحجرة، وقد يشتم محتوياتها، وربما يلتقط كرة ويقذفها، وهو لا يصدر أيا من هذه الإستجابات رداً علي منبهات معينة، ولكن إستجاباته كلها تبدو تلقائية 0
إن معظم أنواع السلوك الإرادي الذي يصدر عن الكائن الحي هو سلوك فعال. فنحن إما لا نعرف المنبهات التي ترتبط به، أو ربما نجد أنفسنا مسلمين بوجودها فقط من أجل تفسير سلوكنا الملاحظ . ولنفترض أمثلة علي ذلك: فكتابة خطاب أو إدارة مؤشر الراديو، أو قراءة كتاب أو إشعال سيجارة أو الذهاب إلى المسرح كلها إستجابات قابلة للملاحظة، ولكن ما هي المنبهات التي تدفع إلى هذا السلوك أو ذاك؟ الواقع أننا لو حاولنا الإجابة علي هذا السؤال ، سنجد صعوبة بإزاء تحديد منبهات معينة تقوم وراء هذه الإستجابات ومثيلاتها. وربما كان من الأدق أن نقول أن المنبهات المحتمل وجودها أثناء صدور الإستجابة، ما هي إلا ظروف حدثت في ظلها الإستجابة، ولكنها لا ترتبط إرتباطاً مباشراً بها، لأنه في غياب هذه المنبهات في مواقف أخري يمكن أن يصدر السلوك.
( أ ) تجارب سكينر:
أجري سكينر تجاربه مستخدماً جهازاً إبتكره ، يعرف بإسم صندوق سكينر وهناك عدة أشكال من هذا الصندوق، تتناسب وحيوانات المعمل ومع الطيور. ويتكون الجهاز من صندوق معتم مانع للصوت، يحتوي من الداخل علي ذراع معدني، إذا ضغط عليه الفأر تسقط له كرة صغيرة من الطعام في طبق خاص صغير. وهذا الذراع موصل بجهاز يسجل عدد مرات الضغط علي الذراع ، ويعمل رسم بياني يوضح معدل الضغط. كذلك يحتوي الجهاز علي منظم إلكتروني بنظم تقديم المكافأة ( الطعام ) حسب برنامج خاص يسمي بجداول التدعيم. وملحق بالصندوق مصباح صغير لاضاءته من أعلاه. ويتم قياس نتائج التعلم من خلال الزيادة في معدل صدور السلوك الفعال عن الكائن الحي.
وتبدأ التجربة عادة بوضع فأر جائع في الصندوق، ويلاحظ أنه عندما يترك الفأر داخل الصندوق يتحرك داخله حركة عشوائية دون إستقرار. وأثناء حركته تضغط مخالبه بالصدفة علي الذراع المعدني البارز، ويسجل الجهاز معدل الضغط علي هذا الذراع خلال فترة زمنية مختلفة (ولتكن ساعة واحدة مثلا) قبل بداية التعلم. وهذا يحدد المعدل الأدائي لمرات الضغط علي الذراع قبل حدوث التشريط.
بعد تحديد هذا المعدل الأدائي للضغط علي الذراع قبل التشريط، يتم توصيل مخزن الطعام بالصندوق، وعندئذ يؤدي ضغط الفأر علي الذراع المعدني إلى نزول كمية صغيرة من الطعام في الطبق فيأكلها الفأر، وسرعان ما يضغط علي الذراع مرة أخري فتسقط له كرة أخري من الطعام وبذلك يتم تدعيم سلوك الضغط علي الرافعة، بحيث إنه كلما زاد الضغط، كلما إرتفع المنحني لأعلي.
ويمكن أن نقوم بفصل مخزن الطعام عن الصندوق لكي نري ما الذي يحدث إذا توقفنا عن تقديم التدعيم، وعندئذ نجد أن عدد مرات الضغط علي الذراع المعدني يأخذ في التناقص تدريجياً إلى أن تختفي، أي أنه يحدث إنطفاء نتيجة لعدم التدعيم، تماماً كما هو الحال في الإرتباط الشرطي التقليدي.
ويمكن للمجرب في هذه الحالة أن يعلم الفأر التمييز. وذلك بأن يقدم له الطعام عندما يضغط علي الذراع المعدني في حالة إضاءة الصندوق، ولا يتم تقديم الطعام له إذا ضغط علي الذراع وكان الصندوق معتماً. وهنا، يعمل الصندوق كمنبه تمييزي(1) للتحكم في الإستجابة .
من هذا النموذج التجريبي يتضح لنا معني السلوك الشرطي الفعال، إذ يكون الكائن في ظل هذا النوع من التشريط نشطاً وإيجابياً، وهذا ضروري لكي يحصل علي مكافأة، فلن يحصل عليها إذا لم يصدر عنه سلوك. ولهذا يسمي هذا النوع من التشريط بالإرتباط الشرطي الفعال. أما في حالة الإرتباط الشرطي الكلاسيكي، فإن الكائن يكون سلبياً ، ينتظر حدوث المنبه غير الشرطي لكي يصدر الإستجابة الشرطية 0
طبقاً لهذا يشير التشريط الفعال إلى زيادة إحتمال صدور الإستجابة بواسطة إتباع حدوث الإستجابة بتدعيم - وعادة ما يكون التدعيم في هذا النوع من التجارب في شكل يمكن أن يشبع دافعاً أولياً (مثل الطعام لإشباع دافع الجوع، أو الماء لإشباع دافع الظمأ). علي أنه ليس ضرورياً أن يأخذ التدعيم هذه الصورة دائماً.
(ب) قانون إكتساب الإستجابة الشرطية الأدائية:
عند إجراء تجربة تعلم الإرتباط الشرطي الأدائي، يسمح للحيوان الجائع الذي لم يمر بأي خبرة في التعلم الشرطي أن يستكشف الصندوق. وأثناء عملية الإستكشاف يصدر عن الحيوان بشكل تلقائي، سلوك الضغط علي الذراع. وقد أظهرت النتائج أن التدعيمات الأولي التي كانت تقدم في بدء التجربة بعد المحاولات الأولي لم تكن ذات فاعلية. إلا أنه بعد ذلك، أي بعد المحاولة الرابعة تقريباً، أصبح معدل الإستجابة سريعاً للغاية، ومن ثم فقد صاغ القانون التالي في الإكتساب: إذا إرتبط منبه مدعم بحدوث سلوك معين، فإن هذا من شأنه أن يدعم هذا السلوك.
وعلي هذا تبدو ضرورة التدعيم والتكرار ( أو التمرين) رإرساء معدلات عالية من الضغط علي الذراع، هذا وإن كان التكرار كشئ ، قائم بذاته لا يزيد من معدل الضغط لكن دور التكرار يتمثل في إعطاء فرصة للتدعيم أن يتكرر.
(جـ) قياس قوة الإستجابة الشرطية:
في هذا النموذج من التجارب التي تستخدم فيها الذراع المعدنية بصندوق سكينر، تستخدم بعض المحكات لقياس قوة الإرتباط الشرطي الأدائي (قوة الإستجابة الشرطية الأدائية) منها علي سبيل المثال محك معدل صدور الإستجابة الشرطية (عدد مرات الضغط علي الذراع بعد تقديم المكافأة) فكلما زاد معدل صدور الإستجابة فترة زمنية محددة، كان هذا مؤشراً علي قوة الإرتباط الشرطي الأدائي.
(د) مبدأ الدعم:
سبق لنا أن إستخدمنا مفهوم الدعم، ونحن بصدد دراسة الإرتباط الشرطي الكلاسيكي، حيث أشرنا به إلي تصاحب تقديم المنبه غير الشرطي لتقديم لامنبه الشرطي. أما في الإرتباط الشرطي الفعال. فالدعم يشير إلى وقوع حدث ن قبيل تقديم الطعام أو الشراب تالياً لصدور الإستجابة المرغوبة. بعبارة أخري يؤدي الدعم في التشريط الكلاسيكي إلى إستثارة الإستجابة، في حين أن الدعم في التشريط الفعال يتبع صدور الإستجابة. وعلي الرغم من إختلاف الدعم في الحالتين، فإن النتيجة المترتبة علي كل منهما تتمثل في زيادة معدل صدور الإستجابة المرغوبة. بالتالي يمكننا أن نعرف الدعم علي أنه: أي حدث(1) يمكن أن يعمل علي زيادة إحتمال صدور الإستجابة.
(هـ) الدعم المتقطع ( الجزئي) في مقابل الدعم المستمر:
لاحظنا أن في التشريط الكلاسيكي يتم تقديم المنبه غير الشرطي عقب المنبه الشرطي ويظل يقوم المنبه الأول خلال فترة الإكتساب. ومن ثم فإنه يمكن القول بأن الدعم في هذه الحالة هو دعم مستمر. إلا أن سكينر يشير إلى أنه في مواقف الحياة اليومية العادية ليس من شأنه أن يتيح للكائن أياً كان نوعه أن يتلقي دعماً مستمراً. فالمتسابقون المحترفون رغم أنهم لا يحققون النظر في كل مرة يدخلون فيها السابقون، وربما يندر حدوث هذا النجاح، فإنهم يظلون لسنوات طويلة يستجيبون لإغراء هذه السباقات ( الحصول علي جائزة أو ربح). والعامل يحصل علي علاته في فترات دورية. وسيدة المنتزل لا تتوقع المديح لكل جهد تبذله. كما أن العالم أو الفنان قد يستغرق في عمله سنوات طوالا ليأتيه الإعتراف بين الحين والحين، ومع هذا فالجميع مستمرون في أداءاتهم.
وعلي هذا فالدعم المتقطع يعني تقديم المدعمات عقب صدور مجموعة من الإستجابات المتتالية أو عقب مرور فترات زمنية محددة. وقد أولي سكينر والمشغلون معه الدعم المتقطع عناية خاصة وإهتموا بدراسة كفاءة أنواعه المختلفة. فقد أوضحت تجارب الدعم أن الدعم المتقطع يعطي نتائج أفضل مما يعطيه الدعم المستمر. حيث يؤدي الأول إلى زيادة في معدل صدور الإستجابات الفعالة، أكبر مما يؤدي إليه الدعم المستمر.
وقد ميز سكينر بين أربعة أنواع من جداول الدعم المتقطع نذكرها فيما يلي:
1- جدول النسبةالثابتة : حيث يتم تقديم الدعم عقب نسبة معينة من الإستجابة فيدعم مثلاً كل ثالث إستجابة بشكل منتظم وثابت.
2- جدول الفترة الثابتة: وبمقتضاه يقدم الدعم عقب فترات زمنية ثابتة ومنتظمة حيث يتم تدعيم الإستجابة التي تصدر بعد مرور ثلاث دقائق مثلا بشكل منتظم أما الإستجابات التي تصدر قبل ذلك فلا تدعم.
3- جدول النسبة المتغير : وهنا يقدم الدعم بعد عدد معين من الإستجابات غير المدعمة وهذا العدد غير ثابت، بل يتغير حول متوسط معين: حيث يختلف عدد الإستجابات التي تحدث بين مرات الدعم من مرة لأخري. فإذا كان المتوسط المحدد لصدور الإستجابات هو "5" فإننا نقدم الدعم مرة بعد إستجابتين ومرة بعد أربع إستجابات، ومرة بعد سبع إستجابات، ومرة بعد 6 إستجابات ومرة بعد 3 إستجابات بحيث يكون متوسطها هو " 5 ".
4- جدول الفترة المتغيرة: وفي هذا الجدول يتم تقديم الدعم بعد فترة زمنية محددة تختلف في كل مرة من مرات تقديم الدعم. ولكن طول هذه الفترات يدور حول متوسط محدد.
وقد بينت التجارب التي أجريت علي جداول الدعم أن جداول النسبة تعطي معدلات إستجابة أكبر مما تعطيه جداول الفترة الزمنية. كذلك إتضح أن الجداول المتقطعة أفضل من الجداول المستمرة. وقد دلت النتائج أيضاً علي جداول النسبة المتغيرة تعطي أفضل النتائج 0
(ز) الدعم الإيجابي والدعم السلبي :
الدعم الإيجابي هو إعطاء الكائن مكافأة كلما صدر عنه السلوك المرغوب كأن يقدم له الطعام أو أن يحصل علي مدح أو تشجيع عقب صدور السلوك المرغوب. أما الدعم السلبي فهو عبارة عن إيقاف المنبهات المؤلمة وإستبعادها، بحيث يمثل الكائن إلى إصدار السلوك الذي يعقبه توقف المنبه المؤلم. فمثلاً إذا وصلنا أرضية الصندوق الذي بداخله الفأر بتيار كهربائي ليعطي صدمات خفيفة، فإن أي سلوك يصدر عن الحيوان، ويتبعه توقف الصدمات يميل لأن يتكرر فيما بعد . وعلي هذا فإن تدعيم الإستجابات يمكن أن يتحقق إما بتقديم الدعم الإيجابي، أو بواسطة التدعيم السلبي أي بإزالة المنبهات المؤلمة.
وهنا ينبغي أن نذكر أن أثر الدعم علي التعلم يختلف عن أثر العقاب , فقد دلت نتائج التجارب التي أجريت في هذا الصدد علي أن العقاب عادة ما يكون أقل تأثيراً من المكافأة لأنه يؤدي إلى كبت مؤقت للإستجابة غير المرغوبة، ولا يؤثر إلى إضعافها، بل أنه بمجرد أن يتوقف العقاب، سرعان ما تعاود الإستجابة المعاقبة للظهور بكل قوتها.
كما بينت النتائج أيضاً أن الإستجابة المعاقبة يمكن أن تعود للظهور فيما بعد لو أن الدوافع وراءها إرتفع بدرجة تكفي للتغلب علي الخصائص المنفرة للعقاب. أضف إلى هذا أن العقاب الشديد للإستجابة ذات الدافع القوي يمكن أن تولد صراعاً ينعكس في سلوك غير تكيفي.
وربما تكمن الميزة الوحيدة للعقاب في أنه يجبر الكائن علي أن يختار إستجابة بديلة، إذا ما كوفئت تميل إلى التكرار. ومع هذا فإن النتائج كلها تميل إلى إدانة العقاب، لأن السلوك البديل الذي يمكن أن يترتب عليه غير قابل للتنبؤ به، كما هو الحال بالنسبة لما يترتب علي المكافأة من سلوك.
(ح) بعض المتغيرات التي تؤثر في التدعيم:
إهتم بعض السيكولوجيين بدراسة تأثير عدد من متغيرات التدعيم علي مسار التعلم. وقد تبين أن حجم التدعيم ( كما يتمثل في عدد مرات المكافأة) له أهمية خاصة في التعلم. حيث تزداد سرعة التعلم كلما زاد عدد مرات التدعيم، وذلك في حدود معينة. كذلك بينت نتائج التجارب في هذا الصدد. أن تأجيل التدعيم من شأنه أن يضعف من الإستجابة المتعلمة. ومن الأفضل للقائمين بتعليم الأطفال أو تدريب الحيوانات أن تتم إجراءات المكافأة والعقاب عقب صدور الإستجابة مباشرة.
كذلك دلت النتائج التجريبية علي وجود إرتباط بين عدد ساعات الحرمان ومعدل التشريط. بمعني آخر يزداد معدل الإستجابة الشرطية مع إزدياد فترة الحرمان. وجدير بالذكر أن عدد ساعات الحرمان من الطعام ينظر إليه أنه صورة من صور الحافز التي تؤثر في معدل التعلم.
(ط) تشكيل السلوك :
لاحظنا في التشريط الكلاسيكي من قبل أن المنبه الشرطي (الضوء في تجربة بافلوف) يصبح بديلاً للمنبه غير الشرطي (مسحوق اللحم) وهذه العملية لا تسمح بالجدة بأن تدخل علي السلوك، بمعني أن يشتمل التعلم علي إستجابات جديدة تماماً. أما في التشريط الفعال فهو عكس ذلك من حيث كونه يؤدي دوراً هاماً في نمو السلوك الجديد.
إن المجرب يمكنه أن يستخرج سلوكاً جديداً من خلال الإستفادة من التنوعات العشوائية في أداءات المفحوصين والتي يقودها في الإتجاه المرغوب.
علي سبيل المثال ، لو أننا بصدد تعليم أحد الكلاب أن يضغط علي جرس بأنفه فإنه يمكن للمجرب أن يقوم بتقديم الطعام للكلب كمدعم في كل محاولة يقترب فيها الكلب أكثر من منطقة الجرس، وحتي يصل في النهاية للمس الجرس بأنفه. ويعرف هذا الأسلوب في تدعيم الإستجابات التي يحددها فقط المجرب وإطفاء ما عداها بتشكيل سلوك الحيوان.
وقد توصل سكينر إلى هذا الأسلوب من خلال تجاربه، وهو بصدد التشريط الفعال علي الحيوانات حيث تبين له أنه بالإمكان إستخدام هذا الأسلوب في تدريب الحيوانات للقيام بأنواع من السلوك المعقد الذي لم تكن تستطيع القيام به من قبل. وقد بين سكينر أنه يمكن تحقيق هذا التعلم من خلال ما أسماه بمحاولات التقريب المتتالية حيث يتم تدعيم أية إستجابات تصدر عن الحيوان وتقترب في شكلها من الإستجابة المرغوبة، وبالتدريج يمكن أن يصل الحيوان إلى تعلم الإستجابة المرغوبة.
ومن أمثلة السلوك المعقد الذي يمكن تعليمه للحيوان، بواسطة أسلوب تشكيل السلوك: قيام الحيوان بسلسلة معقدة من الحركات، تبدأ بالضغط علي ذراع داخل صندوق ، فتسقط بلية صغيرة يحملها الفأر ويجري بها للطرف الآخر من الصندوق ، ويسقطها في حفرة، ثم يجري بعد ذلك إلى مكان ثالث ليحصل منه علي الطعام.
ولا شك أنه لا يمكن تعليم هذا السلوك المعقد للحيوان دفعة واحدة، بل يمكن تعليمه إياه تدريجياً من خلال عمليات التقريب المتتالية. إذ تبدأ التجربة بحرمان الفأر من الطعام، ثم يبدأ في تدريب الفأر علي تناول الطعام من مخزن خاص خلال عدد من المرات يتم فيها تقديم نغمة صوتية معينة يعقبها تسليمه الطعام من المخزن في طبق معد لذلك. بعد أن يتم تعليم الفأر الربط بين النغمة الصوتية والحصول علي الطعام من المكان المخصص لذلك، يبدأ تشكيل السلوك، فتعطي النغمة الصوتية، ولا يعطي الفأر الطعام إلا بعد أن يلمس الذراع المعدني، ويتم هذا في البداية بعد عدد كبير من المحاولات العشوائية التي تصدر عن الفأر. وبعد أن يتعلم الفأر الضغط بإنتظام علي الذراع ثم يلمس بلية صغيرة، ثم يلي تعلم ذلك تقديم الطعام فقط في المحاولات التي يمر فيها الفأر بالإستجابات المتتالية، ثم يلتقط البلية، ثم تضاف حركة أخري جديدة بعد ذلك لسلسة الحركات المدعمة وهو الجري نحو الثقب ووضعها فيه، وعندئذ يكتمل التدريب.
(ي) تطبيقات الإرتباط الشرطي الفعال علي الإنسان:
أجريت تجربة علي مجموعة من طلاب إحدي الجامعات، ولم يكن الطلاب يعلمون أن هناك تجربة تجري عليهم. حيث أقام المجرب نوعاً من الحوار أو المناقشة التي تبدو حرة مع هؤلاء الطلاب. بينما كان المجرب في الحقيقة يسلك أثناء هذا الحوار طبقاً لخطة معينة، حيث عمد المجرب إلى تدعيم الجمل والعبارات التي تصدر عن الطلاب وتأخذ صورة الرأي الشخصي، كأن يدعم فقط العبارات التي تبدأ مثلاً بكلمات "إني أعتقد" ، "إنه يبدو لي" وما شابه ذلك. وكان تدعيم المجرب يتمثل في الرد علي مثل هذه العبارات بتعليق مثل "إنك علي صواب" ، " أنا أتفق معك في هذا" ، "هو كذلك". وفي جزء آخر من التجربة، إتبع المجرب أسلوب الإطفاء للأراء الشخصية بدلاً من التدعيم وذلك عن طريق اللاتدعيم أو عدم التعليق بعد إبداء الطالب لرأيه الشخصي.
وقد لوحظ أن عبارات الرأي الشخصي إزدادت زيادة ملحوظة أثناء الفترة التي كان يعطي فيها تدعيماً لفظياً بينما تناقضت هذه العبارات في مرحلة الإطفاء.
هذا نموذج بسيط لتطبيق أسلوب الإرتباط الشرطي الفعال في تشكيل سلوك الأفراد. فقد إستخدم العلماء السلوكيون مبادئ الإرتباط الشرطي الفعال كأساس لتعديل سلوك الأفراد في مجالات تطبيقية متنوعة. ففي مجال العلاج السلوكي تستخدم مبادئ الإرتباط الشرطي وجداول التدعيم ومفاهيم التعميم والتمييز والإنفطاء في تعديل سلوك المرضي وإستبداله بسلوك توافقي وقد أدت هذه التطبيقات إلى نتائج جيدة في تعديل سلوك هؤلاء المرضي.
كما تستخدم أيضاً مبادئ الإرتباط الشرطي الفعال في تشكيل سلوك المتخلفين وتنمية قدراتهم في الإعتماد علي النفس. ومن أبرز الوسائل المستخدمة في ذلك أسلوب التقريب المتتالي حيث يتم بواسطته تعليم المتخلفين عقلياً القيام بأعمال معقدة لم يتسن لهم القيام بها من قبل.
وفي مجال تكنولوجيا التعليم، أمكن للباحثين أن يستفيدوا من مبادئ الإرتباط الشرطي الفعال في إدخال نظام التعليم المبرمج وإستخدام ما أسماه سكينر بآلات التعليم حيث يجلس الطالب أمام آلة تقدم له المعلومات المراد تعلمها ثم تختبر مدي تعلمه لها، وتقدم له التشجيع المناسب عندما يجيب إجابة صحيحة. وتتصل هذه الآلات بحاسبات الكترونية تنظم تقديم المعلومات ، وتصنيف إستجابات الطالب وتسجيلها، وتنظيم تقديم المكافأة للطالب عند الإجابة الصحيحة.
وفي مجال الصناعة يتم تطبيق مبادئ التشريط الفعال في إعطاء الحوافز والعقوبات للعمال بحيث يؤدي ذلك إلى رفع كفاءة العاملين، وزيادة الإنتاج وتحسينه.
2- المنحي المعرفي:
يري فريق من علماء النفس أن التعلم لدي الإنسان لا يمكن تفسيره علي نحو مرض في ضوء الإرتباطات الشرطية. فهم يؤمنون بأن المتعلم يتكون لديه ما يسمي بالبناء المعرفي في الذاكرة، تنتظم فيه المعلومات الخاصة بالأحداث المتنوعة التي تحدث في موقف التعلم، ويحتفظ بها بداخله. فعندما يعقد إختبار للمتعلم لتحديد ما تعلمه، فإنه يتناول المنبهات (أسئلة الإختبار ) ويقوم بإستعراضها في نطاق الذاكرة لكي يعطي الإستجابة الملائمة. وما يقوم به هذا المتعلم إذن يعتمد علي البناء المعرفي الذي يسترجعه من الذاكرة، والسياق الذي يتم فيه الإختبار بالتالي فإن الإستجابة التي يصدرها المفحوص تختلف بإختلاف طبيعة موقف الإختبار، وذاكرته للأحداث السابقة. ويعتقد المنظرون المعرفيون أن هذا التفسير ينطبق أيضاً علي التشريط الكلاسيكي علي الحيوانات. إذ يفترض أن الحيوان يختزن في ذاكرته الأحداث التي وقعت في التجربة، وعند إختباره، يتم إسترجاع هذا البناء المعرفي، وتتحدد إستجابة الحيوان بواسطة المعلومات التي تم إخترانها.
ويزعم المعرفيون أن الحيوان في هذه التجارب لا يتعلم أن يفرز اللعاب بطريقة آلية للمنبه الشرطي وإنما هو يتعلم كيف "يتوقع" الطعام، وأن هذا التوقع هو الذي يسبب إفراز اللعاب لدي الحيوان. من هنا كان إهتمام كثير من السيكولوجيين بالتعلم المعرفي، أي بالتعلم الذي يصحبه إستثارة الفهم والإستبصار، وتكوين تصورات ذهنية عن الموضوعات المتعلمة. وأبرز هؤلاء العلماء هم علماء الجشطلت Gestalt .
أ) التعلم بالإستبصار:
كان إهتمام علماء مدرسة الجشطلت بالعمليات المعرفية في البداية يتركز حول دراسة مشكلات الإدراك حيث إستطاعوا أن يتوصلوا إلى صياغة مجموعة من القوانين الخاصة بالتنظيم الإدراكي. وعندما إتجهوا للإهتمام بدراسة التعلم , قاموا بتطبيق نفس قوانين الإدارك في تفسير التعلم. فهم يرون أن التعلم يقوم أساساً علي إدراك وفهم العلاقات الرئيسية فيه.
وكان الإستبصار هو أبرز مفاهيمهم في تفسير التعلم، بل كان يمثل أهم إسهاماتهم النظرية في مجال التعلم.
والإستبصار يعني ببساطة إدراك العلاقات الرئيسية التي يتوقف عليها حل مشكلة ما أو هو إدراك العناصر المشكلة، مترابطة في صيغة واحدة تربطها مع الحل إذ أن هناك نمطاً من المشكلات التي يتعرض لها الكائن في مواقف التعلم، هذا النمط تتميز طرق الوصول إلى حل له بملامح يستشعرها الكائن وهو بإزاء القيام بالحل. حيث يشعر أن التعلم أثناء هذه المواقف إنما يتم بصورة تبدو مفاجئة، ويصحب ذلك شعور المرء بأنه أصبح يفهم بالفعل ما لم يكن يفهمه من قبل وهو يتضمن إستبصاراً أي أن الكائن يري الموقف الكلي بطريقة جديدة تتضمن فهم العلاقات المنطقية ، وإدراك العلاقات بين الوسائل والغايات. هذا النمط من التعلم يتصف بأنه أكثر مقاومة للنسيان، وأنه يقبل بسهولة النقل إلى المواقف الجديدة.
ب) تجارب الإستبصار:
أجري العالم الألماني Cohler عدداً من التجارب في موضوع الإستبصار، والتي أصبحت فيما بعد من أشهر تجارب التعلم. إستخدم Cohler في هذه التجارب قردة الشمبانزي. حيث كان يقدم لها مشكلات معينة في الوقت الذي كان يعرض فيه عليها بعض ثمار الموز ولكن في مكان بعيد عن متناولها. ولا يمكن الحصول علي هذه الثمار إلا إذا إتبعت أساليب جديدة لم تمر من قبل في خبرتها.
وفي إحدي هذه التجارب تم وضع كمية من الموز خارج القفص بحيث تكون بعيدة عن متناول القرد، ولا يستطيع القرد أن يصل إلى الموز بإستخدام عصا قصيرة كانت توجد داخل القفص. ولكن كان يوجد خارج القفص عصا أخري أطول، لا يستطيع القرد أن يمسكها بيدة، ولكن ، يمكنه جذبها بإستخدام العصا الأخري الصغيرة. وقد وضعت العصا الكبيرة في نفس إتجاه الموز، وبحيث تكون موازية لجدار القفص. وبعد أن فشلت محاولات القرد في الحصول علي الموز باليد أو بإستخدام العصا الصغيرة، لوحظ أنه يمر بفترة توقف عن المحاولة كان ينظر أثناءها إلى المجال المحيط به داخل القفص وخارجه، وفجأة أمسك بالعصا الصغيرة مرة أخري وإستخدمها في جذب العصا الكبيرة نحوه، وعندئذ تناول العصا الكبيرة في الحال وإستخدمها في الحصول علي الفاكهة. هنا نتبين أنه منذ أن بدأ الشمبانزي في إدراك العلاقة بين العصا الكبيرة وبين الفاكهة، إستطاع أن يوجهه سلوكه مباشرة نحو حل المشكلة.
وفي تجربة أخري، وضع مع الشمبانزي عصوان بداخل القفص إحداهما رفيعة والأخري سميكة، وكانت توجد في خارج القفص علي مرأي من الشمبانزي ثمار الموز، وقد حاول الشمبانزي الوصول إلى الموز بإستخدام كل من العصوين علي حدة، ولكن لم يكن طول كل منهما يسمح له بالوصول للهدف. وبعد فترة طويلة من المحاولات التي تخللتها فترات إنتظار ويأس ولعب بالعصوين علي غير هدي، أمسك الشمبانزي العصوين بيديه في وضع معين بحيث كان طرف العصا الرفيعة يقابل فجوة في طرف العصا السميكة ثم نظر الشمبانزي إلى كل من العصوين ، ونظر إلى ثمرة الموز، ثم وضع طرف العصا الرفيعة في فجوة العصا السميكة وكون عصا أكبر قام بإستخدامها في الحال في الحصول علي الموز.
يتضح من هاتين التجربتين أن الإستبصار يعتمد علي كيفية ترتيب عناصر المشكلة، بما يسهل إعادة التنظيم الإدراكي. فالكائن يصل إلى الإستبصار عندما ينظم كل العناصر الموجودة في المواقف ويدركها علي أنها مترابطة مع بعضها البعض.
وقد وجد أن هذه المشكلات لم تحل بشكل فجائي فقط، بل أيضاً حلت غالباً بعد فترة من الوقت، يكن فيها الشمبانزي منهمكاً أثناءها بمحاولة الوصول للموز، وكان يبدو أحياناً كما لو كان الحيوان يعيد إدراك نظام العلاقات بين عناصر المشكلة، عندما فشل في الحصول علي الموز بالطرق المألوفة حيث جلس وفكر في المشكلة وفجأة رأي الحل.
هذه الملاحظات تتفق مع مصطلحات إعادة التنظيم الإدراكي. فلقد أصبح الحل ممكناً عندما رأت الشمبانزي العصا لا كأدوات للعب. بل كوسائل تعاونها في الوصول إلى الحل وفي التسلق للوصول إلى الموز. وفي الوقت الذي لم تكن الشمبانزي تقوم فيه بنشاط كبير، كانت تمر بعملية إعادة بناء إدراكي، عندما إكتملت تمكنت من الحل الفوري.
والواقع أن نوع المشكلة وطريقة تقديمها يساعد علي حدوث الإستبصار، فالمشكلات التي كان يقدمها Cohler الشمبانزي هي من النوع الذي يمكن الكائن أن يري كل عناصره اللازمة للحل مرة واحدة.
والواقع أن Cohler إستخدم نفس القوانين الخاصة بإدراك الصيغ الكلية ( الجشطلت) في تفسير حدوث الإستبصار، ولذلك فإن قوانين التشابه والقرب والإغلاق في الإدراك تفسر أيضاً كيفية حدوث الإستبصار.
3- منحي التعلم الإجتماعي :
تعرضت فكرة تعديل السلوك أو تشكيله بواسطة التشريط الأدائي التي قدمها سكينر 0 لخلاف بين وجهتين من النظر. وجهة نظر يمثلها إتجاه سكينر وأتباعه، وأخري يمثلها أصحاب نظرية التعلم الإجتماعي. والخلاف بين الوجهتين ينحصر في تفسير كل منهما "للتعرف المعرفي والعمليات المعرفية ودورها في تعديل السلوك إذ يميل أتباع سكينر إلى تبني وجهة النظر التي لا تتعدي حدود المظاهر الخارجية للإستجابة والوجهة التي تتجه إليها عند التعديل أو التشكيل.. أي تقف أمام التوجه الخارجي للإستجابة، ولا تعني بما تثيره من عمليات (تمثل… توقع… رمز…إلخ). من ناحية أخري فإن أصحاب نظرية التعلم الإجتماعي لا ينكرون التعلم المباشر القائم علي الربط بين منبه وإستجابة ولكنهم يعطون إهتماماً أكبر للأحداث الوسيطة , أي يعبروا إهتماماً أكبر لكيف يحول الشخص المتعلم (من خلال عمليات التمثل الداخلي للأحداث) المنبه المعين إلى سلسلة من الرموز أو الصور فلا تصبح بذلك مجرد إستجابات لفظية.
والنقطة الأساسية في هذا الخلاف إنما تتحدد في كون موضوع الإهتمام هو السلوك المتعلم القابل لملاحظة أم أن السلوك المتعلم ما هو إلا دليل (أو شاهد) علي فعالية العمليات المعرفية (العقلية) والتي لا بد أن تعتبر الموضوع الحقيقي لعلم النفس.
وعلي هذا فإن نظرية التعلم الإجتماعي تري أن تعديل السلوك لا يقوم علي مجرد فكرة إرتباط المنبهات بالإستجابة، وإنما هو يتم أيضاً نتيجة لنشاط العمليات المعرفية كالإدراك والتوقع والتمثل والرمز وغيرها… حيث ينعكس هذا النشاط في صورة الإستجابة المعدلة.
وطبقاً لهذا ، فإن نظرية التعلم الإجتماعي تعتقد أن قدراً كبيراً من التعلم يتم بالعبرة 0 أي من خلال مجرد رؤية آخر يفعل وثياب أو يعاقب. بعبارة أخري من خلال مشاهدة شخص آخر يؤدي الإستجابات الماهرة، أو بمجرد أن يقرأ عنها أو يري صوراً لها… وهو يتعلمها حين يبدأ في محاولة تقليد هذه الإستجابة الماهرة التي شاهدها من خلال الشخص النموذج أو القدرة بهذه الطريقة يمكن للمشاهد أن يتعلم، ثم بمضي الوقت يمكن أن يؤدي إستجابات جديدة (لها نفس الطابع) لم يسبق له مشاهدتها وبالتالي لم يحدث لها أي تدعيم بما أنها لم تحدث أمامه من قبل.
ومن الواضح أن عدداً كبيراً من المهارات الإنسانية (كنطق كلمات أجنبية مثلاً)لا يمكن إكتسابها أو تعلمها بدون هذا التعلم الشهودي (أو التعلم بالمشاهدة).. ونفس الشئ بالنسبة لمهارات أخري معقدة مثل قيادة السيارات والتي يحتاج تعلمها إلى جهد ومخاطرات والتي يتم تعلمها بواسطة التقريب المتتابع المدعم… مثل هذه المهارات يكون المران عليها أكفأ لو تم بواسطة مؤدي قدوة 0 وبمشاهدة المواقف.. وتمثل هذه المواقف معرفيا (أي إدراكها وتمثلها، وتقييمها ، والإقتناع بها.. إلخ).
أبرز ما تقول به نظرية التعلم الإجتماعي إذن هو ما يعرف الآن بإسم التعلم الشهودي بوصفه إحدي الوسائل الأساسية التي يكتسب من خلال نماذج أو طرز معينة من السلوك وإيجاد أنماط معدلة منها، والتي تستلزم عمليات مثل الإقتداء والعبرة ( أي الإعتبار بالمشاهدة).
والواقع أن البحوث التي أجريت في إطار نظرية التعلم الإجتماعي توضح فعلاً أن كل ظواهر التعلم التي تنتج عن الخبرات المباشر يمكن أن تحدث علي أساس من العبرة أي من خلال مشاهدة سلوك شخص، وما يترتب علي هذا السلوك… وعلي هذا يمكن لأي شخص مثلاً ان يكسب أنماط الإستجابة المعقدة أو صعبة الحل، بمجرد مشاهدة صور أدائها من نماذج أو أشخاص تمثل قدوة تحتذي.
كذلك فإن الإستجابات الوجدانية يمكن أن يجري لها تشريط عن طريق مشاهدة ردود الفعل التي بيديها الآخرون للخبرات المؤلمة أو السارة. فسلوك كالخوف أو التهيب مثلاً يمكن أن يخمد بالعبرة وذلك من خلال مشاهدة سلوك يقتدي به تجاه أشياء مثيرة للخوف… دون حدوث أي نتائج (مؤلمة أو مخيفة) تترتب علي ذلك لدي المؤدي (أو القدرةِ).
كذلك فإن أشكال الكف يمكن أن تتعلم بمشاهدة السلوك المعاقب لأشخاص آخرين. المهم أن ظواهر الإعتبار أو العبرة تصنف عموماً تحت مجموعة متنوعة من المصطلحات من بينها ما يأتي:
1- الإقتداء.
2- التقل 0
3- التقم((تبني أنماط سلوكية معينة).
4- التعلم الشهودي.
5- التيسير الإجتماعي 0
6- النسخ (أو النسج علي غرار )0
7- التعلم بالعبرة.
8- لعب الدور 0
9- العدوى (إنتقال أشكال السلوك من شخص لآخر).
والأجزاء التالية تركز علي التعلم الشهودي ومعناه في نظرية التعلم الإجتماعي.
التعلم الشهودي :
كشفت سلسلة من الكتب والدراسات المنشورة عن مدي شيوع "التعلم الشهودي "- وهو التعلم من خلال المشاهدة في كل ظواهر التعلم، كما أكدت علي خصائصه الفريدة التي لا توجد في الصيغ المألوفة عن تشكيل السلوك والتشريط الأدائي. وقد أجريت دراسات عديدة مبتكرة علي الأطفال ألقت الضوء علي المتغيرات المؤثرة في هذا التعلم الشهودي. ومن النماذج التجريبية التي تجري للكشف عن هذه المتغيرات، تجربة يستخدم فيها طفل في سن الحضانة (كمبحوث) يجلس ويشاهد شخصاً ما (هو النموذج القدوة) يؤدي سلسلة سلوكية معينة. ثم يتم بعد ذلك إختبار الطفل تحت شروط خاصة مضبوطة لكي يتم تحديد إلى أي مدي أصبح سلوكه الآن يحاكي سلوك الشخص القدوة الذي شاهده. يلي ذلك مقارنة ما يفعله هذا الطفل بما يفعله أطفال آخرين (يمثلون مجموعة ضابطة) يتم إختبارهم دون جعلهم يشاهدون أداء الشخص القدوة، وإنما يزودون بمعلومات عن السلوك بأي إجراء آخر غير المشاهدة.
ومن أهم المتغيرات المؤثرة في مواقف التعلم الشهودي (التي تكشف عنها مثل هذه الدراسات كمتغيرات مؤثرة بدرجات مختلفة ) ما يأتي:
( أ ) خصائص القدوة:
1- خصائص ذات تأثير علي المتعلم وموجودة في الشخص القدوة مثل السن – النوع (ذكر/ أنثي)- المركز أو المكانة. مثل هذه المتغيرات يختلف تأثيرها النسبي بإختلاف الشخص المتعلم.. فكلما كان الشخص القدوة من ذوي المكانة المرتفعة بالنسبة للمتعلم، كلما كان تقليده له أكبر.
2- مشابهة القدوة للمتعلم: فقد يكون القدوة طفلاً آخر من نفس الفصل أو طفلاً في فيلم سينمائي.. شخصية حيوان في فيلم كرتون. وفي هذا كشفت الدراسات عن أن المحاكاة تقل كلما بعد النموذج ( أو القدرة) عن أن يكون شخصاً حقيقياً.. أي تقل المحاكاة كلما بعدت المشابهة عن صفات الأشخاص الحقيقيين.
(ب) نوع السلوك المقتدي به (أي المؤدي بواسطة القدوة):
وفي هذا كشفت الدراسات عما يأتي:
1- أنه كلما إزداد تعقد المهارة المطلوب تعلمها، كلما قلت درجة تقليدها. أي أن المهارات الأكثر تعقداً تقلد بدرجة أقل، إذا لم يتيسر للمتعلم المشاهدة الكفاية بالعدد المناسب من المرات.
2- أن الإستجابات العدوانية ( أو السلوك العدائي) تقلد بدرجة عالية (أفلام الكاراتيه والمغامرات مثلاً).
3- أن المتعلم بتبني المعايير الأخلاقية (القيم الخاصة) التي يتاح له مشاهدتها من خلال القدوة، كذلك يمكنه ضبط النفس بواسطتها بأساليب متشابهة للقدوة.
(جـ) النتائج المترتبة علي السلوك القدوة:
تختلف درجة التقليد بإختلاف النتيجة المترتبة علي السلوك، أي تختلف وفقاً لكون السلوك كوفئ (تم تعزيزه) أو عوقب (يعاقب أو ينفر منه).. أو يلقي التجاهل (أي لا يدعم ولا يعاقب) وهنا نجد أن انواع السلوك الصادرة عن الشخص القدوة، وأثيبت أو كفئت تكون قابلة أكثر من غيرها لأن تكون موضوع المحاكاة أو التقليد.
( د ) التعليمات المقدمة للمتعلم قبل أن يشاهد القدوة:
فقد تكون هذه التعليمات متضمنة دافعية عالية أو منخفضة، فتؤثرعلي إنتباه المفحوص للسلوك القدوة. وقد لوحظ في هذا ما يأتي:
1- أن الدافعية العالية يمكن أن تثار عن طريق أخبار المتعلم بأنه سوف يكافأ بمقدار يتناسب مع المقدار الذي يستطيع أن يبديه من سلوك القدوة.
2- أن التعليمات المثيرة للدافعية بمقدار قليل، لا ينتج عنها إلا نوعاً من التعلم يندرج تحت ما نسميه التعلم المؤقت أو التعلم " العرضي أو الطارئ".
3- أن التعليمات المثيرة للدافعية بقدر كبير يمكن أن تقدم للمتعلم بعد أن يؤدي القدوة وقبل إختبار المتعلم، مثل هذا الأجراء يساعد المتعلم علي أن يلحظ الفرق (أو يميز) بين أدائه وأداء القدوة للسلوك.
¬هذا الحصر للمتغيرات في موقف التعلم الشهودي ليس شاملاً بالضرورة ، والمقصود به فقط أن يوضح مدي الإحتمالات القائمة في الموقف.. والمدي العريض من أشكال السلوك يمكن أن يعلم أو يغير تحت هذه الشروط عن طريق القدوة، ومن خلال إندماج ودقة تقمص المتعلم.

.................................................. ..................




الفصل الثالث
مقدمــــة:
يعد موضوع الدافعية من أكثر موضوعات علم النفس أهمية ودلالة سواء علي المستوي النظري أو التطبيقي. فمن الصعب التصدي للعديد من المشكلات السيكولوجية دون الإهتمام بدوافع الكائن الحي التي تقوم بالدور الأساسي في تحديد سلوكه: كما وكيفاً.
ويرتكز تراث علم النفس التجريبي الخاص بعمليات التعلم والتذكر والعمليات الإدراكية ومعظم جوانب سلوك الإنسان أو الحيوان علي أساس فروض تتصل بمبادئ الدافعية في علم النفس بسيط للغاية، وهو أنها تساعد في الوقوف علي أفضل فهم وتفسير لسلوك الكائن الحي حتي يمكن للتنبؤ به وضبطه في المستقبل 0
فدراسة دوافع السلوك تزيد فهم الإنسان لنفسه ولغيره من الأشخاص،وذلك لأن معرفتنا بأنفسنا تزداد كثيراً إذا عرفنا الدوافع المختلفة التي تحركنا أو تدفعنا إلى القيام بأنواع السلوك المتعددة في سائر المواقف والظروف. كما أن معرفتنا بالدوافع التي تدفع الآخرين إلى القيام بسلوكهم تجعلنا قادرين علي فهم سلوكهم وتفسيره.
وتساعدنا دراسة الدوافع – كذلك – علي التنبؤ بالسلوك الإنساني في المستقبل. فإذا عرفنا دوافع شخص ما، فإننا نستطيع أن نتنبأ بسلوكه في ظروف معينة. كما نستطيع أن نستخدم معرفتنا بدوافع الأشخاص في ضبط وتوجيه سلوكهم إلى وجهات معينة، بأن نهيئ بعض المواقف الخاصة التي من شأنها أن تثير فيهم دوافع معينة تحفزهم إلى القيام بالأعمال التي نريد منهم أداءها، ونمنعهم من القيام ببعض الأعمال الأخري التي لا نريد منهم أداءها. لذلك تظهر أهمية دراسة الدوافع في مختلف الميادين العلمية التطبيقية كميدان التربية والصناعة والعلاج النفسي وغيرها 0
وقد بدأ الإهتمام بموضوع الدافعية منذ أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الحالي إلا أن هذه البداية شهدت معالجات سطحية قامت علي أساس مفاهيم ومناهج بحث تختلف عن تلك التي تستخدم اليوم. ومع ذلك كان هناك إهتمام ببعض المشكلات التي نطلق عليها اليوم "مشكلات دافعية" 0
وتعد بداية النصف الثاني من القرن العشرين نقطة الإنطلاق الحقيقية في دراسة هذا الموضوع سواء من حيث صياغة المفاهيم بدقة وتناولها إجرائياً، أو مناهج البحث وأساليب القياس. وخلال هذا التطور التاريخي والعلمي لمفهوم الدافعية، أثيرت عشرات الأسئلة التي حسمت الإجابة عن بعضها وما زال البعض الآخر في حاجة إلى مزيد من التحدد والإستقرار. ومن أهم هذه الأسئلة ما يلي:
1- ما المقصود بمفهوم الدافعية؟ وما أهم خصائصه وأبعاده ؟ وما طبيعة علاقته بالسلوك؟ وما الفرق بينه وبين غيره من المفاهيم السيكولوجية الأخري وثيقة الصلة به؟
2- ما أهم فئات الدوافع؟ وهل هي بيولوجية المنشأ أم إجتماعية؟ وأي الفئتين أكثر تأثيراً في حياة الكائنات الحية، وخاصة الإنسان؟
3- هل يمكن ترتيب الدوافع من حيث أهميتها؟ وهل يمكن أن تتصارع وما النتائج التي تترتب علي ذلك؟ وهل يمكن أن تتغير أو تتبدل؟
4- ماذا يحدث بعد إشباعها؟ وما أطول فترة زمنية يمكن أن يؤجل فيها إشباع كل دافع من الدوافع، وماذا يترتب علي عدم إشباعها؟
5-كيف يمكن قياس الدافعية قياساً موضوعياً دقيقاً؟
6-ما طبيعة العلاقة بين أنواع الدوافع المختلفة وكيف ترتقي؟
7- هل يتهدور بعضها مع العمر أم لا؟
8-هل يمكن تحديد أساس فسيولوجي لها؟
9- ما المستوي الأمثل من الدافعية اللازم للسلوك بوجه عام، والسلوك الإبداعي بوجه خاص؟
10- هل تختلف طرق إشباعها بإختلاف الأطر الثقافية للمجتمعات؟
11- ما أهم الأطر النظرية المفسرة لها؟
وسوف نحاول في الفصل الحالي الإجابة عن بعض هذه الأسئلة بصورة صريحة أو ضمنية، من خلال التراث السيكولوجي المتاح في هذا الصدد.
(1) تعريف الدافعية:
نشير بداية إلى أن مفهوم الدافعية، مثله مثل غيره من المفاهيم السيكولوجية الأخري كالإدراك والتذكر والتعلم، بمثابة تكوين فرضى يستدل عليه من سلوك الكائن الحي. وبالتالي يستخدم مفهوم الدافعية لتحديد إتجاه السلوك وشدته. وبالإضافة إلى ذلك يكون كل منا علي وعي بمختلف دوافعه ومقاصده السلوكية 0
وهناك مبرران رئيسيان للإستدلال علي مفهوم الدافعية من سلوك الكائن الحي وهما:
أ-يكون السلوك المدفوع والموجه إلى هدف بمثابة شئ معتاد ،ومستمر بصورة ملحوظة، وبالتالي يفترض وجود عملية دينامية تقف خلفه وتحدد قوته.
ب- ربما لا تصدر إستجابات الكائن الحي نتيجة لمنبهات خارجية محددة ، ويعني ذلك وجود محددات داخلية توجه السلوك إلى أهداف بعينها.
وفي هذا الإطار قدمت تعريفات عديدة للدافعية نعرض لبعضها علي النحو التالي، لكن يفضل أن نوضح من البداية أن مفهوم الدافع يرادف مفهوم الدافعية، ويعبر كلاهما عن الملامح الأساسية للسلوك المدفوع كما ستعرض لها بعد قليل وإن كانت الدافعية هي المفهوم الأكثر عمومية. وبالتالي عند إستخدامنا لأي المفهومين، نقصد شيئاً واحداً.
فالدافعية أو الدافع، إذن ، " حالة إستثارة وتوتر داخلي تثير السلوك وتدفعه إلى تحقيق هدف معين" 0
ويؤكد "هب" (D.O. Hebb, 1949) نفس التعريف السابق مشيراً إلى أن الدافعية " عملية يتم بمقتضاها إثارة نشاط الكائن الحي، وتنظيمه وتوجيهه إلى هدف محدد".
ويري "دريفر" (J. Drever, 1971) أن الدافع عبارة عن "عامل دافعي إنفعالي يعمل علي توجيه سلوك الكائن الحي إلى تحقيق هدف معين".
ويري "أتكنسون" (J. Atkinson, 1976) أن الدافعية تعني إستعداد الكائن الحي لبذل أقصي جهد لديه من أجل تحقيق هدف معين.
والفاحص للتعريفات السابقة وغيرها , يجد أنها تعبر عن الملامح الهامة للسلوك المدفوع، والتي يمكن تحديدها علي النحو التالي:
1- تعبئة الطاقة أو التنشيط الدافعي 0 ويعني ذلك حالة الإستعداد لإصدار السلوك، وما يرتبط بها من يقظة وتوتر عام. ومن أمثلة ذلك إستعداد مجموعة من الأشخاص لبدء سباق في العدو، أو البحث عن الطعام، أو عقد علاقة إجتماعية مع آخرين.. إلخ.
2- تنظيم السلوك وتوجيهه إلي هدف محدد. فبعد وصول الكائن الحي إلى حالة تعبئة الطاقة أو التنشيط الدافعي، يتجه بسلوكه إلى هدفه المحدد الذي يشبع حاجته . وفي الأمثلة السابقة يبدأ الأشخاص السباق من أجل تحقيق مراكز متقدمة والفوز بها، ويبدأون في تناول الطعام بعد الحصول عليه، والتعرف علي مجموعة من الأشخاص وإقامة صداقة معهم 0
3- تتناسب قوة الدافع المثار مع مقدار الطاقة الناتجة عنه. فالشخص الذي إستمر جائعاً لمدة يوم كامل يكافح بقوة لإشباع حاجته للطعام، وذلك مقارنا بشخص آخر تناول الطعام منذ ساعة واحدة.
4- تستمر الطاقة المعبأة لتحقيق الهدف حتي يصل الكائن الحي إليه.
5- القابلية لتغيير مسار الهدف. فالكائن الحي يستمر في بذل الجهد من أجل تحقيق هدفه وخفض توتره المرتبط بدافع معين سواء كان فسيولوجيا (كالجوع أو العطش) أو سيكولوجيا (كالإنجاز أو السيطرة). وفي هذا الإطار يمكنه تغيير مسار الهدف إذا شعر أن الطريق الذي يسلكه لا يوصله إلى هدفه، فيسلك طريقاً آخر. وإذا لم يستطع تحقيق هدفه بأي من هذه الطرق، فإنه يصاب بحالة إحباط 0
بهذا نكون قد وقفنا علي الملامح الأساسية لمفهوم الدافعية أو السلوك المدفوع، ويبقي أن نميز بين مفهوم الدافعية وغيره من المفاهيم الأخري وثيقة الصلة به.
(2) بعض المفاهيم وثيقة الصلة بمفهوم الدافعية:
1- الحاجة :
يعرف "مورفي" (G. Murphy, 1947) الحاجة بأنها "الشعور بنقص شئ معين، إذا ما وجد تحقق الإشباع".

ويري كرتش وكريتشفيلد (D. Krech & R. Crutchfield, 1948) أن الحاجة "حالة خاصة من مفهوم التوتر النفسي".
ويعرفها إنجلش وإنجلش (H. English & A. English , 1958) بأنها "شعور الكائن الحي بالإفتقاد لشئ معين". وقد تكون هذه الحاجة فسيولوجية داخلية (مثل الحاجة للطعام والماء والهواء) أو سيكولوجية إجتماعية (مثل الحاجة للإنتماء والسيطرة والإنجاز).
وبناء علي هذه التعريفات، يمكن القول بأن الحاجة هي نقطة البداية لإثارة دافعية الكائن الحي، والتي تحفز طاقته وتدفعه في الإتجاه الذي يحقق إشباعها.
1- الحافـــز :
يعرف "ملفن ماركس" الحافز بأن تكوين فرضي يستخدم للإشارة إلى العمليات الدافعة الداخلية التي تصحب بعض المعالجات الخاصة بمنبه معين، وتؤدي بالتالي إلي إحداث السلوك.
فهو بمثابة "القوة الدافعة للكائن الحي لكي يقوم بنشاط ما بغية تحقيق هدف محدد".
وهنا نشير إلى أن بعض الباحثين يرادف بين مفهومي الدافع والحافز، علي أساس أن كلاً منهما يعبر عن حالة التوتر العامة نتيجة لشعور الكائن الحي بحاجة معينة. لكن الواقع أن مفهوم الحافز أقل عمومية من مفهوم الدافع بحيث يندرج تحته. فمفهوم الدافع يستخدم للإشارة إلى فئتي الدوافع العريضتين ( الفسيولوجية والسيكولوجية ) فتتحدث عن دافع الجوع (الفسيولوجي المنشأ) ، ودافع الإنجاز (السيكولوجي المنشأ) بينما تشير الحوافز إلى الدوافع الفسيولوجية المنشأ فقط، وهو ما تعبر عنه المفاهيم الشائعة مثل حافز الجوع وحافظ العطش. بمعني آخر يعبر الحافز عن حالة النشاط الدافعي المرتبطة بإشباع حاجات فسيولوجية المنشأ فقط.
3-الباعث :
يشير الباعث إلى موضوع الهدف الفعلي الموجود في البيئة الخارجية والذي يسعي الكائن الحي بحافز قوي إلى الوصول إليه. فهو الطعام في حالة دافع الجوع، والماء في حالة دافع العطش، والنجاح والشهرة في حالة دوافع الإنجاز… إلخ.
4- العلاقة بين الدوافع والعادات :
تبدو العلاقة بين مفهومي الدافع والعادة وثيقة وهامة. ومع ذلك يوجد خلط في إستخدامها، سواء في إطار النظرية الشكلية أو التفسيرات غير الشكلية للسلوك. لذلك يفضل التمييز بين هذين المفهومين الأساسيين.
فالعادة ، تشير إلى قوة الميول السلوكية 0 التي يفترض أنها ترتقي وتتطور كدالة لعمليات التدعيم. أي أن مفهوم العادة يركز علي الإمكانية السلوكية 0
أما الدافع، فيركز علي الدرجة الفعلية لمقدار الطاقة التي تنطوي عليها العادة. وبالتالي يمكن إعتبار الدافع نوعاً فعالاً من العادات أو سلوكاً متعلماً ذا فاعلية.
وهناك مثال بسيط يمكن أن يوضح هذا التمييز بين مفهومي الدافع والعادة. إفترض أن فأراً جائعاً تدرب علي أن يضغط علي ذراع في صندوق معين لكي يحصل علي الطعام. ومعني ذلك أنه إذا كانت كل عناصر الموقف التجريبي تامة، فإن الفأر المدرب سيؤدي ضغطه مناسبة علي الذراع حينما يوضع في الصندوق. لكن إفترض أن أحد الأشخاص قد أطعم الفأر منذ فترة قصيرة قبل إجراء التجربة. في هذه الحالة سنجد أن الفأر المشبع لن يؤدي أداء جيداً في الضغط علي الذراع، ولكنه سيقوم بأداء بعض أشكال السلوك العشوائية غير الإستجابة المطلوبة ( الضغط علي الذراع).
ولكي نقف علي الفروق الواضحة في سلوك الفأر في هاتين المحاولتين، لا نحتاج إلى إفتراض أن الفأر قد نسي أو فقد عادة الضغط علي الذراع التي سبق له تعلمها. ولكن نستطيع ببساطة تفسير تراخيه في الإستجابة في المرة الثانية إلى إنخفاض الدافعية. فالأداء لا يعتمد فقط علي إمكانية الأداء (الوسع) ولكن يعتمد أيضاً علي مقدار التنشيط الدافعي لهذه الإمكانية. فعملية تعبئة الطاقة أو تنشيط العادة هي جوهر مفهوم الدافع.
وهذه التفرقة تبين الدور الحاسم للعمليات الدافعية في السلوك والذي سبق الإشارة إليه في بداية الفصل . فالتباين في السلوك المتعلم يكون ضئيلاً بين معظم الأشخاص، بينما الدوافع هي التي توسع نطاق هذا التباين بينهم، لأن التذبذب في حالات الدافعية يؤدي إلى نشأة التغاير في السلوك عبر مواقف متشابهة 0
(3) تصنيف الدوافـــع:
يمكن تصنيف الدوافع التي تغطي كل أشكال السلوك الإنساني بأكثر من طريقة مختلفة. ورغم أن الفروق بين هذه التصنيفات ليست جوهرية، إلا أن جميعها تصنيفات تعسفية. لذلك قبل أن نعرض للأطر العامة لهذه التصنيفات، والتصنيف الذي سنتبناه في عرض الدوافع، يجدر تحديد بعض الإعتبارات النظرية التي ربما تساعدنا في فهم أسس التصنيفات المختلفة للدوافع. وهذه الإعتبارات هي:
1- يختلف شكل التعبير عن الدوافع الإنسانية من ثقافة لأخري، ومن ثقافة فرعية لأخري داخل الثقافة الواحدة، ومن شخص لآخر داخل الثقافة الواحدة. وتنشأ هذه الفروق لأن العديد من الدوافع يتم تعلمه نتيجة للخبرات النوعية التي يمر بها الأشخاص. وفي كل الحالات يتم التعبير عن الدوافع من خلال السلوك المتعلم.
2- يمكن التعبير عن بعض الدوافع المتشابهة من خلال أشكال مختلفة من السلوك. فدافع الكراهية لشخص معين يمكن التعبير عنه بالعدوان الجسماني عليه (ضربة مثلا) أو بالإنسحاب من المكان الذي يوجد فيه أو بأي شكل آخر من السلوك.
3- يمكن التعبير عن بعض الدوافع المختلفة من خلال أشكال متشابهة من السلوك. فربما نجد شخصين يزاولان الرسم بالزيت: الأول بدافع إسعاد والده الذي يشجعه علي مزاولة هذه الهواية، والثاني بدافع مضايقة والده الذي يرفض مزاولته لهذه الهواية.
4- تظهر بعض الدوافع أحياناً في أشكال مستترة. أي يظهر دافع معين ليخفي وراءه دافعاً آخر. فبعض الأشخاص يسرقون السيدات، ليس بدافع مادي، ولكن بدافع الإنتقام منهن 0
5- قد لا تؤدي الدوافع بالضرورة إلى سلوك يهدف إلى إشباع الحاجات التي أثيرت. وهي نقطة ترتبط بالنقطة السابقة عليها، علي أساس أن الشخص ربما لا يعبر عن دوافعه بصورة صريحة 0
6- ربما يعبر أحد أشكال السلوك عن دوافع عديدة. فالعالم أثناء عمله التجريبي في معمله يكون مدفوعاً للبحث عن الحقيقة، وزيادة دخله المادي لإعالة أسرته، والرغبة في الشهرة.. إلخ.
وفي ضوء الإعتبارات السابقة نجد أن أكثر التصنيفات شيوعاً وألفة هي التي تميز بين دوافع فسيولوجية المنشأ وأخري سيكولوجية المنشأ، وتسمي فئة الدوافع الأولي أحياناً الدوافع الأولية، بينما تسمي الفئة الثانية الدوافع الثانوية. ولا يعني هذا التصنيف أن الدوافع الأولية أكثر أهمية من الدوافع الثانوية، ولكن يعني أن الدوافع الأولية لها أولوية الإشباع كما سنري بعد قليل. ومن أمثلة الدوافع الأولية دافع الجوع ودافع العطش ودافع التنفس ودافع الجنس. ومن أمثلة الدوافع السيكولوجية الدافع للإنجاز والدافع للإنتماء إلى جماعة والدافع للسيطرة.
ويوجد تصنيف آخر يميز بين دوافع وسيلية وأخري إستهلاكية 0 والدافع الوسيلي هو الذي يؤدي إشباعه إلى الوصول إلى دافع آخر. أو بمعني آخر: وظيفته الأولية هي تحقيق إشباع دافع آخر. أما الدافع الإستهلاكي، فوظيفته الأولية هي الإشباع الفعلي للدافع ذاته. أي أن هدفه الأساسي هو الإستهلاك، كما هو الحال في الإستهلاك الطبيعي للطعام والشراب.
وهناك وجهة نظر ثالثة يمكن من خلالها تصنيف الدوافع طبقاً لمصدرها. وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن ثلاث فئات للدوافع: الأولي: دوافع الجسم، وتساهم هذه الفئة في تنظيم الوظائف الفسيولوجية. ويعرف هذا النمط من التنظيم بالتوازن الذاتي 0 والفئة الثانية: هي الدوافع الخاصة بإدراك الذات من خلال مختلف العمليات العقلية. وهي ما تؤدي إلى مستوي تقدير الذات، الذي يحترم الشخص نفسه في إطاره. أما الفئة الثالثة: فهي الدوافع الإجتماعية الخاصة بالعلاقات بين الأشخاص ودورها في إرتقاء الشخصية.
وهذا التصنيف الأخير للدوافع يتفق في صورته العامة مع التصنيف الأول، مع فارق بسيط هو أن التصنيف الأخير أبرز الدوافع الإجتماعية في فئة مستقلة. وبناء علي ذلك تحدد تصنيف الدوافع الذي سنتناوله علي النحو التالي:
( أ ) الدوافع الفسيولوجية.
(ب) الدوافع السيكولوجية.
1- الدوافع الداخلية الفردية.
2- الدوافع الخارجية الإجتماعية.
وهو ما نعرض لتفاصيله كما يلي:
( أ ) الدوافع الفسيولوجية
ويطلق إسم "الدوافع الفسيولوجية" عادة علي الحالات الفسيولوجية الناتجة عن وجود حاجات جسمية لدي الكائن الحي تحدث تغييراً في توازنه العضوي والكيميائي، فتنشأ عن ذلك حالة من التوتر تدفع الكائن الحي إلى القيام ببعض الأنشطة التي تؤدي إلى إشباع حاجاته وعودة الجسم إلى حالته السابقة من التوازن والإعتدال.
وتتصف الدوافع الفسيولوجية ببعض الخصائص العامة وهي:
1- أنها عامة لدي جميع الكائنات الحية، البشرية والحيوانية فنحن جميعاً نشعر بهذه الدوافع، كما أنها توجد أيضاً عند الحيوان.
2- أنها تؤدي وظيفة بيولوجية هامة هي المحافظة علي بقاء الكائن الحي وإستمرار النوع.
3- أنها موجودة بالفطرة وليست مكتسبة. فهي توجد لدي الطفل منذ الولادة، ويكون سلوك الطفل في أيام حياته الأولي متعلقاً بإشباع حاجاته الضرورية من طعام وماء وهواء، وتخلصه من الفضلات الزائدة في جسمه.
4- أنها تحدث نتيجة لإختلال التوازن العضوي والكيميائي للجسم، فإذا إختل هذا "التوازن الذاتي" بسبب وجود أي إضطراب أو نقص عضوي أو كيميائي في الجسم، ظهرت في الحال بعض العمليات الجسمية التعويضية التي تحاول سد هذا النقص، وإزالة حالة الإضطراب، وإعادة حالة التوازن الذاتي. فإذا حدث ، مثلاً، تلف في بعض أنسجة الجسم قامت خلايا الدم البيضاء بتجديد هذه الأنسجة. وإذا زادت حرارة الجسم عند حد معين بدأ العرق يتصبب من الجسم لخفض درجة حراراته. وإذا زاد ثاني أكسيد الكربون في الجسم زادت سرعة التنفس للتخلص من هذه المادة الضارة.
وليست عملية الإحتفاظ بحالة التوازن الذاتي مقصورة فقط علي تلك العمليات الفسيولوجية التلقائية التي تحدث داخل الجسم، وإنما تقوم بتنظيم علاقة الكائن الحي ببيئته علي وجه العموم. وعلي هذا الإعتبار فإننا نتصور أن الكائن الحي يميل دائماً إلى الإحتفاظ بحالة ثابتة من التنظيم الذاتي. فإذا حدث إضطراب في هذا التنظيم، نشأت دوافع معينة توجه سلوك الكائن الحي إلي أهداف محددة لإزالة هذا الإضطراب.
أ- دافع الجوع:
تستهلك جميع الكائنات الحية طاقة حرارية في حياتها، وتحتاج إلى مخزون لها أو معوض للمنصرف منها من أجل إستمرار هذه الحياة. لذلك يؤدي فقدان الطاقة إلى ظهور الحاجة إلى الطعام والتي تؤدي بدورها إلى ظهور توترات معينة تحرك الكائن الحي إلى مصدر الطاقة المعوض لها (الطعام).
بمعني آخر: تشير نتائج الدراسات العديدة التي أجريت في هذا الصدد، إلي أن نقص المواد الغذائية في الدم هو العامل الأساسي لظهور الحاجة للطعام، وبالتالي دافع الجوع. فحينما تقل المواد الغذائية في الدم تحدث حالة توتر، وتحدث تقلصات في جدران المعدة، ويزداد النشاط العام في الجسم، ويشعر الإنسان بدافع الجوع، وبرغبة في تناول الطعام.
وهناك نمطان رئيسيان من العمليات الفسيولوجية التي تسبق الإحساس بالجوع، وضبط عملية تناول الطعام، هما : المراقبة المباشرة لسلوك تناول الطعام نفسه، والمراقبة غير المباشرة لقيمة الطعام الذي يشبع حاجة الجسم إليه. وخلف هذين الميكانيزمين نجد أن أساليب الضبط المتعلمة في تناول الطعام تساهم هي الأخري في تعقيد الصورة السابقة.
والإشارات العصبية لبدء سلوك تناول الطعام أو التوقف عنه تحدث في المهاد التحتاني للمخ 0 وبالتحديد تأتي من النواة في الجزء المتوسط 0 وقد كانت عملية الشعور بدافع الجوع تنسب في فترات سابقة إلى تقلصات عضلات المعدة أو الشعور بأن المعدة فارغة من الطعام، إلا أن بعض البحوث الحديثة أظهرت أن هذه الهاديات ليست ثابتة. فقد وجد أن تقلصات وإنقباضات عضلات المعدة تحدث بعد تناول الطعام بمعدل أكثر من المعدل السابق لتناوله0
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية تقلص جدران المعدة في الشعور بالجوع، ولكن يعني أنه ليس العامل الأساسي الوحيد، فالإشارات التي تأتي من مختلف أشكال المراقبة لحالة الجسم تعد محددات أكثر حسماً للشعور بالجوع، أي أن العائد من مخازن الدهور في الجسم وسكر الدم (أو كيمياء الدم بوجه عام) من أكثر العوامل أهمية في الشعور بالجوع، حيث تنقل المعلومات الخاصة بهذه الحالات إلى مركز التغذية في المهاد التحتاني. والذي يؤدي بدوره إلى إرسال تنبيه داخلي للكائن الحي (تقلص المعدة) ببدء سلوك الطعام 0
وهناك دراسات تجريبية عديدة تدعم الفروض السابقة. فقد وجد أن إستئصال المعدة عند بعض الحيوانات، أو قطع الإتصال العصبي المركزي (المهاد التحتاني بالتحديد) لم يقض علي دافع الجوع. ووجد أيضاً أنه إذا حقن كلب غير جائع بدم كلب جائع تقلصت جدران معدة الكلب غير الجائع كما يحدث عادة في حالة الجوع. ووجد ، علي العكس من ذلك، أنه إذا حقن كلب جائع بدم كلب غير جائع تقلصت جدران معدة الكلب الجائع.
والواقع أنه لا يوجد دافع عام للجوع فحسب، بل توجد عدة دوافع نوعية عبارة عن الميول الخاصة لبعض أنواع الطعام دون غيرها. فالطفل قد يمتنع عن أكل الخضروات والخبر واللحم، ولكنه يلتهم الحلوي والمثلجات. وقد يمتنع عن أكل نوع معين من الخضروات، ولكنه يقبل علي أكل نوع أخر. ويرجع بعض هذه الميول الغذائية الخاصة إلى التعلم والعادة، ويرجع بعضها الأخر إلى حاجات خاصة في الجسم تنشأ عن نقص بعض العناصر المعينة. وقد بنيت بعض الدراسات التي أجريت علي بعض الأطفال والحيوانات إلى وجود ميول خاصة نحو أنواع معينة من الطعام، وأن هذه الميول تختلف بإختلاف حاجة الجسم. وتوحي نتائج هذه التجارب أن للجسم "حكمة" خاصة به توجهه إلى إختيار الأطعمة التي يحتاج إليها.
ويبدو أن هناك عاملين يؤثران في إختيار الأطعمة التي يحتاج إليها الجسم. العامل الأول هو المحاولة والخطأ. فبالتجربة يتعلم الإنسان أو الحيوان أن أنواعاً معينة من الطعام قد أحدثت إشباعاً خاصاً، وأعادت إلى جسمه التوازن العضوي والكيميائي، ولذلك فهو يميل فيما بعد إلي إختيارها. أما العامل الثاني فيبدو أنه خاص بحاسة الذوق، إذ يظن أن الغذاء الذي يحتاج إليه الجسم يكون أحسن مذاقاً من الأنواع الأخري من الطعام، ولذلك يفضله الإنسان والحيوان علي غيره. ومما يؤدي هذا الفرض الأخير، أنه حينما قطعت أعصاب حاسة الذوق عند بعض الفئات لم تستطيع أن تختار نوع الطعام الذي تحتاج إليه. ويبدو أيضاً أن هناك نوعاً من التفاعل بين هذين العاملين، فقد تؤثر حاسة الذوق في عملية المحاولة والخطأ وتوجهها توجيهاً خاصاً إلى إختيار الأطعمة المفيدة0
كما تلعب متغيرات أخري عديدة دورها في أسلوب إشباع الحاجة للطعام منها السن والمستوي الإجتماعي – الإقتصادي والثقافي والديني ومستوي التعليم.. إلخ، مما قد يكون لها آثار ضارة علي الصحة في كثير من الأحيان. وأهم هذه الأضرار هي السمنة 0
ب- دافع العطش :
يعد جفاف الفم والحلق بمثابة المنبه الفعال للعطش، علي الأقل علي المستوي الشعوري، مثلما يرتبط دافع الجوع بآلام وتقلصات المعدة. ولهذا الشعور بجفاف الفم أهمية بيولوجية، لأنه بمثابة الإنذار الذي يتلقاه الكائن الحي بوجود نقص في كمية الماء بجسمه، فيدفعه ذلك إلى شرب الماء لسد هذا النقص. إذ أن الماء يدخل في جميع العمليات الحيوية في الجسم مما يجعل فقدان قدر منه سبباً في تعطيل العمليات الأخري وزيادة التوتر البيولوجي. لذلك تظهر الحاجة إلى الماء عند فقدان قدر منه.
ويعد سلوك شرب الماء دالة لمقياسين فسيولوجيين مع أجهزة المراقبة المنفصلة هما: الضغط الأوزومي في الدم ومقدار السوائل في الجسم. وتمثل بعض خلايا المهاد التحتاني أيضاً وسائل المراقبة الأساسية لمستوي الضغط الأوزومي 0
ومن الممكن أن يخفف الشخص من شعوره بالعطش إذا قام ببل فمه بالماء، أو بمضع اللبان لإثارة اللعاب. ولكن دافع العطش لا يزول نهائياً إلا بحصول الجسم علي الكمية اللازمة له من الماء. وقد أجريت تجربة وضعت فيها كمية من الماء في معدة كلب مباشرة عن طريق أنبوبة متصلة بها، أي بدون مرور الماء بالفم لتحاشي تأثير الماء علي جفاف الفم والحلق. وقد قدم الماء للكلب عقب ذلك مباشرة، فشرب منه مقداراً كافياً، مما يدل علي أن جفاف الفم يعد عاملاً مهما في شعور الكلب بالعطش، لكنه ليس العامل الأساسي مثلما هو الأمر بالنسبة لتقلصات المعدة عند الإحساس بالحاجة للطعام. فعند إعادة التجربة السابقة، مع عدم تقديم الماء للكلب إلا بعد 15 دقيقة من وضع الماء في معدته، وهي مدة كافية لوصول الماء إلى أنسجة جسمه، لم يشرب الكلب شيئاً من الماء، مما يدل علي أن دافع العطش قد أشبع عن طريق وصول الماء إلى أنسجة الجسم.
ويتأثر دافع العطش، أيضاً كدافع الجوع بالتعلم وبالعوامل الإجتماعية، فتنشأ عن ذلك ميول خاصة لشرب أنواع معينة من السوائل مثل الشاي والقهوة في ثقافتنا المصرية، أو بعض أنواع المشروبات الكحولية في الثقافات الأوروبية المختلفة 0
جـ- دافع الجوع للهواء :
إذا كان الطعام والماء مصدرين للطاقة، فإن الأكسجين هو العنصر الضروري لإحتراق هذه الطاقة في الجسم وتوليد الحرارة اللازمة له. والحاجة إلى الأكسجين عملية حيوية للغاية لأن الخلايا تحتاج إلى أن تزود بالأكسجين حتي لا يحدث فيها تأكسد. فالمخ، علي سبيل المثال، يمكن أن يظل سليماً (دون عطب) لفترة قصيرة جداً في ظل نقص الهواء النقي. فغياب الأكسجين لمدة دقيقة واحدة يمكن أن يؤدي إلى إصابة عضوية في المخ يصعب الشفاء منها. كما أن بعض حالات التخلف العقلي تحدث نتيجة لنقص وصول الأكسجين إلى الأنسجة لفترة زمنية محدودة أثناء عملية الولادة.
ويرتبط الجوع للهواء كظاهرة ملموسة بتجميع ثاني أوكسيد الكربون في الرئتين، وليس مجرد النقص الحاسم في الأكسجين. ويبين لنا هذا أن بعض حالات نقص الأكسجين ( مثل تحكم الشخص في عملية تنفسه بإيقافها) تؤدي إلى جوع للهواء، بينما قد لا تؤدي الحالات الأخري إلى ذلك (مثل دخول الشخص لمنجم ملئ بالغاز). فالحاجة إلى التنفس (الأكسجين) تؤدي إلى دافع قوي، حتي في ظل الظروف العادية لتوفر هواء مناسب 0
د- دافع التعب :
يؤدي شعور الكائن الحي بالتعب إلى حاجة قوية للراحة. وتتمثل التغيرات الفسيولوجية الأساسية التي ترتبط بالتعب في تراكم "حمض اللبنيك" فى الدم. وعلي الرغم من أنه من المعروف أن "حامض اللبنيك" يتراكم نتيجة للتقلصات العضلية، لكن من غير المعروف الكيفية التي يتغير بها ذلك عند المستوي العصبي الفسيولوجي.
وتتباين آثار التعب الشديد علي السلوك طبقاً لطبيعة المهام المطلوب أداؤها. فكفاءة أداء بعض المهام البسيطة تتأثر تأثراً ضئيلاً، حتي في ظل فترات الأرق التي تصل إلى مائة ساعة متصلة. أما أداء المهام الأكثر تعقيداً، فقد تبين أنها تتأثر بشدة في ظل الفترات القصيرة من الأرق.
ويبدو بعض الأشخاص متعبين طوال الوقت. وفي مثل هذه الحالات لا يعد التعب دالة للجهد الجسماني أو الأرق، بل ربما تكون الأسباب الإنفعالية هي المسئولة عن ذلك. وبالتالي يصبح من الصعب التغلب علي حالات التعب هذه بالراحة التامة، لأنه من المفروض علاج الأسباب الحقيقية المتمثلة في الإضطرابات الإنفعالية.
هـ- دافع الجنس:
نظراً لأن الدافع الجنسي يرتبط بالعديد من المتغيرات الإجتماعية والأخلاقية، ويكون إشباعه في العديد من الثقافات محكوماً بقيود عديدة، فإنه يعد بالتالي مسئولاً عن نسبة كبيرة من التباين في السلوك أكثر من الأنساق الدافعية الأخري فسيولوجية المنشأ.
والدافع الجنسي، علي عكس الدوافع الفسيولوجية الأخري، لا يرتبط إشباعه بإستمرار حياة الكائنات الحية. ويرتبط أسلوب إشباعه لدي الإنسان بمتغيرات عديدة منها التعلم والخبرات التي يمر بها الأشخاص وما يكتسبونه من قيم وإتجاهات أثناء التنشئة الإجتماعية.
خلاصة القول: أن أشكال الدوافع التي عرضنا لتفاصيلها لا تمثل كل الدوافع الفسيولوجية. فهناك عوامل أخري عديدة تمثل مصادر فعالة للدافعية، منها علي سبيل المثال لا الحصر، الألم (2)، ودرجات الحرارة المرتفعة، والحاجة إلى التخلص من فضلات الجسم… إلخ. وبوجه عام يمكن القول بأن أي شكل من التوتر ينشا عن إضطراب "التوازن الذاتي" لوظائف الجسم، يمثل عوامل دافعة للكائن الحي لإعادة هذه التوازن إلى صورته الطبيعية وتقليل التوتر.
(ب) الدوافع السيكولوجية:
يستخدم مفهوم الدوافع السيكولوجية لتصنيف فئة عريضة من حالات الدافعية التي لا تربطها علاقة مباشرة بالتكامل البيولوجي للكائن الحي. وبالتالي فهذه الدوافع تقابل فئة الدوافع التي عرضنا لها في الجزء السابق (الدوافع الفسيولوجية)، علي إعتبار أن الأسس الفسيولوجية المسئولة عنها أقل وضوحاً. وأن المترتبات الفسيولوجية لها ليست مهمة مقارنة بالمترتبات السيكولوجية.
وهناك عدد كبير من الأنشطة الدافعية التي يمكن أن تطلق عليها المسمي العريض للدوافع السيكوولوجية، والتي نصنفها في فئتين نوعيتين هما:
1- الدوافع الداخلية الفردية 2- الدوافع الخارجية الإجتماعية
وهو ما نعرض لتفاصيله علي النحو التالي:
1- الدوافع الداخلية الفردية:
وهي الدوافع التي تتمثل في سعي الكائن الحي أو الشخص للقيام بشئ معين لذاته. فهي بمثابة دوافع فردية تحقق الذات للشخص، حيث ترتبط بوظائفه الذاتية وتحقق توازنه خلا إستجاباته المختلفة. وهذا النوع من الدوافع يقف وراء الإنجازات المتميزة والإبداعات البشرية في الفكر والسلوك. وأهم هذه الدوافع ما يلي:
أ- دوافع الفضول (حب الإستطلاع):
ويعد الإهتمام بالفضول كعامل دافعي حديث نسبياً في علم النفس. والمقصود به ميل الكائن الحي ورغبته في إستكشاف معالم البيئة السيكولوجية به والوقوف علي جوانبها الغامضة.
وقد تمت دراسة الفضول لدي الحيوانات الدنيا مثلما درس لدي الإنسان تماماً. وهناك تجارب معملية عديدة أجريت علي الفئات لتحديد إلى أي مدي يؤدي تغير المنبه والجدة إلى إثارة دافعية هذه الكائنات الحية.. فحينما أعطيت الفئات الفرصة للإختيار بين إستجابتين تم تدعيم كل منهما، قامت بتغيير إختياراتها من إستجابة للأخري. فبعد أن كانت تتجه إلى جهة اليمين في متاهة علي شكل حرف T (الإستجابة الأولي) إتجهت بعدها مباشرة إلى جهة اليسار (الإستجابة الثانية) والعكس بالعكس. ويعني ذلك أن الفئات تستجيب للمنبهات المتغيرة علي أساس تفضيلها لتغيير إستجاباتها.
كما أمكن دراسة دافع الفضول لدي مجموعات متباينة الخصال من المبحوثين الآدميين. وتبين أنه حتي الأطفال الصغار يفضلون النظر إلي بعض الأشكال المعقدة، مقارنة بالأشكال البسيطة. وذلك من خلال مؤشر الفترات الزمنية لتثبيت أبصارهم علي كل منها.
ب- دافع الكفاءة :
وترتبط الكفاءة إرتباطاً وثيقاً بالعمليات الخاصة بدافع الفضول ومختلف الوظائف الإدراكية التي تمكن الكائن الحي من تحقيق أفضل نمو وإرتقاء وإستغلال لقدراته من أجل مواجهة متطلبات البيئة التي يعيش فيها. أي أن دافع الكفاءة يعني إستخدام الكائن الحي لقدراته ووظائفه الإدراكية والحركية بأفضل شكل ممكن.
وفي معظم الثدييات نجد أن مهارات الكفاءة ترتقي أثناء مراحل اللعب التي تميزها بوجه عام، لكن الدافعية للكفاة لا تقتصر علي الصغار. فالكائنات الحية الناضجة لديها دافعية قوية لتحقيق الأداء الفعال، علاوة علي الدوافع الوسيلية التي يستخدم فيها هذا السلوك من أجل الوصول إلى بواعث أخري.
ويستخدم مفهوم الكفاءة في بعض الأحيان بمعني عام يمكن أن يشمل بعض الدوافع النوعية الأخري. ودون إعتبار لكيفية تصنيف هذه الدوافع النوعية، نجد أن كلا من المهارات والوظائف الإدراكية والحركية، فضلاً عن الأنشطة الخاصة بالبحث عن المعلومات، تدفع الكائن الحي بدرجة كبيرة جداً إلى تحقيق بعض أهدافه.
جـ – دافع الإنجاز :
والإنجاز هو النوع الأخير من الدوافع الداخلية الفردية. وهو علي خلاف دافعي الفضول والكفاءة، يقتصر علي الكائنات الحية البشرية. كما أنه كان موضوعاً لبحوث مكثفة أكثر مما هو الأمر بالنسبة لدافعي الفضول والكفاءة. والمقصود بالدافعية للإنجاز هو جهاد الفرد للمحافظة علي مكانة عالية حسب قدراته في كل الأنشطة التي يمارسها، والتي يحقق بها معايير التفوق علي أقرانه، وحيث يكون القيام بهذه الأنشطة مرتبطاً بالنجاح أو الفشل 0
وهناك فرق أساسي بين مجال الإنجاز وكل من الكفاءة والفضول. فالدافعية للكفاءة تشير إلى تدريب وتنمية المهارات الإدراكية والحركية والعقلية، بينما يشير الإنجاز إلى محاولات أكثر تعقيداً، تستمر فترات زمنية أطول مثل تلك التي ترتبط بالأمور الأكاديمية والمهنية. فسلوك "العدو " علي سبيل المثال، يمكن إعتباره في حد ذاته حالة من الدافعية للكفاءة، ولكن حينما يتم في موقف تنافس مثلما هو الأمر في سياق للعدو أو في مباراة لكرة القدم، فإنه يتحول في هذه الحالة إلى دافعية للإنجاز، ومع ذلك فالتنافس مع الآخرين في مواقف الحياة الإجتماعية ليس عاملاً جوهرياً للدافعية للإنجاز، وذلك علي أساس أنه يرتبط بالعوامل السيكولوجية الشخصية 0
2- الدوافع الخارجية الإجتماعية :
وهي الدوافع التي تنشأ نتيجة لعلاقة الكائن الحي بالأشخاص الآخرين ومن ثم تدفع الفرد للقيام بأفعال معينة إرضاء للمحيطين به أو للحصول علي تقديرهم أو تحقيق نفع مادي أو معنوي، وزيادة هذا النوع من الدوافع يقتل روح المبادأة والإبتكار. وأهم هذه الدوافع: الإنتماء والسيطرة والإستقلال. والدافعان الأولان (الإنتماء والسيطرة) يشترك فيهما بالكائنات الحية تحت البشرية مع الإنسانية، بينما دافع الإستقلال خاصية إنسانية فريدة يماثل دافع الإنجاز في فئة الدوافع الداخلية للفرد. ونعرض لتفاصيل ذلك علي النحو التالي:
أ- دافع الإنتماء :
ويقصد به كل نوع من أنواع الكائنات الحية يمثل لبعضه البعض منبهات خاصة فعالة. بمعني آخر، يشعر أفراد كل نوع من الكائنات الحية بالحاجة إلى التقارب والتجاذب في إطار جماعي. فالأطفال، علي سبيل المثال، ينجذبون إلى وجوه الأشخاص الآخرين كنوع خاص من التنبيه. وهنا لا يوجد أي مبرر لا دعاء وجود عامل وراثي خاص لتفسير ذلك. فالأشخاص بوجه عام ، ووجوههم بوجه خاص تعد من أكثر الموضوعات الفعالة والمعبرة التي نواجهها أثناء تفاعلاتنا الإجتماعية وعلاقتنا المتعددة بين بعضنا البعض. وهناك العديد من الشهواد التي يفترض بها تساهم في إرتقاء "القيمة الباعثة القوية" التي يمثلها الشخص بالنسبة للآخر.
وقد أشارت البحوث التي أجريت علي صغار القرود إلى الدور الجوهري الذي يمكن أن يقوم به التقارب الجسمي (كما يعبر عنه قفز الصغير علي أمه) في إرتقاء الإستجابة الإنفعالية للقرود.
ويعد اللجوء إلى الأشخاص الآخرين كوسيلة للدعم الإنفعالي، كما هو الأمر في موقف البحث عن خفض القلق،عملية شائعة ويمكن ملاحظتها بسهولة في كثير من مواقف التفاعل الإجتماعي. وهي إحدي المشكلات الهامة التي نالت حظها من الدراسات السيكولوجية المكثفة.
وبعيداً عن هذه الأمثلة، تعد الكائنات الحية البشرية أكثر الملامح البيئية الجوهرية لمختلف أشكال الإشباع التي نبحث عنها لدوافعنا. فالحاجة إلى الإنتماء لجماعة والتي تأخذ شكل العلاقات الإنسانية الحميمة بما تنطوي عليه من أشكال سلوكية موجهة إلى الأشخاص الآخرين، تعد دعامة قوية في حياتنا. كما أن إنتشار مثل هذه الدوافع يساهم بصورة جوهرية في بقاء الأنوع، بما فيها الأنواع البشرية والحيوانية 0
ب- دافع التنافس والسيطرة ( للحصول علي المزايا الإجتماعية والمادية).
تعد الرغبة في السيطرة وإثبات الذات من الدوافع الشائعة لدي الإنسان والحيوان علي السواء. ويظهر دافع السيطرة بوضوح فيما نشاهده بين أفراد مختلف المجتمعات من تنافس شديد. فالأطفال يتنافسون فيما بينهم في البيت والمدرسة والنادي. ويحاول الطفل أيضاً أن يتفوق علي زملائه. وأن يسيطر عليهم، وأن يحتل بينهم مكان الصدارة والزعامة. ويتنافس الكبار أيضاً في سبيل الرزق، وفي سبيل الشهرة وتولي المناصب العليا، والإستيلاء علي مصادر القوة في المجتمع. وفي هذه الحالة يقترب دافع السيطرة مما اسماه "الفريد أدلر A. Adler " بدافع القوة , وإن كان مفهوم القوة أكثر غموضاً لأن "أدلر" يعتمد في تفسيره له علي المفاهيم التحليلية النفسية 0
ونستطيع أن نشاهد مظاهر السيطرة بين الحيوانات أيضاً. ففي مجتمع الأفيال، علي سبيل المثال، تخضع المجموعة لسيطرة الفيل الأكبر الذي يقودها في حركاتها في الغابة. ونشاهد ذلك أيضاً في مجتمعات القردة والشمبانزي، والبط والأوز وأسراب الطير التي نشاهدها وهي تطير في نظام دقيق خلف قائدها.
ولتجارب وخبرات الطفولة تأثير مهم في إكتساب الأفراد لدوافعهم. فإذا كانت الأسرة تدفع الطفل دائماً إلى التنافس مع الغير، وإلي التفوق عليهم، وإذا كانت تعاقب الفشل والضعف، وتشجع القوة والإنتصار والتفوق ، فإننا سنتوقع إكتساب الأفراد لدافع السيطرة وإثبات الذات نتيجة لهذه الأساليب من التنشئة الإجتماعية.
كما أن لبعض الخبرات الشخصية تأثيراً مهماً أيضاً في إكتساب دافع السيطرة. فإذا كان لجوء الطفل إلى التنافس والسيطرة مفيداً في إشباع حاجاته ودوافعه الأخري، فإنه سيميل في المستقبل إلى اللجوء لمثل هذه الأساليب التي أثبتت نجاحها في الماضي أما إذا لقيت أساليب التنافس والسيطرة عند بعض الأطفال فشلاً، أو إذا أدت إلى العقاب أو الحرمان والضرر، فإن هؤلاء الأطفال سيميلون في المستقبل إلى التخلي عن أساليب السيطرة. وقد يكتسبون سمة الخضوع كوسيلة مفيدة في إشباع دوافعهم وتحقيق أهدافهم. وفي كثير من الأحيان يعتبر الخضوع وسيلة مفيدة لتحقيق الأهداف 0
جـ- دافع الإستقلال عن الآخرين:
يعرف الدافع للإستقلال علي أنه "رغبة الشخص وحاجته لعمل المهام المطلوب منه بنفس ". ومن الواضح أننا نجد هذا الدافع لدي الطفل الصغير الذي يبدأ في تقدير حاجته إلى الوجود المستقل. كما أننا نجده في كل المستويات العمرية، وفي أشكال عديدة من السلوك.
ومن الواضح أن الدافع إلى الإستقلال يتصارع غالباً مع بعض الدوافع الإجتماعية الأخري. فالدافع إلى الإستقلال يقود الشخص إلى التعبير عن نوع من الدوافع المضادة للإنتماء إلى الجماعات، وربما يجبر الشخص علي فقدان مقدار معقول من التحصيل (في حالة حدوث الإنجاز بمساعدة الآخرين).
والذكور في مجتمعنا يسلكون بشكل يتسم بالإستقلال أكثر من الإناث، علي أساس تدعيم ذلك خلال عملية التنشئة الإجتماعية. وبالتالي يكون هذا الدافع أقوي لدي الذكور.
التفاعل بين الدوافع والفسيولوجية والسيكولوجية:
عرضنا فيما سبق لوصف فئتي الدوافع الفسيولوجية والدوافع السيكولوجية، كل علي حدة لكن يوجد في الواقع تفاعل كبير بين هاتين الفئتين المختلفتين من الدوافع. فالأثر البالغ للدافع من منبه خارجي قد يزداد كثيراً من جراء إقترانه بأثر ناشئ عن منبه داخلي والعكس بالعكس. وحتي برغم ذلك ربما لا يكون أحدهما علي قوة كافية لتنشيط الدوافع. كذلك يحتمل جداً أن تتيح عملية التفكير فكرة معينة مثيرة للدوافع عندما يكون التنبيه من البيئة الداخلية أو الخارجية أو منها معاً أقل ما يمكن، وعلي العكس فإن وجود هذه الفكرة قد يقوي أثر المنبهات الخارجية أو الداخلية. ذلك أن الفكرة العابرة عن الطعام قد لا تكفي وحدها لإثارة دافع الجوع الفعال، إلا إذا صاحبها تقلص المعدة قليلاً (تنبيه داخلي) ورؤية الطعام (تنبيه خارجي).
أي أنه يمكن إثارة الدوافع بطرق متنوعة منها البيئة الداخلية للجسم، وذلك علي أساس أن إضطراب التوازن الذاتي لوظائف العمليات الجسمية يؤدي بالشخص إلى القيام بفعل موجه نحو هدف إستعادة التوازن الذاتي. ومن مصادر إثارة الدوافع الأشياء والظروف الموجودة في البيئة الخارجية. وبعض الأشياء لها صفة الحافز للشخص سواء كانت فسيولوجية ( فطرية) أو سيكولوجية (مكتسبة بالتعلم). وعلي غرار بيئة الجسم ربما يحدث في البيئة المادية والإجتماعية إختلال في التوازن الذاتي لضبط الأحداث، وبالتالي يتطلب فعلاً مدفوعاً من جانب الشخص لإعادة هذا التوازن. وقد تنتج إثارة الدوافع من تيار الأفكار في الحياة العقلية. وكل هذه الأنواع من المثيرات تتفاعل بطريقة معقدة حسب الموقف الوقتي كله. ولهذا التداخل والتعقد كان تحليل الدوافع مشكلة شائكة أمام الدراسة العلمية كما سبق أن أشرنا. فعوامل التنبيه القادرة عادة علي تنشيط حالة دافع معين، قد نفشل في ذلك بسبب أن الكائن الحي منغمس فعلاً في حالة دافع آخر مثار بشدة، ويبدو أن بعض الدوافع تتقدم غيرها في أولية الإشباع ، فالشخص شديد الجوع لا يتعرض لإثارة دافع آخر مثل الإنجاز أو التحصيل إلا إذا أشبع دافع الجوع 0
وخلاصة القول: أن هناك تفاعلا واضحاً بين كل أنواع الدوافع، سواء الفسيولوجية أو السيكولوجية. وهو ما ينبغي أن نعيه جيداً حتي يمكن أن نفهم الدوافع أفضل فهم ممكن.
(4) النظريات المفسرة للدافعية :
أشرنا في البداية إلي ثراء موضوع الدافعية وخصوبته. ومدي أهميته سواء عند التعامل معه علي المستوي النظري أو الواقعي. وقد ساهمت هذه المكانة التي يحتلها موضوع الدافعية في وجود مناخ نظرية أو توجهات نظرية متعددة، نظر كل منها إلى الدافعية من زاوية مختلفة. لذلك كانت أهمية التوقف أمام هذه الأطر النظرية لكي نتبين معالمها العامة.
وفي هذه المحاولة سوف نعرض لبعض النظريات الممثلة للأطر النظرية الكبري في الميدان. فرغم تعدد النظريات المفسرة للدافعية، إلا أنه يمكن تصنيفها علي النحو التالي:
1- نظريات الحافز 0
2- نظريات الجذب 0
3- نظريات الإستثارة الوجدانية 0
4- النظريات المعرفية 0
5- النظريات الإنسانية 0
وهو ما نعرض له كما يلي:
1- نظريات الحافز:
وتسمي هذه الفئة من النظريات أحياناً بنظريات الحاجة – الحافز – الباعث. ويعني ذلك أن حالات الحرمان هي أساس وجود الحافز. فحاجات الكائن الحي هي التي تثير الحوافز، التي تعد بمثابة التمثيل السيكولوجي لها، وأن هذه الحوافز هي التي تعبئ النشاط حتي يتمكن الكائن الحي من الوصول إلى موضوع الهدف أو الباعث ثم ينخفض الحافز في النهاية بعد إشباع الحاجة.
والمثال الشائع هنا هو الجوع. فإتمام عملية هضم الطعام والتمثل الغذائي له، يثير الحاجة إلى الطعام مرة أخري، وهذه الحاجة تثير حافز الجوع الذي يعبئ نشاط الكائن الحي حتي يصل للطعام (الباعث)، وبالتالي ينخفض الحافز بتناول الطعام.
والحاجة والحافز مفهومان متميزان كما سبق أن أشرنا، وذلك لأن الحيوان المحروم من الطعام ربما لا يكون جائعاً في كل الأوقات. كما أن الحافز لا يمكن أن ينخفض في بعض الأحيان دون أن تشبع الحاجة، والمثال علي ذلك حينما يكافأ الحيوان الجائع بمحلول سكري ليس به غذاء.
وتعد نظرية " هل" نموذجاً لهذه الفئة من النظريات، وتعرض لها بإختصار كما يلي:
نظريـــة "هل C. Hull ".
يري كلارك " هل " أن أي فعل يقوم به الكائن الحي تسبقه (أو تصاحبه) حاجة تدفع أم تحفز النشاط المرتبط بها. وهذا ما تضمنته معادلة هل الشهيرة علي النحو التالي:
(جهد الإستثارة = قوة العادة × الحافز × دافعية الباعث).
ويشير "جهد الإستثارة" إلي ميل الكائن الحي إلى إصدار إستجابة معينة، وتتحدد درجة هذا الميل إما من خلال سرعة الإستجابة أو سعتها أو مقاومتها للخمود.
وتتضمن حدود المعادلة في الجانب الأيسر منها علي مفاهيم دافعية. فتشير "قوة العادة" إلي درجة تعلم الكائن الحي لإستجابة معينة، ومن ثم ترتبط قوة العادة بعدد المرات التي إصدر فيها الكائن الحي إستجابة ما وتلقي عليها تدعيماً، كما أنها تقضي بوجود حافز لكي يتم تقديم التدعيم المناسب.
ويشير "الحافز" إلى درجة التوتر التي يشعر بها الكائن الحي نتيجة إختلال "التوازن الذاتي." لديه. فكلما زاد هذا الإختلال زاد الحافز، وكلما زاد الحافز كانت الإستجابة أسرع وأكثر مقاومة للخمود.
وتشير "دافعية الباعث" إلى حجم المكافأة المقدمة للكائن الحي ونوعها لمساعدته علي إصدار الإستجابة.
ولا يمكن بحكم هذا المعني أن يصدر الكائن الحي سلوكاً معيناً في غيبة الحافز، أو بمعني آخر: دون أن يكون مدفوعاً بحافز من الحوافز. ويتضمن التدعيم عند "هل" خفضاً في منبه الحافز، أو بمعني آخر إعادة الكائن الحي إلي حالة التوازن. ويعد خفض الحافز أمراً هاماً للغاية سواء عند "هل" أو عند زملائه من أمثال "ميللر Miller " ودولارد Dollard 0
2- نظريات الجذب:
وتقوم هذه الفئة من النظريات علي أساس إفتراض أنه من الممكن الوقوف علي السلوك المدفوع دون الإستعانة بمفهوم الحافز المعبئ للطاقة، وبالتالي فهي تقف في مقابل نظريات الحافز التي عرضنا لها 0
بمعني آخر: حاول بعض الباحثين التقليل من أهمية الدور الذي تلعبه الحوافز في تشكيل دافعية الفرد أو الآثار التي تتركها الحالات الداخلية في دافعيته. ومن ثم فإن الهدف الخارجي هو الذي يجذب الفرد وليست الحاجة أو الحالة الداخلية له لذلك يطلق علي هذه الفئة من النظرية أحياناً نظريات الجذب في تناولها لمفهوم الدافعية 0
ويعني ذلك أن هذه الفئة من النظريات إستخدمت مفهوم العادة بديلاً عن مفهوم الحافز. فحينما نسمع جرس الباب الخارجي، فإننا نفتحه. وفي هذه الحالة لا نحتاج إلى حافز داخلي لفتح الباب أو "فضول" لمعرفة من القادم علي الباب. وذلك لأننا تعودنا أن نفتح الباب بمجرد سماع الجرس : فعادتنا هي التي تحرك السلوك حينما تكون الظروف مناسبة، وتشمل هذه العادات التنبيهات الداخلية، علي سبيل المثال تقلصات المعدة ، فضلاً عن التنبيهات الخارجية، علي سبيل المثال الدعوة لتناول الغداء.
بمعني آخر: إذا إستطعنا تحديد المبهات التي تحرك إستجاباتنا، يصبح في مقدورنا أن نتقدم دون حاجة إلى ما يطلق عليه الحوافز. أي أن كل أشكال السلوك تكون محكومة بالمنبهات.
ومع أن هذه النظريات لها مبرر معقول، ويمكن إعتبارها بديلاً لنظريات الحافز، إلا أن الذين يرفضونها يعتقدون أن هناك شيئاً من الأهمية في التمييز بين تعبئة الطاقة (تنشط السلوك) وتوجيه السلوك، لكن يرد علي ذلك أنه في بعض الحالات يمكن أداء هاتين الوظيفتين من خلال منبه فردي، كما هو الحال في حالة إصابة أحد الأشخاص بحرق مؤلم. فهو في هذه الحالة بعبئ طاقته ويتجه إلى البعد عن مصدر الحرارة في نفس الوقت. هذا علي الرغم من إنفصال هاتين الوظيفتين في حالات أخري مثل تكثيف النشاط المتعلم في ظل الجوع الشديد 0
وتعد نظرية سكنر نموذجاً لهذه الفئة من النظريات نعرض لها بإختصار شديد علي النحو التالي:
نظرية "سكنر" Skinner :
إهتم "سنكر" بالبواعث الخارجية بوصفها حاكمة للسلوك، مهملا دور الحالات الداخلية للكائن الحي، ومن ثم إفترض أن البيئة الخارجية كمصدر للإثابة والتدعيم تعد مدخلال صحيحاً لزيادة إحتمال صدور إستجابة معينة أو خفض هذا الإحتمال، وهو ما يعرف عنده بالتشريط الأدائي 0 ويمكن تلخيص نظرية سكنر في هذا الصدد في المعادلة الآتية:
(تكرار السلوك = صدور السلوك + تدعيم هذا السلوك لعدد من المرات)
وتنطوي هذه المعادلة علي الصيغة التي يمكن إتباعها لإثارة دافعية الكائن الحي وتتمثل هذه الصيغة في عدد من الخطوات نذكرها علي النحو التالي:
أ- دعم السلوك المرغوب، وتجاهل السلوك غير المرغوب تماماً.
ب- تقليل الوقت الفاصل بين إصدار إستجابة مرغوبة وتدعيمها.
جـ- إستخدام مبدأ التدعيم الإيجابي للسلوك المرغوب وفقاً لجداول التدعيم المتغيرة 0
د- تحديد مستوي الإستجابة الخاصة بكل فرد وإستخدام إجراء تشكيل السلوك للحصول علي إستجابة مركبة.
هـ- تحاشي إستخدام العقاب كوسيلة لدفع الفرد إلى أداء سلوك معين 0
3- نظريات الإستثارة الوجدانية :
تقوم هذه الفئة من النظريات علي أساس إفتراض أن أشكال السلوك التي يتجه الكائن الحي إلى القيام بها هي التي تحقق له الإشباع أو تمثل مصدر سرور بالنسبة له، بينما أشكال السلوك التي يتجنبها فهي التي تزعجه أو تمثل مصدر ضيق بالنسبة له، ومن هنا يعد الإنفعال محدداً مهما للسلوك المدفوع أو علي الأقل مصاحباً أساسياً له.
فهذه الفئة من النظريات تتبني موقفا نظرياً مؤداه أن المترتبات الإنفعالية تمثل ملامح جوهرية للسلوك المدفوع. وذلك علي أساس أن مظهر السلوك المؤدي للهدف في مختلف أنواع الدوافع هو بالفعل الإنفعال الإيجابي (السرور) ، وأن مظهر سلوك التجنب هو بالفعل الإنفعالي السلبي الضيق 0
وهناك نظريات عدة قدمت في إطار هذا التصور النظري منها نظرية "سيلجمان" (M. Seligman, 1975) ، ونظرية "ماكليلاند" (D. Mcclelland, 1953). والنظرية الأخيرة هي ما نعرض لملامحها بإختصار علي النحو التالي:
نظرية ملاكليلانـــد:
يعرف ماكليلاند الدافع، في إطار نظريات الإستثارة الوجدانية، بأنه حالة إنفعالية قوية تتميز بوجود إستجابة هدف متوقعة، وتقوم علي أساس إرتباط بعض الهاديات السابقة بالسرور أو الضيق. ولهذا فإن توقع السرور أو الضيق الذي يقوم علي أساس ما حدث في الماضي ، هو المسئول عن حدوث السلوك المدفوع 0
أي أن هذه النظرية تفترض أن الدافع ما هو إلا رابطة إنفعالية قوية تقوم علي مدي توقعنا لإستجاباتنا عند التعامل مع أهداف معينة، وذلك علي أساس خبراتنا السابقة. فإما أن نتوقع بناء علي خبراتنا السابقة أن في التعامل مع الهدف ما يحقق السرور لنا، فيتولد لدينا سلوك الإقتراب، أو نتوقع شعوراً بالضيق والألم، فيتولد سلوك التجنب. ومن ثم يمثل الميل إلى الإقتراب أو التجنب دوافع مكتسبة تقوم علي أساس خبراتنا السابقة إزاء التعامل مع منبهات الحياة 0
4- النظريات المعرفية:
تؤكد النظرية المعرفية علي كيفية فهم وتوقع الأحداث من خلال الإدراك أو التفكير أو الحكم ، مثلما هو الحال في تقدير الإحتمالات أو في إختيار شئ علي أساس قيمة نسبية فأي كائن حي لديه ذاكرة يكون قادراً علي التعرف علي بعض أشكال التشابه بين الماضي والحاضر. ومن ثم يكون قادراً علي توقع المترتبات الناتجة عن سلوكه.
وطبقاً لهذه النظريات المعرفية، ينتظم السلوك المدفوع الهادف من خلال هذه المعارف التي تقوم علي أساس الماضي في علاقته بالظروف الحالية، كما يشمل ذلك التوقعات الخاصة بالمستقبل 0
وهناك أشكال عديدة من النظريات المعرفية التي إهتمت بالدافعية منها "نظرية مستوي الطموح ونظرية توقع القيمة (2)ونظرية التنافر المعرفي 0
والنظرية الأخيرة هي ما نعرض لها بإختصار علي النحو التالي:
نظرية التنافر المعرفي "لفستنجر Festinger ":
وتري هذه النظرية ، طبقاً "لفستنجر" ، أن الأشخاص يسعون إلى تحقيق الإتساق داخل أنساق معتقداتهم، وتحقيق الأتساق بين أنساق معتقداتهم وسلوكهم. ومع ذلك هناك "تنافر" داخل أنساق معتقدات معظم هؤلاء الأشخاص كما يوجد تنافر بين بعض عناصر أنساق معتعقداتهم وسلوكهم.
وعندما يمتد التنافر إلى أشياء تمثل أهمية بالنسبة للأفراد تنشأ لديهم حالة من التوتر وعدم الإرتياح ، يطلق عليها "فستنجر" التنافر المعرفي، وهذه الحالة عندما يشعر الفرد بها تدفعه إلى أن يخفض درجة التنافر أو يستبعده بهدف تحقيق الأتساق. ومن ثم يعد التنافر المعرفي مصدراً للتوتر يؤثر في سلوك الأشخاص.
وفي هذا الإطار تفترض هذه النظرية أن لكل منا عناصر معرفية تتضمن معرفة بذاته ( ما نحبه وما نكرهه وأهدافنا وأشكال سلوكنا)، كما أن لدي كل منا معرفة بالطريقة التي يسير بها العالم من حولنا. فإذا ما تنافر عنصر من هذه العناصر مع عنصر آخر، بحيث يقضي وجود أحدهما منطقياً بغياب الآخر، كأن نعتقد مثلاً في ضرر التدخين في الوقت الذي ندخن فيه بشراهة، حدث التوتر الذي يملي علينا ضرورة التخلص منه.
وهناك أكثر من طريقة يمكن لنا بها خفض التوتر الناتج من التنافر المعرفي، والعودة إلى حالة الأتساق. فأماأن نغير أحد الإعتقادين السابقين، كأن نقلع عن التدخين أو لا نري فيه ضرراً. أو نلجأ إلى طريقة ثالثة نضمن خلالها مع هذين الإعتقادين إعتقاداً ثالثاً أو عنصراً معرفياً ثالثاً مؤداه أن هناك العديد من الأشخاص الذين يدخنون بشراهة، ولم يحدث لهم أي ضرر 0
5- النظريات الإنسانية:
تكمن جذور النظريات الإنسانية في الدافعية في الفلسفة الوجودية التي تؤكد علي الإرادة الحرة للإنسان، وتحديده لأفعاله من خلال عملية الإختيار. وهذه الإختيارات كما يري أصحاب هذا المنحي ليست بالإختبارات المحددة علي نحو ما إفترض بعض المنظرين الآخرين ممن عرضنا لنظرياتهم ( مثل أصحاب النظريات المعرفية ) بل هي إختيارات يصعب التنبؤ بها.
ويضفي المنظرون الإنسانيون أهمية كبري علي الخبرة الشخصية وفينومينولوجية الشخص كما أنهم يركزون علي النمو السيكولوجي للشخص والتوظيف الكامل لإمكاناته. ويتحدد السلوك البشري في ضوء هذه النظريات من خلال مجاهدة الفرد في سبيل تحقيق ذاته، وأن التنبؤ بهذا السلوك محكوم تماماً بمنطق الإرادة الحرة.
وهناك نظريات عديدة قدمت في ظل هذا الإطار النظري منها نظرية "لينج R.Laing " ونظرية "روجز C. Rogers" ونظرية "ماسلو A. Maslow" والأخيرة هي ما نعرض لتفاصيلها علي النحو التالي:
نظرية ماسلو:
صنف ماسلو الدوافع البشرية في إطار نظريته، ونظمها في شكل هرمي متدرج. وقد إستندت هذه النظرية علي عدد من المسلمات نذكر منها ما يلي:
1- تنظيم حاجات الإنسان في شكل هرمي متدرج , يبدأ بالحاجات الفسيولوجية، ثم حاجات الأمن، ثم حاجات الإنتماء، ثم حاجات تقدير الذات ثم حاجات تحقيق الذات، ثم حاجات الفهم والمعرفة0
وهذا التدرج هو تدرج الإلحاح من أجل الإشباع، بمعني أن الحاجات التي تأتي في الصدارة هي التي تستحوذ علي إنتباه الفرد. وتقل بالتالي قدرة الحاجات الأخري علي جذب إنتباهه.
2- يتطلع الفرد دائماً للحصول علي أشياء مختلفة، ومن ثم لا تشبع الحاجات كاملة. فما أن تشبع حاجة، إلا وتخفت أهميتها، وتبرز بالتالي حاجة أخري. وهذه العملية مستمرة ولا تنتهي أبداً، والهدف منها جعل الفرد دائماً في حالة تعبئة مستمرة من الطاقة.
3- تتوقف الحاجة بعد إشباعها عن دفع السلوك، ويتحرك سلوك الفرد عندئذ بتأثير حاجات أخري لم تشبع.
4- تتداخل الحاجات فيما بينها، فما دامت الحاجة لا تختفي عندما تبرز حاجة أخري فإن الحاجات لا تشبع إلا جزئياً 0
وقد حدد "ماسلو" الحاجات الفسيولوجية بأنها تلك التي تكفل بقاء الفرد مثل الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء والنوم ودرجة حرارة معينة. وهذه الفئة من الحاجات هي التي تتصدر قائمة الحاجات المختلفة في حالة عدم إشباعها فمنتهي أمثل الفرد الذي يشعر ببرودة شديدة أن يجد مكاناً دافئاً وللحاجات الفسيولوجية بعض الخصائص المشتركة نذكر منها أنها:
( أ ) مستقلة نسبياً بعضها عن البعض الآخر.
(ب) ترتبط بأجزاء أو مواضع معينة من الجسم.
(جـ) يتعامل معها الكائن الحي في فترات متقاربة حتي تظل مشبعة.
( د ) يستعد لها الكائن الحي بطريقة إرادية.
وحدد ماسلو حاجات الأمن بأنها تتمثل في رغبة الفرد في الحماية من الخطر والتهديد والحرمان والتي قد تأخذ، علي سبيل المثال، شكل الرغبة في التأمين الإقتصادي (توفير وإدخار) ، أو الرغبة العقلية في وجود عالم منظم يمكن التنبؤ بأحواله. وتبرز هذه الحاجات إلى الأمن بعد أن تشبع نسبياً الحاجات الفسيولوجية.
كما حدد حاجات الحب والإنتماء في رغبة الفرد في الإنتماء والإرتباط بالأفراد الآخرين والقبول من جانب الأقران. ويظهر إلحاح هذه الحاجات في تصور "ماسلو" بعد أن يتحقق الإشباع للحاجات الفسيولوجية وحاجات الأمن السابقتين عليها في المدرج الهرمي للحاجات.
وحدد حاجات تقدير الذات بعد ذلك ، في الرغبة في تقدير الذات وتقدير الآخرين لها. ويؤدي إشباع هذه الحاجات إلى تولد الشعور بالقيمة والإقتدار، ويؤدي عدم إشباعها إلى الشعور بالدونية والإنحطاط 0
وحدد أخيراً حاجات تحقيق الذات في رغبة الفرد في تحقيق طاقاته وإمكاناته الكامنة. ويعبر "ماسلو" عن هذا المعني لتحقيق الذات بقوله "أن يكون الفرد ما يستطيع أن يكون".
ويعتمد تحقيق الذات أيضاً علي الفهم أو المعرفة الواضحة لدي الفرد بإمكاناته الذاتية وحدودها. فلا بد أن يعرف الفرد ما يمكن أن يفعله قبل أن يعرف أنه يفعله قبل أن يعرف أنه يفعله بكفاءة وإتقان. وهذه الرغبة تمثل قمة المدرج الهرمي 0
ويمكن تصنيف الحاجات الست التي يتكون منها المدرج الهرمي للحاجات لدي ماسلو في ثلاث فئات عريضة هى الحاجات العقلية والإجتماعية والشخصية 0
(5) أبعاد الدوافع :
نظرتاً لتنوع الدوافع وبنائها كما سبق أن رأينا، يصبح من الضروري تنظيمها عبر عدد من الأبعاد كخطوة مبدئية قبل الإنتقال إلى معرفة أساليب قياسها في الجزء التالي لذلك. وأهم أبعاد الدوافع هو ما يلي:
1- مدة البقاء أو الإستمرار:
تعد الفترة الزمنية لبقاء الدوافع من أكثر الأبعاد وضوحاً في وصفها. فمن ناحية تستمر بعض الدوافع فترة زمنية قصيرة جداً وسرعان ما تنتهي. ومثال ذلك شعور الطالب بأنه في حاجة إلى أن يشكر أستاذه علي إلقائه محاضرة شيقة ومفيدة. ومن ناحية أخري تستمر تستمر بعض الدوافع فترات زمنية طويلة. ومثال ذلك طموح الشخص لأن يصعد السلم الإقتصادي والإجتماعي من خلال نجاحه في المشروعات التجارية والأمور الإجتماعية. وهذه الفئة الأخيرة من الدوافع لها تشعبات سلوكية عديدة، فضلاً عن إستمرارها فترات زمنية طويلة. وبين هاتين الفئتين المتطرفين من الدوافع (قصيرة المدي الزمني وطويلة المدي الزمني) يوجد عدد لا نهائي من أنماط الدوافع التي تتباين درجات بقائها الزمني، وهذه الدوافع هي الأكثر شيوعاً.
2- الطابع الدورى :
والمقصود بها أن دوافع الكائنات الحية تمر بدوره كاملة تبدأ بالحاجة الشديدة إلى إشباع الدوافع، ثم الإشباع وخفض التوتر، ثم الحاجة مرة أخري.
وتعد هذه الخاصية الدورية للدوافع من الخصائص المرئية. ويكون هذا التكرار الدوري أكثر وضوحاً في الدوافع ذات المنشأ الفسيولوجي الداخلي. فكل الكائنات الحية عليها أن تتناول الطعام بصورة منتظمة حتي تستمر علي قيد الحياة، والأمر نفسه بالنسبة للشراب والراحة.. إلخ وهنا يصبح من السهل أن نفهم السبب في أن الدافعية للأكل والشرب خاصية دورية للكائنات الحية.
3- السكون :
ويقصد بهذا البعد أن بعض الدوافع قد تتسم بالسكون بصورة تامة لفترات زمنية طويلة، ثم تعاود الظهور فجأة بقوة كبيرة حينما تصبح الظروف مناسبة. ومثال ذلك، أن الشخص الذي يحقد علي المكانة الإجتماعية التي يتمتع بها مدير الشركة التي يعمل بها ربما يظهر بعض علامات الكراهية له ، أحيانا، لكنه بوجه عام يستطيع أن يضبط دوافعه العدوانية حتي تصبح الظروف مواتية للتعبير عنها (عندما تواجه الشركة بعض الصعوبات المالية، أو عندما يقع المدير في بعض المشكلات مع الإدارة العليا لأي سبب من الأسباب).
وفي هذه الحالة يفترض أن الدافع العدواني إلى إقالة المدير والعمل في وظيفته كان كامنا (ساكنا)، أي لم يفصح عن نفسه في صورة سلوك صريح طوال فترة زمنية معينة.
4- المجال :
ويقصد بهذا البعد أن الدوافع تتباين بصورة كبيرة في المجال الذي تعبر عنه أو في مدي شموليتها، لأنه من الصعب تحديد المجال الحقيقي للدافع من خلال السلوك المدفوع بمفرده. فمحاولة الطفل لإطعام نفسه ربما تحقق له إشباع دافع الجوع (الحاجة للطعام) فقط، وخاصة إذا كانت مساعدة الراشدين له مستحيلة. كما أن هذه المحاولة يمكن أن تعبر، بالإضافة إلى ما سبق ، عن دافعية الطفل العامة لأداء بعض المهام بنفسه، خاصة إذا كانت مساعدة الراشدين له ممكنة. وبالتالي يرفضها مثلما يقوم بدفع يد الشخص الذي يحاول إطعامه تعبيراً عن رفضه للمساعدة 0
(6) قياس الدافعية:
يفضل البعض عرض مقاييس الدافعية في فئتين: مقاييس الدوافع الفسيولوجية، ومقاييس الدوافع السيكولوجية، كل علي حدة، علي أساس أن أساليب القياس المستخدمة في كل فئة من الفئتين تختلف عن بعضها البعض في إجراءاتها. لكن الواقع أن هذا الفصل ربما لا يفيد علي إعتبار أن بعض المقاييس يمكن إستخدامها ونحن بصدد تقويم مستوي الدافعية لدي الفئتين العريضتين من الدوافع. لذلك نفضل أن نعرض لفئات المقاييس المستخدمة في الدافعية بوجه عام، والأمثلة التي سنعرض لها ربما توضح جدوي إستخدام كل مقاييس مع أشكال محددة من الدوافع. وأهم أساليب القياس التي يمكن إستخدامها هي ما يأتي:
1- مقاييس مستوي النشاط العام (المقاييس الفسيولوجية):
ويفترض هنا أن الدوافع القوية تؤدي إلى القلق والتوتر. أي أنه كلما زاد الحاح الدوافع، زاد القلق والتوتر المرتبطان به. أي أن هذه المقاييس تتجه إلى مستوي الإستثارة اللحائية للكائن الحي. وذلك من خلال مؤشرات سرعة التنفس ومعدل ضربات القلب والنشاط الكهربائي للمخ وضغط الدم 0
وبالطبع يستخدم هذا الأسلوب لقياس الدوافع الفسيولوجية. فسرعة دوران الحيوان في القفص أو الصندوق ترتبط بعدد ساعات الحرمان من الطعام 0
ومن الواضح أن هذا الأسلوب ملائم للإستخدام سواء مع الآدميين أو الحيوانات إلا أن المشكلة بالنسبة له هي معامل الإرتباط الضعيف الذي وصلت إليه الدراسات بين هذه الأنشطة المختلفة، علي الرغم من أن الإفتراض الذي يحكم التعامل معها قياسياً، هو أنها تعكس شيئاً واحداً هو مستوي الإستثارة في تعبيره عن شدة الدوافع.
2- المقاييس السيكولوجية الموضوعية:
ولها أكثر من أسلوب منها ما يلي:
( أ ) أسلوب التغلب علي العقبات:
ويستخدم في هذا الأسلوب جهاز معين يسمي "جهاز العقبة". ويتكون هذا الجهاز من حجرتين بينهما ممر. وتزود أرضية هذا الممر الموصل بين الحجرتين بشبكة كهربائية أو مادة موصلة للحرارة. ويوضع الحيوان في إحدي الحجرتين، ويحرم من حاجة من حاجاته الفسيولوجية، وتوضع له في الحجرة الأخري المادة الخاصة بإشباع هذه الحاجة ثم توصل أرضية الممر بمصدر كهربائي أو حراري وتقاس بالتالي شدة الدوافع بقدر الألم الذي يتحمله الحيوان في عبور الممر الكهربائي أو الساخن.
وقد تبين أن الدوافع تختلف في شدتها، حيث كانت الحاجة إلى الماء أقوي من الحاجة إلى الطعام والأخيرة أقوي من الحاجة الجنسية 0
(ب) أسلوب التفصيل:
ويقوم هذا الأسلوب علي أساس إفتراض أن الكائن الحي يثار لديه أكثر من دافع في الوقت نفسه، وبالتالي إذا ما أتيحت له فرصة إشباع أحد دافعين فقط، فإن ذلك يعني أن الدافع المفضل هو الأكثر إلحاحا , فإذا أخذنا فأرة جوعانة ونعطيها الخيار بين الطعام وبين العودة إلى صغارها، سنتين أن نتيجة الإختيار هي التي تشير إلى أي الحافزين أقوي 0
(جـ) أسلوب معدل أداء الأفعال المتعلمة:
ويقوم هذا الأسلوب علي إفتراض وجود علاقة إيجابية بين الإستجابة المتعلمة ودرجة دافعية الكائن الحي. وبالتالي يركز الأسلوب علي قياس قوة الإستجابة المتعلمة كما تتمثل في السرعة التي تؤدي بها ومقاومتها للخمود وسعتها وكمونها (الفترة الزمنية التي تنقضي بين صدور التنبيه وبداية الإستجابة).. إلخ.
ورغم كفاءة الأساليب الموضوعية السابقة، إلا أنها تتأثر بالخبرة السابقة للكائن الحي الذي تطبق عليه. كما أن ثباتها منخفض. وبالتالي يجب إستخدامها بحذر وخاصة حينما نطبقها علي الآدميين.
3- ملاحظة السلوك ودراسة الحالة:
ويلجأ هذا الأسلوب إلى ملاحظة الطريقة التي يسلك بها الأشخاص في مواقف عديدة في حياتهم الفعلية. وكيفية مواجهتهم لمتطلبات حياتهم وأهم الدوافع التي تثير إهتمامهم وأهمية كل منها بالنسبة لهم. لكن لنا أن نبين مدي الصعوبة العملية لهذا الأسلوب والمشقة التي يمكن أن تواجه الباحثين الذين يستخدمونه 0
4- مقاييس التقرير الذاتي:
وهي أوسع المقاييس إنتشاراً، ولها أكثر من شكل. وأهم شكل منها هو ما يطلق عليه "إستخبارات الشخصية". وفيها يطلب من الأشخاص الإجابة عن بعض الأسئلة التي يعكس بعضها الدافعية العامة للشخص والبعض الآخر يركز علي دوافع محددة. وهناك إستخبارات شهيرة في هذا الميدان لقياس الدافعية العامة نذكر منها ما يلي:
( أ ) إستخبار الدافعية العامة من بطارية جيلفورد للشخصية .
(ب) إستخبار لن Lynn للدافعية.
وفي هذين الإستخبارين يختار المبحوث إجابة واحدة للبند نعم أولاً طبقاً لتعبير مضمون البند عنه.
(جـ) إستخبار التفصيلات الشخصية لادواردز Edwards
وفي هذا الإستخبار الذي يمثل 16 حاجة من حاجات "مواري Murray" يختار المبحوث عبارة واحدة عن عبارتين كل منها يعبر عن حاجة معينة، أي أنه يختار العبارة التي تعبر عن حاجة أكثر إلحاحاً بالنسبة له.
كما توجد بعض الإستخبارات التي تقيس دوافع محددة نذكر منها ما يلي ، وهي جميعها من بطارية كاليفورنيا للشخصية:
( أ ) إستخبار الدافعية للإنجاز.
(ب) إستخبار الدافعية للإستقلال.
(جـ) إستخبار السيطرة.
وتعد الإستخبارات من أيسر أساليب القياس، إلا أنه يعاب عليها أنها لا تمس إلا الجوانب الشعورية فقط التي يستطيع الأشخاص التعبير عنها، وأن محكات صدقها الواقعية ضئيلة، وأن المبحوث يستطيع تزييف إجاباته عليها.
5- المقاييس الإسقاطية:
ويطلب من الشخص في هذا النوع من المقاييس أن يستجيب لمنبه غامض، علي أساس إفتراض أن حاجات الشخص النفسية سوف تؤثر علي الطريقة التي يدرك بها المثيرات الغامضة، وأنه سوف يسقط دوافعه علي هذه المثيرات. كما تفترض أنه ليس من المهم أن تكون دوافعه علي مستوي شعوري أولا شعوري، لأن الفرد يظل غير واع بما تكشف عنه إستجاباته: ومن أمثلة هذه المقاييس ما يلي:
( أ ) إختبار الرورشاخ لبقع الحبر.
(ب) إختبار تفهم الموضوع.
في إختبار تفهم الموضوع، علي سبيل المثال يطلب من المبحوث أن يقوم بكتابة قصة لبعض الأشكال المرسومة علي بطاقات. وهنا يتحدد مستوي إنجاز الشخص طبقاً للموضوعات التي أضفاها علي الصور. وقد أجريت دراسات عديدة بإستخدام هذا المقياس ربط الباحثون فيها بين الدافعية للإنجاز وغيره من المتغيرات الأخري.
لكن يعاب علي هذه المقاييس إنخفاض كفاءتها السيكومترية من حيث معاملات الثبات ومحكات الصدق المستخدمة فيها.

.................................................. ............












الفصل الرابع
الانفعالات : لا تمضي حياة الإنسان علي وتيرة واحدة وعلي نمط واحد، وإنما هي مليئة بالخبرات والتجارب المتنوعة التي تبعث فيها مختلف الإنفعالات والحالات الوجدانية. فالإنسان يشعر بالحب حينا، وبالبغض والكره حيناً آخر. وهو يشعر بالخوف والقلق تارة، وبالأمن والطمأنينة تارة أخري. ويشعر بالفرح بعض الوقت، وبالحزن والكآبة في بعض الأحيان. وهكذا نجد أن حياة الإنسان في تقلب مستمر وتغير دائم. وهذا لا شك يضفي علي الحياة جزءاً كبيراً مما لها من قيمة وما لها من متعة. فبدون هذه الحالات الوجدانية والإنفعالات المختلفة تصبح حياة الفرد مملة لا متعة فيها. وتصبح شبيهة بحياة الجماد الذي لا يحس ولا يشعر ولا ينفعل 0
(1) تعريف الانفعال :
رغم أن مفهوم الإنفعال من المفاهيم الشائعة في مجال علم النفس، فلا يوجد تعريف واحد يعترف به جميع المتخصصين في مجال علم النفس فهو كما يري بول توماس يونج P. T. Young يتمثل في عملية ذات طبيعة مركبة، إلى درجة أنه لا بد من تحليله إلى أجزاء من مختلف وجهات النظر (Young, 1961) ففي الكتابات القديمة لبعض العلماء أمثال فونت Wundt ، وماكدوجل Mcdougall وغيرهم كان ينظر إلى الإنفعال كحدث شعوري، وتركزت المشكلات الأساسية حول العلاقة بين الإنفعال الشعوري وبين تعبيرات الجسمية. ثم تلا ذلك مباشرة إهتمام علماء النفس بالمظاهر الموضوعية للإنفعال. فيجب أن يميز المرء بين الموقف الذي يثير الإنفعال وبين رد الفعل الحادث. فالأرجاع الإنفعالية نفسها مظاهر داخلية وخارجية علي السواء 0
ويستخدم البعض من السيكولوجيين مفهوم الإنفعال علي أنه عبارة عن نماذج إنعكاسية معينة للإستجابة (مثل الغضب، والخوف، والفرح… إلخ). تتصل بالمراكز العصبية في منطقة الهيبوثلاموس. ويستخدم البعض الآخر نفس المفهوم بشكل أوسع، وذلك علي أنه: إضطراب حاد ناشئ عن موقف سيكولوجي، ويظهر في الخبرة الشعورية وفي السلوك، ومن خلال التغيرات في الأعضاء الحشوية الداخلية 0
فالإنفعال يشير إلى ما يتعرض له الكائن الحي من تهيج أو إستثارة تتجلي فيما يطرأ عليه من تغيرات فسيولوجية، وما ينتابه من مشاعر وأحاسيس وجدانية، ومن رغبة في القيام بسلوك يتخفف به من هذه الإستثارة، وسواء كان مصدر الإستثارة الإنفعالية داخلياً أو خارجياً فهو وثيق الصلة بحاجات الكائن 0
ويعرف ميلفن ماركس (Marx, 1976 ) الإنفعال بأنه "إضطراب حاد يشمل الفرد كله، ويؤثر في سلوكه، وخبرته الشعورية وظائفه الفسيولوجية الداخلية، وينشأ في الأصل عن مصدر نفسي". وهو إضطراب حاد لأنه يتميز بحالة شديدة من التوتر والتهيج العام، ولأنه أثناء الإنفعال تتوقف جميع أنواع النشاط الأخري التي يقوم بها الفرد، ويصبح نشاطه حول الشئ أو الموقف الذي أثار غضبه. كما أنه يؤثر في جميع كيان الفرد سواء سلوكه أو خبرته الشعورية، أو الوظائف الفسيولوجية الداخلية – كما سنعرض فيما بعد. وينشأ الإنفعال في الأصل عن مصدر نفسي لأنه يحدث نتيجة إدراك بعض المؤثرات الخارجية أو الداخلية.
ويتسق ذلك مع تعريف يونج P.T. Young للإنفعال بأنه "حالة وجدانية تتسم بالإضطراب الشديد لدي الفرد وأنه يشتمل علي ثلاثة مظاهر أساسية هي: السلوك، والخبرة الشعورية، والعمليات الفسيولوجية الداخلية" 0
ويمكن تصور الإنفعالات علي أنها تتضمن جانبين: الأول المشاعر الذاتية , والثاني: الإستجابات الموضوعية.
الجانب الأول: المشاعر الذاتية: حيث تعتبر الحالات الإنفعالية مثل الغضب والسرور خبرة ذاتية يشعر بها الفرد. ويمكن معرفتها وتحديدها من خلال التقارير اللفظية التي يصف الأفراد من خلالها إنفعالاتهم.
الجانب الثاني: الإستجابات الموضوعية: نظراً لأن هناك صعوبات في الحصول علي تقارير لفظية دقيقة لوصف مشاعر الأفراد،ه يفضل دراسة الإستجابات الموضوعية. وذلك سواء من خلال مشاهدة المظهر أو الملامح الخارجية للجسم، أو من خلال تسجيل الإستجابات الداخلية (مثل ضغط الدم، ضربات القلب، التنفس، رسام المخ الكهربائي).. إلخ.
الإنفعال والدوافع :
كثيراً ما يخلط الباحثون بين هذين المفهومين. فقد عرف ستاجنر وكاروسكي الإنفعال بأنه "شكل ثانوي من أشكال السلوك، ويعد مظهراً ثانوياً للدوافع" 0
وينظر بعض الباحثين إلى الدوافع كنتيجة مترتبة علي ظهور الإنفعالات حيث يدفع الإنفعال الإنساني إلى القيام بإستجابات توافقية معينة. فالخوف مثلا يدفع الطفل إلى الجري والهرب. والخوف من الإمتحان يدفع التلميذ إلى بذل مزيد من الجهد في إستذكار دروسه. والغضب يدفع الفرد إلى العدوان والمقاتلة. فالإنفعال إذن يولد دافعاً.
كما نجد أيضاً أن بعض الدوافع يمكن أن يترتب عليها ظهور إنفعالات معينة. فدافع الجوع مثلا يكون مصحوباً بحالة وجدانية مكدرة. والدافع الجنسي يكون مصحوباً بحالة وجدانية سارة 0
والسؤال الآن : ما هو الفرق بين الإنفعالات والدوافع؟
في الواقع لا يوجد تمييز قاطع وحاسم بين الإنفعالات والدوافع. إلا أن أهم الأسس التي يمكن من خلالها التمييز بينهما تتمثل فيما يأتي:
( أ ) تستثار الإنفعالات عادة بواسطة منبهات خارجية. في حين تستثار الدوافع غالباً بواسطة منبهات داخلية.
(ب) عندما نتحدث عن الإنفعالات يتركز إهتمامنا حول الخبرات الذاتية والوجدانية المصاحبة للسلوك. في حين أنه عندما نتحدث عن الدافعية نركز إهتمامنا عادة علي النشاط الموجه نحو الهدف 0
وقد ميز الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون H. Bergson بين الإنفعال والدافعية علي أساس نوع ومستوي الإنفعال السائد في كل منهما:
فالمستوي الأول: يمثل الإنفعالات التي يهتم بدراستها علماء النفس تحت هذا الإسم عادة، وهو عبارة عن : فورة مفاجئة تحدث للحساسية بتأثير تصور عقلي معين، أي أن هذا الإنفعال ناتج عن تصور عقلي ( أو إدراك لمشكلة معينة) يعقبه إنفعالات.
وهذا النوع من الإنفعال هو الذي يتجه إليه تفكيرنا عند المقابلة بين الحالات الوجدانية والحالات العقلية. وهذا النوع من الإنفعالات أدني من العقل , لأنه إذا خضعت الحالة العقلية لتأثير الحالة الإنفعالية فإنها تفقد كفاءتها.
أما المستوي الثاني: مستوي الدافعية:
فيطلق عليه برجسون إسم "إنفعال أسمي من العقل , ولا يعني من هذا سمو مرتبته فحسب، بل يعني كذلك السبق في الزمان علي التصور العقلي سبق السبب علي النتيجة، إنه عبارة عن حالة وجدانية (هادثة ومستمرة لمدة طويلة غالباً) ملأي بالتصورات العقلية. وهذه التصورات وإن لم تكن تامة فإن هذا النوع من الإنفعالات (الواقعية ) يجذب جوهرها أو يمكن أن يجذبه عن طريق ما يتيحه لها من نموي عضوي.
ويري برجسون أن هذا النوع من الإنفعال (أو الواقعية ) هو الذي يمكن أن يؤدي إلى أفكار إبداعية 0
كما يتميز السلوك الإنفعالي علي أنواع السلوك الأخري بالآتي:
( أ ) السلوك الإنفعالي سلوك مضطرب وغير منظم.
(ب) ينشأ في موقف نفسي.
(جـ) يصاحبه تغيرات فسيولوجية داخلية بواسطة الجهاز العصبي اللاإرادي.
( د ) يتميز السلوك الإنفعالي – سواء كان ذاتياً أو موضوعياً_ بأنه أكثر شدة أو حدة وجداني0
(2) – أبعاد الإنفعالات:
تمثلت جهود علماء النفس في محاولة التوصل لأهم الأبعاد التي يمكن وصف الإنفعالات علي أساسها في الأبعاد الأربع التالية:
1- النبرة أو الطابع الوجداني0
2- الشدة 0
3- مدة الإنفعال.
4- التعقيد أو التركيب 0
ونعرض فيما يلي لكل بعد من هذه الأبعاد الأربعة:
1- النبرة أو الطابع الوجداني:
يعد الطابع الوجداني المتمثل في مشاعر وجدانية مثل ( السرور-الكدر) من أهم الخصائص التي تتميز بها الإنفعالات. وعلي الرغم من أن الكائن ينجذب إلى النوعيات السارة من الإنفعالات وينفر أو يبتعد عن النوعيات غير السارة – فإنه ليس من السهل دائماً أن نميز بدقة ويشكل قاطع بين هذين النوعين وخاصة في حالات الإستثارة الإنفعالية المعتدلة 0
2- الشــدة:
تظهر شدة الإنفعال أو قوته بوضوح في زيادة الطاقة المبذولة في العمليات الثلاث المكونة للإنفعال: ( الشعور أو الخبرة الشعورية أو الوعي، والسلوك الصريح، والإستجابات الفسيولوجية). وتتسم العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة بأنها غير متسقة. حيث تختلف في درجة شدتها أو قوتها في الإنفعال الواحد. كما تختلف من إنفعال لآخر.
3- مدة الإنفعال:
تختلف الإستجابات الإنفعالية في الفترة الزمنية التي تستغرقها. فالإستجابة للألم من مستوي معين – علي سبيل المثال – قد تكون بسيطة ووقتية وليس لها آثار واضحة كما قد تكون مبالغ فيها 0
ويري توماس يونج T. Young أنه يمكن تصور الإنفعالات كأحد العمليات الوجدانية في ضوء عدة مستويات تختلف من حيث طول الفترة الزمنية:
المستوي الأول: حيث تواجد المشاعر الحسية البسيطة (الإيجابية-السلبية) ، وتشتمل علي نوعين: حالات السرور، أو الكدر.
المستوي الثاني: المشاعر التي تتسم بالإستمرار والدوام عن المستوي السابق.
المستوي الثالث: الإنفعالات: وتشير إلى العمليات الوجدانية المضطربة التي تنشأ عن مصدر نفسي. ويصحبها عدة تغيرات في جسم الكائن. ومنها الغضب الشديد ، والخجل والحزن والفرح.
المستوي الرابع: الحالة المزاجية :
ويشير إلي الحالة الإنفعالية الأقل إضطراباً من الإنفعال وأقل شدة منه، إلا أنها أكثر إستمراراً أو بقاء من الإنفعال. فيمكن أن يستمر لعدة ساعات أو أيام أو أسابيع فالشخص متغير المزاج يعبر نمطاً عن إنفعالاته في سلوكه العام (مثل الإكتئاب، القلق، المرح) فالإنفعالات إذن حالة حادة من الإضطراب. أما المزاج فهو حالة مزمنة.
المستوي الخامس: الوجدان :
ويستخدم هذا المفهوم في كل من الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي، ومنه حالات الإكتئاب الشديدة، القلق، الهوس، الشعور بالنشوة 0
المستوي السادس – العواطف :
وهي عبارة عن مشاعر تقوم علي أساس الخبرات والمعارف الماضية. ويتضمن هذا المستوي تحقيق درجة من الرضا وإشباع الرغبات أو عدمها. وذلك عند العمل في مجال معين (كالموسيقي، أو الفن، أو الشعر.. إلخ).
المستوي السابع- الإهتمام والمنفرات :
ويشتمل هذا المستوي علي الإهتمامات والأنشطة التي يحبها الفرد ويستغرق في ممارستها وقتاً طويلاً. كما يشتمل علي المنفرات، وهي الأنشطة التي لا يحبها الفرد ويحاول تحاشيها والإبتعاد عنها كلما أمكن.
المستوي الثامن – المزاج كسمة :
وعندما نتحدث عن هذا المستوي مقصد به أن هناك نمطاً إنفعالياً مزمناً أو سمة من سمات الشخصية، تتسم بقدر كبير من الإستقرار والثبات. وتظهر في العديد من تصرفات الفرد وسلوكياته.
وعلي الرغم من أن هناك تداخلاً بين الإنفعالات وبعض المفاهيم الأخري إلا أن الشئ الواضح هو أن الإنفعال: عملية إنفعالية تتميز عن الجوانب الأخري بأنها حالة حادة من الإضطراب الوجداني التي تستغرق فترة زمنية قصيرة 0
4-التعقيد أو التركيب:
تتسم الإنفعالات بأن هناك علاقات وإرتباطات فيما بينها. لذلك يصعب الفصل بينها. فلا يمكننا مثلا أن نحدد بدقة حالة نقية تماماً من الخوف فقط أو الغضبط فقط.
ولذلك فإن محاولة تصنيف الإنفعالات هي الخطوة الأولي نحو تبسيطها والوقوف علي كل نوع منها وتحديد مظاهره والتغيرات المصاحبة له. وهذا ما سنتناوله في الفقرة التالية:
(3) تصنيف أنماط الإنفعالات:
تعد المسميات اللفظية للإنفعالات- فيما يري ميلفن ماركس- غير كافية لإبراز ملامحها وأبعادها. ويقترح تقيماً للأنماط الرئيسية للإنفعالات في ضوء فئتين:
الأولي: وتختص بالمنشأ أو أصل الإنفعالات.
الثانية: وتختص بموضوع الإنفعال.
وبإستخدام هذا المحك كأساس للتصنيف يمكننا أن نميز بين مصدرين رئيسيين للإنفعالات هما : المواقف، والكائنات الحية ( وخاصة الآدميين)، ثم عمل بعض التصنيفات الفرعية طبقاً لموضوعات الإنفعال التي تندرج في كل فئة علي حدة.
1- الإنفعالات الموقفية :
ويستثار هذا النوع من الإنفعالات عن طريق الآثار الحسية المباشرة للمنبهات أو بواسطة الدافعية طويلة المدي، أو خصائص الموقف. ويظهر الأساس الحسي للإنفعال بوضوح في حالات الشعور بالألم. فالمنبه الشديد أو الإجهاد الذي يؤثر علي بناء الجسم وخاصة في الأجزاء السطحية منه – يحاول الفرد التخلص منه والإبتعاد عنه في حين أن إستجابة الألم التي تؤدي إلى الغضب (الهجوم) أو الخوف (الهروب ) تعتمد علي طبيعة الموقف ووعي الفرد بها.
2-الإنفعالات الأولية :
تستثار معظم الإنفعالات بنفس الطريقة التي يدرك بها الكائن مختلف المواقف والمنبهات. وتنقسم الإستجابات الإنفعالية الأولية إلي أربعة أنماط أساسية هي: السعادة والأسي، والخوف، والغضب.
ونعرض لها علي النحو الآتي:
( أ ) السعادة :
إستجابة السرور أو السعادة هي نتائج إرضاء دافع ما. وكلما كان الدافع قوياً أو عميقاً بالنسبة للفرد كان أكثر كفاءة علي بعض السرور لديه. ويظهر هذا النوع من الإنفعالات في أشكال مختلفة (كالفرح الشديد أو النشوة).
(ب) الأســـى :
وفي نهاية المتصل الوجداني للسرور نجد ما نسميه بإنفعال الأسي. والذي ينتج عن فقدان هدف ما أو موضوع مرغوب. وقد يصل هذا النوع من الإنفعالات بالفرد إلى حالة متطرفة فيصاب بالإكتئاب.
(جـ) الخوف :
يقع الخوف أيضاً في نهاية المتصل الوجداني للسرور أو السعادة. ولكنه ليس مقابلاً لها. ويعد الخوف إستجابة متعلمة تتوقف علي ما إكتسبه الفرد من خبرات ومعارف.

ويؤدي إنفعال الخوف وظيفة بيولوجية هامة. فهو يدفع الفرد إلى الهرب من الخطر والحذر منه فيعينه علي حفظ حياته. غير أنه كثيراً ما يتجاوز الخوف هذه الوظيفة المفيدة فيصبح سبباً لإلحاق الضرر بحياة الفرد. وإنفعال الخوف هو إنفعال مكتسب، فقد دلت التجارب التي قام بها واطسون علي أن الطفل الصغير لا يكاد يخاف إلا من الأصوات الشديدة المفاجئة. فهو لا يخاف الظلام أو النار أو الثعابين أو القطط أو الكلاب أوغير ذك من الأشياء التي قد يخافها الكبار. ثم يتعلم الطفل فيما بعد الخوف من أشياء كثيرة لم يكن يخافها من قبل 0
ويتفاوت الخوف كثيراً من شخص لآخر ومن حضارة لأخري. ويلاحظ أنه يستثار بتنبيه خارجي، وليس من جراء حاجة داخلية تلقائية، فعندما يواجه الكائن منبهاً مؤلماً تحدث إستجابة إنسحاب ، وفيما بعد قد يسبب مجرد إقتراب المنبه المؤلم الإنسحاب، ويقول الشخص بأنه يشعر بالخوف. وهذا يوحي بأن الخوف إستجابة متعلمة. وتتوقف علي الخبرة الماضية. وينمو شعور الطفل بالخوف من عمر لآخر فهو يرتبط أول الأمر بالواقع. ذلك أن الطفل عندما يتعلم المشي يتعرض لسقطات مؤلمة. وهكذا ينمو لديه خوف يبرزه الواقع. ومع تزايد نضج الطفل يتعلم عادة أنه كفيل بالتعامل مع هذه التهديدات ويختفي الخوف. والخوف كأحد أنواع الإنفعالات يتضمن حالة من حالات التوتر التي تدفع الخائف إلى الهرب من الموقف الذي أدي إلي إستثارة الخوف حتي يزول التوتر ويزول الإنفعال 0
ويصاحب إنفعال الخوف بعض التغيرات الفسيولوجية مثل سرعة خفقان القلب والإحساس بالهبوط في المعدة، والرعشة وتصيب العرق، والقىء 0
( د ) الغضب:
يقوم إنفعال الغضب بفائدة هامة للفرد، فهو يزيد من نشاطه ويدفعه في بعض الأحيان إلى القيام ببعض الأعمال العنيفة لإزالة ما يعترضه من عوائق. ولكن كثيراً ما يشتد إنفعال الغضب ويصعب علي الشخص التحكم فيه فيؤدي إلى بعض النتائج الضارة أو السلبية. ويظهر هذا النوع من الإنفعالات نتيجة عوامل وظروف عدة منها الحرمان أو المنع. فأول ما يثير غضب الأطفال هو شعورهم بالعجز عن تحقيق أغراضهم ورغباتهم. كما يثير غضب الأطفال الشعور باالحرمان من حب الوالدين وعطفهما 0
يتضح مما سبق أن كلا من إنفعال الخوف والغضب ينشأ نتيجة إحباط لبعض الدوافع الأساسية للكائن الحي. فالخوف يحدث إذا إعترضت الكائن الحي بعض العقبات وحالت بينه وبين تحقيق رغباته. ويؤدي الإنفعال في كل من حالتي الخوف والغضب إلى زيادة النشاط الذي يمكن إستخدامه في مواقف الخطر المخيفة أو في إزالة العقبات التي تعوق الفرد من الوصول إلى رغباته.
ويرتبط نضج الشخص بقدرته علي التحكم في إنفعال الغضب الذي يفقده القدرة علي حسن مواجهة الموقف 0
3- الإنفعالات الإجتماعية :
وتنقسم إلى فئتين رئيستين:
الأولي: وتختص بالذات المرجعية (كالفخر والخجل والشعور بالذنب)
الثانية: وتتعلق بالتفاعل مع الآخرين ( كالحب والكراهية).
ويبدو أن هناك درجة كبيرة من التداخل بين الإنفعالات الإجتماعية والإنفعالات الموقفية. ويعتمد هذا الفصل علي الشخص أو الأشخاص في المواقف المعين أكثر من إعتماده علي الموقف في حد ذاته. ولأن تقسيمنا للإنفعالات يهدف إلى الشرح والتفسير وليس نتيجة بحوث أو دراسات أجريت في هذا الصدد- ولذلك فهو فصل تعسفي. وتنقسم الإنفعالات الإجتماعية إلى فئتين:
( أ ) إنفعالات تقدير الذات :
حيث تعد قدرة الفرد علي تقييم ذاته من أكثر الجوانب المركزية في بنائه السيكولوجي، وعملية تقدير الذات هي عملية دالة للمتغيرات الشخصية والإجتماعية العديدة ومن هذه المتغيرات: المستوي الأكاديمي أو الأخلاقي، والثقافي، والإقتصادي والإطار الحضاري. ويؤثر في عملية تقدير الفرد لذاته كل من الشعور بالذنب والخزي ، والندم 0
ويشير الخزي إلى حالة منخفضة من تقدير الذات. أما الشعور بالذنب فيشير إلى إستجابة إنفعالية أكثر إرتباطاً بإنتهاك المعايير والقواعد الأخلاقية. أما الندم فهو حالة أكثر وضوحاً وإمتداداً للشعور بالذنب. وتختلف هذه الحالات الإنفعالية من ثقافة لأخري.
(ب) الإنفعالات الخاصة بالعلاقات بين الأشخاص:
يمتد المتصل الوجداني من أقصي درجات المشاعر الإيجابية إلى أقصي درجات المشاعر السلبية. ويجب ألا يقتصر تعاملنا فقط علي هذين القطبين: الحب- الكراهية. فالحب كحالة إنفعالية يترتب عليه المزيد من الإتصال والتفاعل مع الأفراد الآخرين. ويجب تصوره في ضوء أنواعه المختلفة: كالحب الرومانسي وحب الوالدين.. إلخ.
أما الكراهية فهي حالة إنفعالية يترتب عليها النفور والبعد عن الآخرين. وهناك درجات مختلفة لكل من الحب والكراهية. وترتبط درجة إستمرار أو دوام أي منهما بحضور أو غياب هدف الأفراد ونعرض لكل من النوعين علي النحو الآتي:
الحـــب:
ويتضمن تركيز مشاعر الفرد في شخص أو شئ معين. كما أنه يؤدي إلي توجيه نشاط نحو التقرب من هذا الشخص أو نحو الحصول علي هذا الشئ. وينمو إنفعال الحب من عمر لآخر، فلا يستطيع الطفل الرضيع في أول الأمر أن يميز بين نفسه وبين العالم المحيط به. لذلك نجد أن جميع خبراته الأولي تكون مركزة حول ذاته فهو يشعر باللذة من الإحساسات المختلفة الصادرة من بدنه. وحينما يتمكن من التمييز بين نفسه وبين العالم المحيط به يتجه حبه نحو الأشخاص والأشياء الأخري في هذا العالم ، فهو يتجه في البداية إلي أمه لأنها مصدر سروره وراحته دائماً. ثم يتجه حبه بعد ذلك ليشمل كلا من الأب والإخوة وبقية أفراد الأسرة. كما يتعلق حبه ببعض الأشياء المادية (كاللعب والملابس وغير ذلك).
ويسير حب الغير وحب الذات جنباً إلي جنب في معظم الأوقات ولكن بدرجات متفاوتة ففي بعض الأحيان نشاهد حب الغير قد إشتد إلى درجة كبيرة جدا، فيضحي الأفراد بأنفسهم وبأعز ما يملكون في سبيل الغير والمصلحة العامة. كما أننا قد نشاهد العكس من ذلك فنجد بعض الأفراد الأنانيين الذين يريدون كل الخير لأنفسهم فقط.
وفيما بين هذين الطرفين المتقابلين يقع معظم الناس الذين يستطيعون أن يوفقوا بينحبهم للغير وحبهم لأنفسهم وللحب دور كبير في حياة الإنسان، فهو يساعد علي نمو شخصيته نمواً طبيعياً سوياً. فيبعث فيه الإحساس بالأمن والطمأنينة 0
أما الكراهية فمثلها مثل الحب تماماً طاقة إنفعالية كبيرة. وتظهر في المواقف التي تثير مشاعر سلبية تجاه الأفراد والأشياء أو الأماكن. والجوهر الأساسي في إنفعال الكراهية يتضمن الرغبة في تحطيم الشئ المكروه. ذلك أنه يختلف عن مجرد عدم الرغبة في الشئ فنحن عندما نرفض شيئاً مالا يعني بالضرورة أننا نكرهه. ويقتصر سلوكنا في هذه الحالة علي تجنبه. أما الكراهية فتتضمن الرغبة في تحطيمه والإبتعاد عنه تماما 0
الإنفعالات في التراث العربي:
إننا نجد في التراث العربي تمييزاً واضحاً بين الأنواع المختلفة من الإنفعالات كما نجد أيضاً تمييزاً بين درجات كل نوع منها علي حدة. ويتضح ذلك مما يأتي:
( أ ) التمييز بين أنواع الإنفعالات:
يميز علماء اللغة بين السرور والفرح، فالسرور لا يكون إلا بما هو نفع أو لذة علي الحقيقة. وقد يكون الفرد بما ليس بنفع ولا لذة كفرح الصبي بالرقص والسباحة وغير ذلك مما يتعبه ويؤذيه ولا يسمي ذلك سروراً. ونقيض السرور الحزن ومعلوم أن الحزن يكون بالمرازي فينبغي أن يكون السرور بالفوائد وما يجري مجارها من الملاذ، ونقيض الفرح الغم. وقد يغتم الإنسان بضرر يتوهمه من غير أن يكون له حقيقة، وكذلك يفرح بما لا حقيقة له كفرح الحالم بالمني وغيره، ولا يجوز أن يحزن ويسر بما لا حقيقة له.
كما يميز علماء اللغة بين الهم والغم، في أن الهم هو الفكر في إزالة المكروه وإجتلاب المحبوب، وليس هو من الغم في شئ. والغم معني ينقبض القلب معه ويكون لوقوع ضرر قد كان أو توقع ضرر يكون أو يتوهمه، وقد سمي الحزن الذي تطول مدته حتي يذيب البدن هما.
أما الفرق بين الحزن والكآبة فيتمثل في أن الكآبة هي أثر الحزن البادئ علي الوجه. ومن ثم يقال عليه كآبة ولا يقال عليه حزن. فالحزن لا يري ولكن دلالته علي الوجه 0
(ب) التمييز بين درجات الإنفعال:
يميز أهل البلاغة بين أنواع ودرجات من الإنفعال المتقاربة، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
فالسرور أول مراتبه: الجذل والإبتهاج ثم الإستبثار، وهو الإهتزاز. (وفي الحديث إهتز العرش لموت سعد بن معاذ) ثم الإرتياح والإبرنشاق، (ومنه قول الأصمعي، حدثت الرشيد بحديث كذا فابرنشق له)، ثم الفرح ، وهو كالبطر من قوله تعالي: (لا يحب الفرحين). ثم المرح، وهو شدة الفرح، من قوله عز ذكره (ولا تمش في الأرض مرحاً).
الحب : أول مراتبه: الهوي ، ثم العلاقة : وهي الحب اللازم للقلب. ثم الكلف: وهو شدة الحب،
ثم العشق: وهو إسم لما فضل عن المقدار الذي أسمه الحب.
ثم الشعف: وهو إحراق الحب القلب مع لذة يجدها،
ثم الشغف: وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب.
ثم الجوي: وهو الهوي الباطن،
ثم التيم: وهو أن يستعبده الحب.
ثم التبل : وهو أن يسقمه الهوي،
ثم التدلية: وهو ذهاب العقل من الهوي.
ثم الهيوم: وهو أن يذهب علي وجهه لغلبة الهوي عليه.
الحـــزن:
1- الكمد: حزن لا يستطاع إمضاؤه.
2- البث: أشد الحزن.
3- الكرب: الغم الذي يأخذ النفس.
4- الدم : هم في ندم.
5- الأسي واللهف: حزن علي الشئ يفوت.
6- الوجوم: حزن يسكت صاحبه.
7- الأسف: حزن مع غضب.
8- الكآبة: سوء الحال والإنكسار مع الحزن.
9- الترح: ضد الفرح.
العــداوة: البغض ، ثم القلي، ثم الشنآن ، ثم الشنف، ثم المقت، ثم البغضة، وهو أشد البغض، فأما الفرك، فهو بغض المرأة زوجها، وبغض الرجل إمرأته لا غير.
الغضب: أول مراتبه: الشخص، وهو خلاف الرضا.
ثم الآخر نظام، وهو الغضب مع تكبر ورفع الرأس.
ثم البرطمة ، وهي غضب مع عبوس وإنتفاخ.
ثم الغيظ ، وهو غضب كامن للعاجز عن التشفي.
ثم الحرد ، (بفتح الراء وتسكينها) وهو أن يغتاط الإنسان فيتحرش بالذي غاظه ويهم به.
ثم الخنق، وهو شدة الإغتياظ مع الحقد.
ثم الإختلاط، وهو أشد الغضب.
تسمية الإنفعالات:
علي الرغم من وجود صعوبة في تحديد مسميات الإنفعالات والتمييز الدقيق بينها إلا أن هناك محاولات مختلفة للتغلب علي ذلك، يمكن تلخيصها في ثلاثة مناحي.
1- حيث يسأل مجموعة من الخبراء لإقتراح المسميات الملائمة لأنواع مختلفة من الإنفعال.
2- تقدم قائمة ( بها حصر شامل لعدد من الإنفعالات) لمجموعة من الأشخاص (العاديين) ويطلب منهم تسميتها.
3- الأخذ بالمنجيين الأول والثاني، وحساب الإتساق الداخلي بينهما0
(4) – مظاهر الإنفعالات والتغيرات المصاحبة لها:
يمكن تقسيم التغيرات المصاحبة للإنفعال إلى نوعين رئيسيين.
1- التغيرات الفسيولوجية الداخلية.
2- التعبيرات الجسمية الخارجية.
ونعرض لهما علي النحو التالي:
1- التغيرات الفسيولوجية:
تصاحب الحالة الإنفعالية للفرد عدة تغيرات فسيولوجية، كضغط الدم، وسرعة التنفس، وإستجابة إنسان العين. كما تتأثر العدد والعضلات ونشاط المعدة والأمعاء… إلخ.
( أ ) ضغط الدم: يحدث أثناء الإنفعال تغيرات في ضغط الدم وتوزيعه في أجزاء الجسم. فنجد إحتقاناً في كل من الوجه والرقبة عند الغضب. ويحدث هذا الإحتقان لأن الأوعية الدموية تتمدد فتزيد من كمية الدم قرب سطح الجلد.
(ب) إستجابة الجلد: حيث يصاحب الإنفعال حدوث تغيرات كهربائية يمكن التأكد منها عن طريق توصيل أقطاب كهربائية إلى الجلد (علي الكفين)، متصلة بجلفانوميتر لتسجيل الإستجابة (1) الجلفانية للجلد، وتعد إستجابة الجلد الكهربائية بمثابة مؤشر للتغيرات الإنفعالية.
(جـ) التنفس: يتغير معدل التنفيذ وزمن الشهيق والزفير حسب الحالة الإنفعالية فنجده ينقطع برهة من الزمن في حالات الدهشة. ويكون متقطعاً أثناء الشحك أو البكاء. فعند الكشف عن الكذب- علي سبيل المثال – يتم تسجيل مستديم للتنفس أو ضغط الدم أو الإثنين معاً لإظهار حالة التهيج الإنفعالي عند الشخص الكاذب.
( د ) ضربات القلب: كما يتغير أيضاً معدل ضربات القلب أثناء الحالة الإنفعالية فقد لوحظ أن سرعة النبض قد تزيد أثناء الإنفعال من 72 إلى 150 نبضة في الدقيقة. كما أوضحت بعض التجارب التي أجريت علي عينات من الطلبة أن قوة إندفاع الدم من القلب قبل الإمتحان تزيد لترين في الدقيقة عنه بعد الإمتحان.
(هـ) توتر وإرتعاش العضلات: يعتبر توتر العضلات من الأعراض المصاحبة للإنفعال فقد يرتعش الفرد أثناء الإنفعال الشديد. وتبين من خلال رسام العضلات الكهربائي أن النشاط الكهربائي يتزايد أثناء إنفعال الفرد.
( و ) حركة المعدة والأمعاء: فقد تبين أن حالات الغضب يصاحبها. إنتفاخ الأغشية الداخلية للمعدة مع زيادة في إنقباض عضلاتها، وإرتفاع نسبة إفراز الحامض منها. أما في حالات الإكتئاب فتقل نسبة الحامض وتكف المعدة عن الحركة.
كما تبين من خلال إستخدام الأشعة السينية أن الحركة المعدة والأمعاء تتأثر بالإنفعال الشديد. وقد تؤدي الآثار الإنفعالية إلى القئ والإسهال.
( ز ) الإنفعال والكليتان: كما تتغير وظائف الكلية ونسبة الماء والأملاح في الجسم تبعاً لتغير الحالة الإنفعالية. ففي حالات التهيج والخوف الشديد علي سبيل المثال تزيد نسبة التبول.
(ح) الإنفعال والغدد الصماء: تتغير معدلات إفراز الغدد الصماء للهرمونات أثناء الإنفعال. فمثلاً تنشط الغدتان المجاورتين للكليتين في حالات الغضب والخوف من خطر مفاجئ فنجد زيادة إفراز هرمون الأدرينالين الذي يؤكد بالكبد إلى زيادة نشاطه فيقوم بزيادة كمية السكر الذي يفرزه الكبد في الدم. وتؤدي زيادة كمية السكر إلى تعبئة طاقة الفرد لمواجهة حالة الإنفعال فتزول آثارها بسرعة.
(ط) الإنفعال ورسام الدماغ الكهربائي: يختلف شكل الرسام الكهربائي للدماغ بإختلاف حالة الفرد من النوم إلى اليقظة ، وبإختلاف السن. ويؤدي الإنفعال إلى إبطاء موجات ألفا وظهور موجات بطيئة من نوع الدلتا. والتي تشاهد أحيانا في بعض الأمراض العقلية، وفي حالات الأطفاء صغار السن0
2- التعبيرات الجسمية الخارجية :
تعتبر التعبيرات الجسمية أو البدنية الخارجية من الوسائل التي نستدل من خلالها علي إنفعالات ومشاعر الأفراد ، وعلي الرغم من أن هناك بعض التعبيرات الإنفعالية يمكن إخفاؤها إلا أن البعض الآخر يصعب إخفاؤه لعدم قدرة الشخص علي التحكم في جهازه العصبي السمبتاوي. وتعتمد قدرة الشخص علي التحكم في تعبيراته غير اللفظية علي درجة صحته النفسية والجسمية. فقد تبين من خلال البحث الذي أجراه كل من أكمان وآخرون Ekman, et al. عن التعبيرات الإنفعالية للمرضي العقليين. تبين أن هؤلاء المرضي أقل تحكماً في تعبيرات أيديهم وأرجلهم منهم في تحكمهم لتعبيرات وجوههم. وقد أفترضا تفسيرا لهذا هو أن المناطق الجسمية لديهم أقل خضوعاً للضبط من غيرها. وأن تعبيراتهم عن مشاعرهم وأفكارهم تتسرب لديهم من بعض المناطق الأقل ضبطاً أو تحكماً 0
نتحدث فيما يلي عن التعبيرات الخارجية للإنفعال- وذلك علي النحو التالي:
( أ ) ملامح الوجه :
يعد الوجه أهم منطقة لإصدار تعبيرات غير لفظية. ورغم أن تعبيرات الوجه تعتمد علي أساس فطري لدي الإنسان إلا أنها تتشكل وفقاً للثقافات المختلفة. وقلما تستخدم تعبيرات الوجه في الحيوانات الأدني مرتبة من القردة العليا التي تعيش في جماعات.
ويتعلم الإنسان كيف يتحكم في تعبيرات وجهة أو كيف يعبر عن نفسه من خلال تعبيرات وجهه. ورغم أننا نستطيع بقدر من التدريب أو الألفة بالشخص أن ندرك معني تعبيرات وجهة التي يقصد إلي إرسالها إلينا، أو تصدر عنه دون قصد منه. ورغم أن عدداً كبيراً من الدراسات التجريبية التي تناولت العوامل التي تزيد من دقة التحكم والسيطرة علي التعبيرات الوجهية إستخدمت صوراً فوتوغرافية أو شرائط سينمائية تعرض تعبيرات إنفعالية مفتعلة أو تم تمثلها خصيصاً لإجراء الدراسة – إلا أن بعض هذه الدراسات (e.g. Davitz, 1964) أمكن أن يلقي الضوءعلي العوامل التي تزيد من دقة الحكم علي التعبيرات الإنفعالية كما يعبر عنها من خلال عرض فيلم سينمائي أو شريط صوتي يعرض لتعبير الوجه، أو تعبير الوجه + الصوت، أو الصوت وحده. وتبين من نتائج هذه الدراسة أن أكبر مستوي من الدقة في التعرف علي الإنفعال يرتبط بعرض الصورة + الصوت. ويليه عرض التعبيرات الوجهية، وفي النهاية الصوت وحده.
كما كشفت بعض الدراسات أن هناك إختلافا بين الإنفعالات من حيث دقة التعرف علي كل منها. ومن هذه الدراسات الدراسة التي قام بها كل من ليفيت ودافيتر (Levitt & Davitz) سنة 1964. والتي أوضحت تفوق التعبير عن الخوف من خلال الصوت. كما تبين أن الوجه وحده يجيد نقل التعبير عن الفرح والغضب. كما أن كل من الوجه + الصوت معاً ينقلان الشعور بالمفاجأة أفضل من كل تعبير علي حدة 0
وقد إتضح من خلال التحليل الإحصائي للتجمعات وجود سبع فئات للتعبيرات الإنفعالية هي:
السعادة، والمفاجأة، والخوف ، والحزن ، والغضب ، والقرف (أو الإشمئزاز) والإهتمام.
وعندما طلب أوسجود وزملاؤه. Osgood, et al. ، من المبحوثين أن يرتبوا الصور علي أساس مقاييس للتقدير 0 وأمكن بعد تحليل هذه التقديرات إستخلاص الأبعاد الثلاثة التالية:
( أ ) سار – في مقابل مكدر.
(ب) حدة الإنفعال – في مقابل التحكم في الإنفعال.
(جـ) الإهتمام – في مقابل – عدم الإهتمام.
(ب) التعبير بنظرة العين:
أوضحت نتائج الدراسات التجريبية أن إشارات العيون يمكن أن تعبر عن إنفعالات الأفراد وإتجاهاتهم نحو الآخرين. فالأشخاص ينظرون مدة أطول إلى من يحبون أو يفضلون أثناء الحديث معهم وتميزت الإناث باطلة تبادل النظر أكثر مع بعضهم البعض أكثر مما يفعل الذكور. وتميز الذكور بأنهم أقل نظراً أثناء الإستماع لن لا يفضلون.
ويلعب حجم إتساع العين دوراً هاماً في إرسال الإشارات بالعين إلى الآخرين. لهذا تحاول السيدات توسيعه بالبلادونا لزيادة جاذبيتهن. كما تبين إتساع إنسان العين لدي الذكور عندما عرض عليهم صور إناث جميلات. وكذلك إتساع إنسان العين لدي الإناث عندما عرض عليهم صور الذكور من الراشدين 0
(5) النظريات المفسرة لإنفعالات:
ونعرض لها علي النحو الآتي:
1- النظريات الفسيولوجية:
( أ ) نظرية جيمس – لانج James –Lange
نشر عالم الفسيولوجي الدنماركي "كارل جورج لانج C.G. Lange " ، (1834 – 1950) عام 1885 نظريته في الإنفعالات، تتمثل في أن الإنفعالات تحدث نتيجة لشعور الشخص بالتغير في الأوعية الدموية 0
وكان وليم جيمس (1842-1900) الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي قد توصل مستقلاً إلي نظرية مشابهة، ونشر عام 1890 في كتابه ( مبادئ علم النفس) نظريته في الإنفعال – واضعاً في حسبانه إسهام لانج. وقد عرفت النظرية فيما بعد بإسم نظرية ( جيمس – لانج) في الإنفعال.
ولم تكن نظرية لانج شديدة الإتساع إذ كانت تؤكد فقط علي تغير الأوعية الدموية علي حين إهتم وليم جيمس بكل أنواع التغيرات الحشوية 0إلا أنهما يتفقان علي أن الإنفعالات تكون نتيجة شعور الشخص بالتغيرات في الأوعية أو الأحشاء الداخلية. فالإحساس الحشوي الجسمي يسبق الإحساس الإنفعالي (فمثلا نحن نري شيئاً مخيفاً فنرتعش ثم نشعر بالخوف). وعلي العكس من الفكرة الشائعة- وقتئذ- التي تذهب إلى أن الإنفعال يترتب عليه السلوك – أكد وليم جيمس أن السلوك هو الذي يولد الإنفعال، ويلخص مضمون النظرية بقوله: "إننا نخاف لأننا نجري".
وهذا فيما يري "هيلجارد وإتكتسون" هو الذي أعطي هذه النظرية شيئاً من القبول والمعقولية.
وعلى الرغم من أهمية هذه النظرية – فإن هناك بعض التجارب التي تقيم الدليل علي أنها نظرية قاصرة. فلو صحت لكان تصنع حركات الغضب كفيلا بأحداث الشعور بالغضب. كما تبين أن الشعور الإنفعالي لا يحدث إذا هيجنا الغدد والأحشاء بطريقة تجريبية. فالإضطرابات الفسيولوجية الحشوية ليست وحدها المسئولة عن الشعور بالإنفعالات.
ونتيجة لهذه الإنتقادات التي وجهت إلي نظرية جيمس – لانج في تفسير الإنفعالات تقدم عالم الفسيولوجي الأمريكي "ولتر كانون W.B. Canon" (1871-1945).
بنظريته التي نعرض لها علي النحو الآتي:
(ب) النظرية الثلاموسية أو المهادية:
وهي النظرية التي قدمها كانون لتفسير الإنفعالات. ومضمونها أن المشاعر الإنفعالية هي نتيجة تنبيه الثلاموس أو المهاد. أما التعبيرات السلوكية للإنفعال فهي من وظائف الهيبوثلاموس أو مهاد المخ 0
وتفترض هذه النظرية أن الإحساسات المختلفة من الجسم تصل إلى كل من القشرة المخية والهيبوثلاموس من خلال مسارات الإحساس الصاعدة. حيث يصدر نوعان من السيالات العصبية: أحدهما لقشرة المخ للشعور بالإنفعال، والثاني للهيبوثلاموس ويختص بالسلوك الإنفعالي ومظاهره. وتشير هذه النظرية إلى أن الشعور الإنفعالي والسلوك الإنفعالي يصدران في نفس الوقت ، وليس كما كان يظن سابقاً واحدة تلي الأخري.
ويؤخذ علي هذه النظرية أنها مجرد إفتراضات ولا يوجد برهان علمي أو ثبات يبين أن الشعور بالإنفعال يصدر من المهاد وأن المهاد لا يخدم إلا الشعور بالحساسية الأولية.
2-النظرية المعرفية :
تفتقد النظريات الفسيولوجية إلى مظهر هام من مظاهر الخبرة الإنفعالية. فالإحساس بالسعادة أو اليأس من شئ معين مصحوب بخبرات ومعارف عن هذا الشئ، وطبقاً لهذه الوجهة من النظر فإن الإنفعال يعد نتيجة التفاعل بين الإستثارة الداخلية, والعمليات المعرفية 0
وقد ساعدت سلسلة التجارب الحديثة علي سد الفجوة أو الثغرة في النظريات الفسيولوجية المفسرة للإنفعال. فالتعبير الإنفعالي يمكن أن يحدث في غياب أي مشاعر إنفعالية، أو دون وجود دليل واضح يؤكدها. ومن هنا برزت أهمية تفسيرنا في ضوء الخبرات والمعارف التي توجد لدي الفرد عن موضوع الإنفعال فعملية تقدير الفرد للموقف الخارجي في ضوء خبراته ومعارفه هي عملية معرفية تؤثر في الإنفعال.
1- المدخلال القادمة إلى المخ من البيئة الخارجية إلى الأعضاء الداخلية للجسم. وذلك عن طريق الجهاز العصبي السمبتاوي.
2- إدراك الموقف الذي يوجد فيه الفرد – من خلال مخزون المعلومات المتوافر لديه، وذلك بهدف تفسير هذا الموقف.
3- يتفاعل هذا التفسير أو الإدراك القائم علي كل من العوامل المعرفية والتنبيهات الخارجية مع العوامل الفسيولوجية لتحديد الحالة الإنفعالية في شكلها النهائي 0
وقد قام شاختر Schachter بدراسة يهدف منها إلي بيان أن الحالات الإنفعالية دالة أو نتيجة للتفاعل بين العوامل المعرفية والإستثارة الفسيولوجية. مفترضاً أنه إذا تم حقن أحد الأشخاص بعقار معين دون معرفته بهذا العقار، فإنه سيكون تحت ضغط لفهم مشاعره الجسمية وقد إتبع الباحث في تجربته الإجراءات التالية:
تم إعطاء عقار مؤثر علي الحالة الإنفعالية لثلاث مجموعات من المفحوصين.
الأولي: أخبرهم الباحث بوضوح عن الآثار الفسيولوجية والأعراض المترتبة علي هذا العقار.
الثانية: لم يخبرهم الباحث بالأعراض المتوقعة.
الثالثة: أمدهم الباحث بمعلومات خاطئة عن العقار.
كما أضاف الباحث مجموعة رابعة من الأفراد تم إعطاؤهم عقاراً وهمياً (لا يحدث أي إستثارة إنفعالية) وكان من نتائج هذه التجربة ما يأتي:
1- أن أفراد المجموعة الأولي (الذين حقنوا بالعقار المؤثر، وأخبروا بالمعلومات الصحيحة عن العقار) وأفراد المجموعة الرابعة (الضابطة) الذين أخذوا عقاراً وهمياً – لم تتأثر حالتهم الإنفعالية بسلوك الممثل.
2- أن أفراد المجموعة الثانية ( الذين حقنوا بالعقار المؤثر ، ولم يخبرهم الباحث بأية معلومات عنه) ، وأفراد المجموعة الثالثة ( الذين تم إمدادهم بمعلومات خاطئة عن العقار) – تأثرت حالتهم الإنفعالية بسلوك المؤثر . وتكشف لنا هذه التجربة عن دور المعارف والمعلومات في تغيير الحالة الإنفعالية للفرد.
3- النظريات السلوكية:
ينشأ الإنفعال من وجهة نظر بعض المنظرين السلوكيين نتيجة الصراع المستثارلدي الكائن الحي. والذي يؤدي به للقيام بإستجابات غير متسقة. كما يفسر البعض الآخر الإنفعالات في ضوء إضطراب السلوك. ويؤخذ علي هذه النظريات – فيما يري ميلفن ماركس – أن هناك صعوبات في تحديد التعريفات الإجرائية الدقيقة لمعني الصراع بإعتباره أساساً للإنفعالات 0
وقد تعامل واطسون J.B. Waston مع الإنفعال علي انه نمط وراثي من الإستجابة، وتتضمن تغيرات جسمية في جسم الكائن ككل، وخاصة في الأنظمة الحشوية والغددية. وقد عالج واطسون الإنفعالات بنفس الطريقة التي تعامل بها مع الإستجابات غير الشرطية التي تحدث بشكل متسق لمنبهات معينة. ويلاحظ أن واطسون لم يهتم بالتحليل الفسيولوجي للإنفعال، أو بدور الجهاز العصبي.
أما تولمان E.C. Tolman فيتعامل مع الإنفعال علي أنه إستجابة لتنبيه معين. فالإنفعال لا يمكن تحديده بواسطة المنبهات فقط ، أو الإستجابات فقط ولكن في ضوء العلاقة بينهما. وقد إهتم تولمان بآثار التعلم علي الإنفعالات ، سواء لدي الحيوانات، أو الأطفال، أو الراشدين أما سكينر B.F. Skinner ، فقد تعامل في البداية مع الإنفعالات علي أنها ليست نوعاً أولياً من الإستجابة ولكنها نوع من القوة يمكن مقارنتها أو مضاهاتها بمظاهر الحوافز0
ثم تغيرت معالجة إسكينر للإنفعالات بعد ذلك، حيث إعتبرها حالة إفتراضية تمثل إستعداداً أو تهيؤا للفعل أو الإستجابة بشكل معين. ويري أن الإنفعال عبارة عن "زملة من النشاط أو الإستثارة يصاحبها تغيرات في الأحشاء والعضلات.
أما ميلنسون R. Millenson الذي يعتبر أحد المنظرين السلوكين المحدثين فيقدم نموذجاً في الإنفعالات مؤداه: أن التغيرات الإنفعالية تحدث من خلال عملية التشريط الكلاسيكي، فهو يري:
(أ‌) أن بعض الإنفعالات تختلف فقط من حيث الشدة.
(ب‌) أن بعضها يعتبر أساسياً وبعضها الآخر يعتبر ثانوياً وتندرج تحتها.
ويري ميلنسون أن هناك ثلاثة أبعاد لوصف جميع الإنفعالات تختلف من حيث الشدة:
البعد الأول: يتضمن الفزع والقلق ، والتهيب الذي يؤدي إلى تيسير حدوث السلوك الأدائي 0
البعد الثاني: السعادة، وتدعم السلوك الأدائي.
البعد الثالث: الغضب ، وييسر بعض أنواع السلوك الأدائي حيث يؤدي إلى زيادة إحتمال حدوث الهجوم والتدمير أو التخريب.
4- نظرية التحليل النفسي:
يعتمد المحللون النفسيون للإنفعالات علي بعض المفاهيم مثل القلق، والعدوان، فعلي الرغم من أن فرويد S. Freud قد إهتم في كتاباته بالقلق والعمليات اللاشعورية إلا أنه أهمل الإنفعالات، وإعتبرها عملية إستجابة. ففي مقالة سنة 1915 عن اللاشعور كتب يقول: هناك ثقة بأن الإنفعالات تدخل ضمن الشعور أو الوعى وفي مقابل ذلك نجد أن بعض المحللين النفسيين الممارسين للعلاج قد تحدثوا عن الحب اللاشعوري والغضب اللاشعوري… إلخ.
ويلخص دافيد رابابورت D. Rapaport وجهة نظر التحليل النفسي للوجدان في الآتي:
1- أن عملية اللاشعور تحدث فيما بين إدراك المنبه الذي يدور حول الإنفعالات، وبين التغيرات السطحية الخارجية أو التغيرات الحشوية الداخلية.
2- أن التغير اللاإرادي الخارجي، والشعور الإنفعالي عمليتان منبثقتان من نفس مصدر الحافز المعبئ للطاقة.
3- أن كل الإنفعالات تختلط معاً ويتم التعبير عنها في أنواع من الصراعات.
6- إرتقاء الإنفعالات:
إن السلوك الإنفعالي كأي سلوك إنساني ينمو ويرتقي بإرتقاء الفرد. فحينما ينمو الطفل تبدأ حالة التهيج العام في التميز وتأخذ صوراً مختلفة. فإستجابة الوليد في البداية تكون تهيجاً عاماً. وفي الشهور الثلاثة الأولي من عمره تظهر مجموعتان من المشاعر:
الأولي: المرح والسرور عند إنخفاض التوتر والإحساس باللذة.
الثانية: الأسي والضيق في حالات الحرمان من إشباع حاجة معينة.
وفي حوالي الشهر السادس يتميز إنفعال الضيق إلى ثلاثة إنفعالات مختلفة هي: الخوف، والغضب، والإشمئزاز.
وفيما بعد الشهر السادس يبدأ إنفعال السرور أيضاً في التميز. فيظهر إنفعالان جديدان هما الزهر والحب. كما يتمايز الحب إلى حب موجه للكبار وحب موجه للصغار.
ويشير هذا التمايز الذي يطرأ علي التهيج العام للطفل إلى نشوء حالات وجدانية تختلف بإختلاف دوافعه 0
وتقدم "بريدجز" K.M.B. Bridges مخططاً لإرتقاء الإنفعالات علي النحو الآتي:
أن الطفل يولد فقط بإستثارة غير مميزة أو غير محددة , وخلال الشهور الثلاثة الأولي من عمره تتحدد هذه الإستثارة إلى مظاهر إيجابية ومظاهر سلبية. ويتجه هذا التمايز والتحديد نحو المزيد من الوضوح في نهاية السنة الثانية من العمر. وعلي الرغم من دقة المخطط الذي قدمته الباحثة لإرتقاء الإنفعالات – إلا أنها أقامته علي أساس الملاحظات أو المشاهدات وليس علي أساس تجريبي. وتتمثل أهميته في أنه قدم التصور المبدئي أو الأولي للمزيد من الدراسات فيما بعد. والتي أكدت وجود علاقة وثيقة بين العمر وقدره الفرد علي تنظيم إنفعالاته .
العوامل المؤثرة في إرتقاء الإنفعالات:
يؤثر كل من النضج والتعلم في إرتقاء الإنفعالات وتمايزها وزيادة تعقيدها أو تركيبها. غير أن حدوث نمو الإنفعالات علي نسق واحد تقريباً عند الإطفاء في أثناء الشهور الأولي من حياتهم يوحي بأن النضج هو العامل الأساسي المؤثرة في هذه الفترة المبكرة من العمر. وكلما تقدم الطفل في العمر كان أثر التعلم أكثر وضوحاً.
النضج: ويقصد به النمو الذي يحدث بدون تأثير التعلم. ويحدث نتيجة للعوامل الوراثية وحدها. ويظهر أثر النضج واضحاً في تهيئة البناء العضلي والغدي والعصبي اللازم لظهور بعض الإنفعالات. فالأطفال عادة لا يبتسمون ولا يضحكون في الشهرين الأولين لأن الحركات العضلية التي يمكن من خلالها القيام بذلك لم تنضج بعد.
التعلم: ويظهر دوره واضحاً في إكتساب الأطفال للعديد من التعبيرات الإنفعالية فالتعبير عن إنفعال الغضب لدي الأطفال يتمثل في الإفصاح عن الطعام أو مغادرة المنزل وكل هذه الأفعال يتعلمها هؤلاء الأطفال من البيئة التي يعيشون فيها. ويعد إختلاف التعبيرات الإنفعالية من مجتمع لآخر دليلاً علي وجود آثار التعلم في تشكيل الإستجابة الإنفعالية 0 فبعض المجتمعات يعبر عن الدهشة برفع الحاجب وفتح العينين. بينما يعبر الصينيون مثلا عن الدهشة بإخراج ألسنتهم. ويري إدوارد (Edwards, 1968) أن تعلم الطفل لإستجابة الإنفعالية يتم من خلال ثلاثة أساليب.
( أ ) المحاكاة : وتقوم بدور كبير في إكتساب الأطفال للإستجابة الإنفعالية ويبدأ الطفل في محاكاة الآخرين في حوالي سن السنتين. فهو يقتدي بوجود نماذج من البيئة التي يعيش فيها (سواء أفراد أسرته، أو أقاربه، أو الجيران).
(ب) التشريط : ويبدأ بأن يربطالكائن بين منبه محايد ومنبه آخر سبق أن إستثار إستجابة إنفعالية لديه. كما تبين أن الخوف الذي يتعلمه الفرد من منبه معين يمتد إلى غيره من المنبهان التي تتشابه معه.؟ وذلك في ضوء مبدأ التعميم 0
(جـ) الفهم : ويعني إدراك المواقف التي يحتمل أن تثير إستجابة إنفعالية لدي الفرد. فالخوف من تعاطي مخدر معين يتضمن فهما لأضراره وما يمكن أن يحدثه من مخاطر أو أضرار.
(7) –مستوي التنشيط الإنفعالي أو الأستثارة الإنفعالية:
أحد الملامح الهامة للإنفعال أنه يؤثر في السلوك، وقد قدمت التفسيرات المختلفة لتفسير هذا التأثير.
التفسير الأول: في ضوء نظرية الإنفعال كنوع من التعبئة للطاقة في مواجهة الطوارئ ومؤداه أن إستجابات الجسم المصاحبة للإنفعالات تصد الفرد وتهيئه لمواجهة المواقف المفاجئة سواء بالمواجهة أو الهروب.
التفسير الثاني: في ضوء نظرية التنشيط للإنفعال وتربط هذه النظرية بين إستجابات الجسم المصاحبة للإنفعال وبين مستوي النشاط والإستثارة الداخلية. حيث يعتبر مستوي الإستثارة من العوامل المسئولة عن وجود فروق في سلوك وأداء الأفراد.
التفسير الثالث: ويقوم علي مفهوم تعبئة الطاقة وهو مفهوم مكافئ لمفهوم مستوي الإستثارة 0
وقد كشفت نتائج الدراسات عن وجود علاقة بين التوتر العضلي اللاإرادة (الناتج عن الإستثارة الفسيولوجية) وبين الأداء النفسي – الحركي 0 حيث تبين أن الأداء النفسي – الحركي يزيد حتي مستوي معتدل من التوتر ثم يهبط هذا المستوي بعد ذلك الحد.
أ- مستوي الإستثارة وعلاقته بالتعلم والذاكرة:
تبين أن المستوي العالي من الإستثارة يرتبط بضعف أو فقر الإحتفاظ قصير المدي وقوة أو تحسن الإحتفاظ طويل المدي 0
أما المستوي المنخفض من الإستثارة فيرتبط بقوة الإحتفاظ قصير المدي، وقوة الإحتفاظ طويل المدي. كما تبين أن دور مستوي الإستثارة في تحديد مستوي التعلم أو الأداء يرتبط بمفهوم التدعيم. حيث أوضح برلين D.E. Berlyne أن الزيادة في مستوي الإستثارة ترتبط بالتدعيمات الإيجابية بينما يرتبط النقصان في مستوي الإستثارة بالعقاب السلبي 0
ب- مستوي الإستثارة والأداء الإبداعي:
ويتسق مع ذلك ما كشفت عنه بعض الدراسات المصرية التي تناولت العلاقة بين الإبداع والتوتر النفسي. فقد كشفت الدراسة التي أجراها "ع.م. السيد" ، أن هناك علاقة منحنية بين الإبداع والتوتر النفسي. وفكلما زاد التوتر زاد الإبداع.. ولكن إلى حد معين. فإذا زاد التوتر عن هذا الحد أخذت القدرة الإبداعية في الإنخفاض، فالتوتر المنخفض كقوة دافعة منخفضة لا يؤدي إلى ظهور الإبداع. وإذا زادت هذه القوة الدافعة زاد ذلك من القدرة علي الإبداع حتي درجة معينة تتدهور بعدها القدرة الإبداعية بإزدياد التوتر أكثر من ذلك. وبوجه عام أوضحت هذه الدراسة أن الدرجة المعتدلة من التوتر هي الأكثر إرتباطاً بالإبداع 0
كما أوضحت نتائج دراسة "س.الملا" أن التوتر يرتبط إرتباطاً واضحاً بالقدرات الإبداعية في منطقة معينة من هذه السمة، وهي المنطقة الوسطي. فالتوتر يمكن أن يساعدعلي نمو وإثراء القدرات الإبداعية ولكن حتي نقطة معينة. فإذا زاد التوتر عن هذه النقطة أو عن هذا الحد الأمثل، وكذلك إذا قل أصبح معوقاً للقدرة 0
ويتضح مما سبق أن الإنفعالات في حالتها المعتدلة تمثل أهمية كبيرة بالنسبة للفرد، فتساعده علي تحقيق الكثير من الفوائد. أما في حالة تزايد شدة الإنفعالات فإنها تمثل خطورة بالنسبة للفرد. فكما أن للإنفعالات فوائدها، لها أيضاً مضارها. وهذا ما نتحدث عنه فيما بعد.
وتتوقف درجة ونوع العلاقة بين مستوي الإستثارة والأداء علي عدة عوامل منها:
( أ ) الظاهرة أو الوظيفة موضع القياس.
(ب) الطريقة أو الأسلوب المستخدم في قياس مستوي الإستثارة (كضربات القلب، أو رسم المخ، أو نشاط العضلات… إلخ).
وبوجه عام يمثل المستوي المتوسط أو المعتدل من الإستثارة الإنفعالية أفضل المستويات التي يكون الفرد خلالها علي درجة ملائمة من اليقظة والتنبيه للقيام بأعماله ونشاطاته ويوضح الشكل التالي علاقة مستوي الإستثارة الإنفعالية وفاعلية أو كفاءة الأداء.
جـ- فوائد الإنفعالات:
تحقق الدرجات المعتدلة من الإنفعالات العديد من الفوائد بالنسبة للفرد ومنها ما يأتي:
1- تزيد الشحنة الوجدانية المصاحبة للإنفعال من تحمل الفرد وتدفعه إلى مواصلة العمل وتحقيق أهدافه.
2- للإنفعال قيمة إجتماعية. فالتعبيرات المصاحبة للإنفعال – كما سبق أن أوضحنا ذات قيمة تعبيرية تربط بين الأفراد وتزيد من فهمهم لبعضهم البعض.
3- تعتبر الإنفعالات مصدراً من مصادرالسرور. فكل فرد يحتاج إلى درجة معينة منها إذا زادت أثرت علي سلوكه وتفكيره. وإذا قلت إصابته بالملل.
4- تهيئ الإنفعالات الفرد للمقاومة من خلال تنبيه الجهاز العصبي اللارادي.
(ب) أما مضار الإنفعالات فمنها ما يأتي:
1- يؤثر الإنفعال علي تفكير الفرد فيمنعه من الإستمرار. كما هو الحال في حالة الغضب أو يجعل التفكير بطيئاً كما هو الحال في حالات الحزن والإكتئاب.
2- يقلل الإنفعال من قدرة الشخص علي النقد وإصدار الأحكام الصحيحة.
3- كما يؤثر أيضاً علي الذاكرة فيما يتصل بالأحداف التي تتم أثناء فترة الإنفعال.
4- في حالة حدوث الإنفعالات بشكل مستمر ودائم، يترتب عليه العديد من المتغيرات الفسيولوجية، مما يؤدي إلى حدوث تغيرات عضوية في الأنسجة وينشأ في هذه الحالة ما يسمي بالأمراض النفسية – الجسمية أو السيكوسوماتية. ومنا قرحة المعدة وإرتفاع ضغط الدم 0
والسؤال الذي يستحق الإجابة عليه هو: كيف يمكن التغلب والسيطرة علي الإنفعالات والتقليل من أضرها. وهذا ما نتناوله في الفقرة التالية:
د- التحكم في الإنفعالات أو السيطرة عليها:
هناك بعض القواعد أو المبادئ المقترحة في هذا الصدد، والتي يمكن من خلالها التحكم والسيطرة في الإنفعالات ومنها ما يأتي:
1- التعبير عن الطاقة الإنفعالية في الأعمال المفيدة. حيث يولد الإنفعال طاقة زائدة في الجسم تساعد الفرد علي القيام ببعض الأعمال العنيفة. ومن الممكن أن يتدرب الفرد علي القيام ببعض الأعمال الأخري المفيدة لكي يتخلص من هذه الطاقة.
2- تقديم المعلومات والمعارف عن المنبهات المثيرة للإنفعال. حيث يساعد ذلك علي إنقاص شدة الإنفعال وبالتالي التغلب علي الإضطراب الذي يحدث للأنشطة المتصلة به. فالطفل الذي يخاف من القطط مثلا يمكن مساعدته علي التخلص من ذلك عن طريق تزويده ببعض المعلومات التي تقلل من هذه الحالة لديه.
3- محاولة البحث عن إستجابات تتعارض مع الإنفعال. فإذا شعر الفرد نحو شخص ما بشئ من الكراهية لأسباب معينة عليه أن يبحث عن أسباب أخري إيجابية يمكن أن تثير إعجابه بهذا الشخص وتغير إتجاهه نحوه.
4- عدم تركيز الإنتباه علي الأشياء والمواقف المثيرة للإنفعالات. فإذا لم يستطع الفرد التحكم في إنفعالاته عن طريق البحث عن الجوانب الإيجابية أو السارة في الشئ مصدر الإنفعال يمكنه أن يغير إهتمامه عن هذا الشئ إلى الأشياء والموضوعات التي تساعده علي الهدوء والتخلص من إنفعالاته وتوتراته.
5- الإسترخاء: يحدث الإنفعال عادة حالة عامة من التوتر في عضلات الجسم وفي مثل هذه الحالات يحسن القيام بشئ من الإسترخاء العام لتهدئة الإنفعال وتناقصه تدريجياً.
6- عدم الحسم وإصدار الأحكام في الموضوعات والأمور المهمة أثناء الإنفعال. ففترة الإنفعال تمثل حالة من عدم التوازن لذلك يفشل الفرد في رؤية الأمور بشكلها الصحيح. وبالتالي تكون أحكامه غير صحيحة 0
وبهذا نكون قد عرضنا في هذا الفصل لتعريف الإنفعالات وأبعادها، وأنواعها والنظريات المفسرة لها، ومظاهرها، وكيف ترتقي وتتغير من عمر لآخر. ثم تحدثنا بعد ذلك عن الإستثارة الإنفعالية وعلاقتها بكفاءة الأداء، وفوائد ومضار الإنفعالات وكيف يمكن التحكم والسيطرة عليها.

.................................................. ................





المراجــــــــــــع :
1- جابر عبد الحميد جابر( 1986 ) : مدخل لدراسة السلوك الأنسانى , ط4 , القاهرة , دار النهضة العربية 0
2- شاكر عبد الحميد سليمان وآخرون ( 1990 ) : علم النفس العام , ط3 , القاهرة , دار غريب للنشر والتوزيع 0
3- عثمان نجاتي ( 1983 ) : علم النفس في حياتنا اليومية , الكويت , دار القلم 0
4- على السلمي ( 1985 ) : السلوك الأنسانى في الإدارة , القاهرة , مكتبة غريب بالفجالة 0
5- محمد شفيق ( 2003 ) : الأنسان والمجتمع ," مقدمة فى علم النفس الإجتماعى " , الإسكندرية , المكتب الجامعي الحديث 0
6- مصطفى سويف ( 1983 ) : علم النفس الأجتماعى , القاهرة , مكتبة الأنجلو المصرية 0

جزاكم الله كل خير ولكن من المؤلف أرجو ارسال تفاصيل توثيق الكتاب
wattad mohamad غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
 
 
قديم 03-27-2006, 11:00 PM   #4
بتول خليفة
Registered User








بتول خليفة غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



اعزائي منتسبين المنتدى مشاركة مني في مجال علم النفس وعلم النفس الاجتماعي أقدم لكم ملخص لدراسة قمت بها أعتقد أنها هامة في موضع القبول- الرفض الوالدي وعلاقته بمشكلات الكفولة المتأخرة، ولمن يرغب بالبحث عليه أن يكتب لي على عنواني الالكتروني، وسأرسله كملحق له، مع شكري وتحياتي لكم




القبول - الرفض الوالدي وعلاقته بكل من مشكلات أطفال المرحلة الابتدائية
بدولة قطر من الجنسين(ذكور وإناث)
إعداد
د.بتول محي الدين خليفة- كليةالتربية- قسم العلوم النفسية– جامعة قطر
2003
ملخص الدراسة:
هدفت هذه الدراسة إلى الكشف عن العلاقة بين إدراك الأولاد للقبول- الرفض الوالدي ومشكلات الأولاد في مرحلة الطفولة المتأخرة، لدى عينة من تلاميذ المرحلة الابتدائية بدولة قطر. تكونت عينة الدراسة من (511) تلميذاً وتلميذةً، في الصف الخامس والسادس الابتدائي، طبق عليهم مقاييس ومقياس القبول – الرفض الوالدي لرونر(ممدوحة سلامة، 1986)، مشكلات الطفولة المتأخرة، من إعداد الباحثة(2003).
توصلت نتائج الدراسة، إلى النتائج التالية:
 توجد علاقة بين متوسطات درجات القبول- الرفض الوالدي(الأم-الأب) وبين متوسطات درجات مشكلات الطفولة المتأخرة؛
 إن أكثر مشكلات الطفولة شيوعاً لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية بدولة قطر هي المشكلات السلوكية؛
 توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين ذكور وإناث في مقياس القبول – الرفض الوالدي(الأب- الأم ومشكلات الطفولة المتأخرة، في(مشكلات عائلية، وانفعالية، وتعليمية، ونقص الانتباه، وثورات الغضب، والنشاط الزائد، والدرجة الكلية للمشكلات، وعدوانية الأم) لصالح مجموعة الإناث، أما عدوانية الأب فكانت لصالح مجموعة الذكور، وكانت درجة القبول الوالدي(أم- أب) لصالح مجموعة الإناث.
 توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات المجموعتين (ذكور-إناث) تبعاً لمتغير حجم الأسرة: عدد الزوجات في الأسرة في مقياس والقبول– الرفض الوالدي(أم- أب) ومشكلات الطفولة المتأخرة (مشكلات عائلية، وسلوكية، وتعليمية، وعدوانية الأم) لصالح مجموعة الذكور.
 توجد فروق إحصائية ذات دلالة بين متوسطات درجات الأطفال في متغير حجم الأسرة: عدد الأولاد، (مجموعة الإناث) في القبول – الرفض الوالدي (أم- أب)، ومتوسطات درجات مشكلات الطفولة المتأخرة في(عدوانية الأب، وإهمال الأب، ورفض الأب، الدرجة الكلية للمشكلات، والمشكلات السلوكية، نقص الانتباه، النشاط الزائد،) لصالح المجموعة الأكثر في عدد الأولاد.
 توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين مجموعتي الدراسة (ذكور- إناث) تبعاً للمتغيرات الديمغرافية في متوسطات درجات القبول- الرفض الوالدي(أم- أب) ومشكلات الطفولة المتأخرة لصالح مجموعة الدراسة من الحضر، ومجموعة التلاميذ( غير القطريين)، وتلاميذ الصف الخامس.

بتول خليفة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
 
 
قديم 03-27-2006, 11:14 PM   #5
بتول خليفة
Registered User








بتول خليفة غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



Wink بحث العلاقة الخاصة بين المدرسات والطالبات ، ما لها وما عليها؟!

[mark="FFFF00"]موضوع آخر هام أتمنى أن يلقى الضوء عليه وهو الصحة النفسية لكل من الطالب [/mark] والمعلم



أقدم لحضراتكم محاضرة كنت قد قمت بها في إحدى المدراس الثانوية للبنات بدولة قطر وهي تهتم بكل من الطالب والمعلم في محاولة لفهم العلاقة التوافقية بينهما على نحو سليم لبناء علاقات اجتماعية بينشخصية تفاعلية قائمة على اساس المحبة والود وتبادل المصلحة.


أولاً: تعريف الصحة النفسية:
العلامات الدالة على الصحة النفسية والتوافق:
 مدى تقبل الفرد للحقائق المتعلقة بقدراته وإمكانياته.
 مدى استمتاع الفرد بعلاقاته الاجتماعية.
 مدى نجاح الفرد في عمله ورضاه عنه.
 الإقبال على الحياة بوجه عام.
 مدى كفاءة الفرد في مواجهة إحباطات الحياة اليومية.
 تنوع النشاط الذي يقوم به الفرد وشموله.
 إشباع الفرد لدوافعه وحاجاته.
 ثبات اتجاهات الفرد.
 تصدي الفرد لمسئولية أفعاله وقراراته.

ثانياً: المستويات المختلفة للصحة النفسية:
إن التخطيط للصحة النفسية في المجتمع يلزم أن تتم على مستويات ثلاثة هي:

المستوى العلاجي والوقائي والإنشائي.
يقوم كل من الاختصاصي والاجتماعي والمرشد النفسي بدراسة كل ماسبق وبناء ما يناسب من خدمات في المدرسة.

ثالثاً: الصحة النفسية في المدرسة:
1. إن العلاقة بين الصحة النفسية وبين ما يجري في المدرسة علاقة وثيقة ، وتفصيلات حياة التلاميذ داخل المدرسة حافلة بالخبرات التي تؤثر أجابا وسلبا على الصحة النفسية لهؤلاء التلاميذ وتؤثر على الصحة النفسية للمدرسين.

2. إن طبيعة العلاقات الإنسانية بالمدرسة والمناخ الاجتماعي السائد فيها، يسهل الاستدلال عليها بمجرد دخول المدرسة – ابتداء من الأسلوب الذي يتبعه البواب مع زائر المدرسة، إلى الطريقة التي يتخاطب بها المدرسون مع تلاميذهم، والطريقة التي يحي بها التلاميذ مدرسيهم، إلى الرسميات التي تعترض طريق الزائر حتى يصل إلى مدير المدرسة، إلى تناثر المقاعد التي يستطيع التلاميذ أن يجلسوا عليها في فناء المدرسة،ووجود أو انتفاء قاعات الاجتماعات الصغيرة والكبيرة بالمدرسة0

3. الواقع أن العلاقات الإنسانية بالمدرسة وما يسودها من سماحة أو تسلط هي روح تسري من القمة (حيث كرسي المدير) إلى القاعدة (حيث البواب أو الحارس والفراشات أو الفراشين في المدرسة).

4. عندما يتصف مدير المدرسة باوتوقراطية والتسلط وعندما يقيم الحواجز والمسافات بينه وبين مدرسيه، فإن المدرسين بدورهم يقيمون المسافات الاجتماعية البعيدة بينهم وبين التلاميذ ينزعون إلى التسلط في معاملاتهم مع الفراشين والمراسلين. بل يصعب عليهم أن يتعاملوا معاً كأفراد أسرة واحدة وتشيع بينهم التكتلات والانقسامات والفتن وصور التملق والزلفى (مسح الجوخ) لمن كان في موقع الرئاسة والمسئولية، أما التلاميذ فإن هذه الروح تسري بينهم أيضاً في علاقاتهم ببعضهم البعض، وف التذلل لمن هم أقوى والتسلط على من هم أضعف منهم، تلك هي السمات الغالبة وعلاقاتهم في النظام الهرمي الاوتوقراطي.

5. على العكس من ذلك عندما يؤمن مدير المدرسة بالديمقراطية والاتجاهات التعاونية فإنه يدير المدرسة عن الطريق المدرسين ويفتح لهم بابه دائماً ويستأنس بآرائهم في كل ما يتعلق بخطة الدراسة أو مشكلات فصل من الفصول أو تلميذ من التلاميذ.

6. تنعكس علاقة مدير المدرسة السمحة على علاقات المدرسين بعضهم ببعض حيث يشعرون بارتباطاتهم القوية فيما بينهم وبانتمائهم القوي إلى أسرة المدرسة.

7. كما تسري هذه الروح في علاقاتهم بتلاميذهم وسائر العاملين
بالمدرسة، فتتميز هذه العلاقات بالود والسماحة والتعاون والتقدير، ويرى التلاميذ فيمثل هذه المدرسة متآخين متعاونين مقبلين على المشروعات والتطوع بالآراء والمقترحات ، إن المدرسة في هذه الحالة تصبح مجتمعاً صغيراً نشطاً يشد أفراده جميعا إليه، بفضل ما يسوده من علاقات آنساني مشبعة وما يتيحه لأفراده من فرص التعبير عن أنفسهم وفرص الإبداع.


رابعاً: المناخ الاجتماعي للمدرسة:

إن طبيعة العلاقات الإنسانية بالمدرسة والمناخ الاجتماعي السائد فيها، يسهل الاستدلال عليها من خلال ما سبق عرضه لذلك يمكن القول بأن:
1. المدرسة هي الشخص الثالث بعد الأم والأب في التأثير على مجرى حياة هؤلاء التلاميذ.

2. المدرسة تدعم الفكرة عنها إما بمحبة أو بالسلطة.

3. إذا كانت المدرسة تتقبل التلاميذ على علاتهن وتظهر لهن الحب والود وتوجيهم نحو العلاقات الصحيحة، يمكن أن تعدل من اتجاهات التلميذات.

4. إذا كانت شخصية المدرسة وطريقة تعاملاتها مع تلاميذها تؤدي إلى الإساءة إلى شخصيات تلاميذها وتعويق قيام علاقات مواتية للنمو السوي داخل الفصل، ويحدث ذلك بصفة خاصة عندما تستغل المدرسات الفصل الدراسي في دعم أمنها النفسي وإشباع حاجاتها النفسية عن طريق الفصل ومواقفها من التلاميذ.


خامساً: الصحة النفسية في المدرسة تلزم، ما يلي:

1. لا بد للمدرس من دراسة الصحة النفسية في دور الإعداد، لفهم الأسس السيكولوجية التي يبنى عليها التعليم والتعلم.

2. إن التفصيلات غفي حياة التلاميذ داخل المدرسة حافلة بالخبرات التي تؤثر إيجابا وسلباً على الصحة النفسية لهؤلاء التلاميذ لذا ينبغي أن نهتم بهذه الناحية.

3. إن هناك علاقة وثيقة متبادلة بين الصحة النفسية كم جانب والتحصيل من جانب آخر.

4. إن التلميذ الذي يعاني من القلق لسبب تردي الأوضاع في أسرته أو مشغول البال بمشكلاته الوجداني، أو بفشله في إقامة علاقات طيبة مع زملائه أو مع بعض مدرسيه، يصعب عليه أن يركز تركيزاً كافياً على شرح المدرس وما يدور في الفصل، لأن أموراً أخرى هامة تلح عليه إلحاحاً شديداً، وتستنفذ طاقته في اجترار مشكلاته وآلامه والانفعال بها، ولا نستغرب إذن لو أدى سوء التوافق النفسي لهذا التلميذ إلى تعثره وتخلفه في الدراسة.

5إن سلسلة الاستجابات السلبية لدى التلميذ كان من الممكن تجنبها حين يهتم المدرس اهتماماً خاصاً بتلاميذه المتخلفين ويقوم بتوضيح ما غمض عليهم ويتولاهم أولاً بأول حتى يقترب بهم من مستوى الفصل.

6. المدرسة هي الوسط الذي ينمو فيه التلاميذ خارج المدرسة ويمضون فيه أغلب وقتهم، لذا لا بد من تهيئة المناخ الجيد داخل المدرسة بواسطة المديرة والمدرسات.

سادساً: وظيفة المدرسة:

 تهيئة علاقات وظروف اكثر مناسبة للنمو السوي للتلاميذ.
 مواجهة الحاجات النفسية الاجتماعية للتلاميذ.
 تعديل اتجاهات التلاميذ بما يساير فلسفة المدرسة.
 تصحيح انحرافات السلوك وعلاج التلاميذ المشكلين.

سابعاً:

ومن هنا أطرح الأسئلة التالية على المدرسات، لعل في طرحها نجد الحلول المناسبة لمشكلة العلاقة السالبة بين المدرسات والطالبات، والتي حقيقة عبر عنها التلاميذ بصورة قوية وملحة:

1. إلى أي مدى يعتبر المناخ الاجتماعي للمدرسة مناخاً ملائماً لنمو العلاقات الاجتماعية الإنسانية بين التلاميذ في المدرسة؟

2. ما هي مستويات الصحة النفسية للمدرسين ولسائر العاملين؟

3. كيف تؤثر مجموعة الفصل الدراسي على التوافق النفسي والاجتماعي للتلاميذ ؟

4. ما هي الشروط التي روعيت في اختيار تلاميذ الفصل؟

5. ما هي الجماعات المدرسية القائمة بالمدرسة، وإلى أي حد يستفاد بالمدرسة من هذه الجماعات في تحقيق العلاقة الجيدة بين المدرسات والتلاميذ؟

6. ما هي الترتيبات الأخرى بالمدرسة (نظام للريادة، نظام الأسر المتعاونة، الندوات التي تناقش مشكلات التلاميذ)؟

7. ما نوع العلاقة بين المدرسة والمنزل ، وكيف تتعاون المدرسة والأهل في سبيل دعم الصحة النفسية للتلاميذ؟

8. ما هي الإجراءات التي تتخذها المدرسة أو الإدارة بصدد حالات التلاميذ المشكلين؟



ثامناً:
لا بد من دراسة الأسئلة السابقة الذكر بعناية وبيان مدى تحقيقها داخل المدرسة على أسس علمية ونفسية صحيحة، مع الأخذ بالاعتبار الاعتراف بالأخطاء التي ترتكب، وبيان إمكانية تحقيق تصويبها، لذا لا بد من ذكر بعض الأساليب المقبولة، والأساليب غير المقبولة في علاقة المدرسات بالتلاميذ:


الأساليب غير المقبولة:
 الاستهزاء والزراية ببعض التلاميذ.
 البخل في المادة العلمية.
 إساءة فهم السلوك الاستقلالي للتلاميذ واعتباره تحدياً شخصياً للمدرسة، والتصرف إزاءه على هذا الأساس الخاطئ.
 إشاعة روح المنافسة الضارة بين التلاميذ.
 الإسراف في تمجيد التلاميذ لتفوقهم الدراسي مما يترتب عليه أحياناً اعتزال مجموعة للفصل لهؤلاء التلاميذ واعتبارهم عينة شاذة.
 التحيز الواضح لبعض التلاميذ ومنحهم امتيازات خاصة.
 المبالغة في فرض النفوذ والسلطة داخل الفصل.
 المبالغة في استخدام الامتحانات وتكليف التلميذات بالواجبات المنزلية، مما يعوق قيام مناخ اجتماعي وإنساني في المدرسة.


أساليب مقبولة :

 إشباع حاجة التلاميذ إلى الانتماء لجماعة صغيرة.
 إشباع حاجة التلاميذ إلى الصديق المخلص.
 إشباع حاجة التلاميذ إلى المسئولية نحو الآخرين.
 إتاحة الفرصة للتعبير الحر وتحقيق الذات.
 إشباع حرية التجريب للوصول لابتكار.
 التمرس على القيادة والمناقشة الديمقراطية.

تاسعاً:

نطلب من المدرسة ما يلي:

o أن تكون على قدر مناسب من الصحة النفسية سعيدة في حياتها الخاصة، ولها علاقاتها الاجتماعية الناجحة في الخارج.

o أن تكون ممن يحبون العمل مع المراهقات والشابات الصغيرات وممن يتفهمون أساليب مخاطبتهم والعمل معهم.

o أن تؤمن المدرسة بالقيمة الإنسانية لكل تلميذة، وأن تحاول أن تكون صديقة للجميع.

o أن تتقبل التلاميذ على ما هن عليه، وأن يكون شعورها نحوهن (بأن هذه التلميذة هي إنسانة تستحق أن تعرف، ومرغوبة من مدرساتها).

o أن تكون مرنة، ولبقة، محبة للجميع، وأنيقة في كلامها.

o أن تكون مدركة للنزعة الاستقلالية لتلاميذها المراهقات، فلا تسيء تفسير سلوكهم التحرري الاستقلالي، وبغض النظر عن بعض تصرفاتهم التي تستثيرها هذه النزعة.

o يجب أن لا تتصور المدرسة أن تلاميذها تتحديانها شخصياً بهذه التصرفات، بل أنهم يجتازون فحسب فترة انتقالية يؤكدون فيها ذاتهن ويسعون إلى تقليد النماذج السلوكية للكبار.

o أن تتقبل بعض النكات التي تصدر من بعض التلاميذ فتضحك لها وترد عليها بأحسن منها.

o أن تتحلى بالصفات التي تجعل منها صديقة لتلاميذها وأختاً أكبر لهن، وبروح الدعابة ومرونة الشخصية، ومن الممكن تجاوز بعض المخالفات البسيطة للقوانين واللوائح الجامدة من جانب التلاميذ.


عاشراً:


ونطلب من الطالبات ضرورة التفاعل الإيجابي الخلاق بينها وبين المدرسات في المدرسة، والذي أظهر اللقاء الحالي:

أن الطالبات يفصحن عن أن المدرسات يقمن بكل ما في وسعهن لشرح المادة التعليمية على أكمل وجه، ولكن يرفضن الأساليب التي تتعامل بها بعض المدرسات مع الطالبات والتي تم مناقشتها سابقاً. وأن عليها أن تدرك أن المدرسات هن بالضرورة يتعاملن معهن بصورة جيدة، وأن على الطالبات أن يراعوا الظروف والمواقف التي تمر بها المدرسات، خاصة إذا كان المنهج التعليمي طويلاً، وعليه تترتب أموراً كثيرة لعل من أبرزها مستوى الطالبات الأكاديمي، و كفاءة العمل المطلوب من الطالبات والمدرسات معاً، ولعل ذلك يمثل ضغطاً نفسياً واجتماعياً على المدرسات اللاتي تحاولن جاهدة بالوصول إلى الطالبات إلى المستوى الجيد، إضافة إلى ما سبق تلك المتطلبات والأعباء الإدارية من جانب الشئون التعليمية، وزيارة الموجهات والاختصاصين في وزارة التربية والتعليم والتي تطالب المدرسات بالعديد من المهام والأعباء التي تثقل كاهل المدرسات، مما يمثل لديهن ضغطاً نفسياً وتوتراً شديداً، في تلبية كافة المطالب والإصدارات من الجهات الاختصاصية.


الأمر الذي يؤدي بدوره إلى شعور المدرسات بضغوط الدور الذي يقمن به، ويؤثر بصورة وأخرى على هذه العلاقة التفاعلية بينها وبين الطالبات.

ولعل ذلك يتم من خلال تبصير الطالبات بأدوار العمل المطلوب من المدرسات، وشرح مدخلات الأهداف التعليمية ومخرجاتها على الصعيد التعليمي والعملي، والأدوار المطلوبة من الطالبات على صعيد العمل الأكاديمي والمجتمعي، وتوضيح العلاقة التفاعلية بين هذين القطبين الهامين، بصورة علنية وواضحة، بحيث تفهم الطالبات طبيعة العمل والأعباء المنوطة بالمدرسة.



والله ولي التوفيق أتمنى أن أكون قد وفقت في هذا الطرح، واتمنى أن يتناوله الاختصاصيون وأصحاب المجال مناقشة وتحليلا لخدمة أبنائنا......................وهو فعلا موضوع حيوي وضروري\\\



بتول خليفة

دولة قطر

بتول خليفة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
 
 
قديم 05-22-2007, 04:57 PM   #6
اللؤلؤة السوداء
Registered User








اللؤلؤة السوداء غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



إن الموضع جميل وجزاك الله خيرا

اللؤلؤة السوداء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
 
 
قديم 04-25-2010, 02:09 PM   #7
جعلانية
Registered User








جعلانية غير متواجد حالياً


 آخـر مواضيعي
 



مساء الخير:
موضوع روعة .الله يعطيك العافية.

جعلانية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
علاج السلوك الاستحواذي والسلوك النمطي لدى الأطفال التوحديين ياسر الفهد منتدى الاضطرابات السلوكية و التوحد 9 04-29-2010 09:09 PM
قاموس التربية الخاصة nawaf المنتدى العام 46 04-25-2010 09:33 PM
كل ماتريد معرفته عن التوحد ياسر الفهد منتدى الاضطرابات السلوكية و التوحد 71 12-23-2009 12:31 AM
السلوك الفوضوي داخل الصف الدراسي abu-saeed منتدى الأبحاث والدراسات والكتب والمراجع 10 04-28-2005 01:20 AM
السلوك النمطي ( Stereotypic Behaviour ) معلم طموح منتدى الاضطرابات السلوكية و التوحد 4 11-27-2004 02:51 AM


الساعة الآن 03:14 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
ngham4host
نغم هوست للاستضافة والتصميم والدعم الفني